بين عشرات الأعمال الرمضانية التي عرضت في الموسم الرمضاني، تصدّر مسلسل «الهيبة» (كتابة هوزان عكّو- إخراج سامر البرقاوي)، حلقات النقاش، والتداول الشعبي.

تواكب عرض المسلسل مع ماكينة إعلامية ضخمة، بدأت من الشاشة السعودية mbc، وقناة mtv اللبنانية، ولم تنته عند المنصات الاجتماعية والمواقع الإلكترونية، وفورتها المقصودة وغير المقصودة على مدار الحلقات.

بطبيعة الحال، لا يمكن لهذه الضخامة الإعلامية والتحشيد، أن تصنع كل هذا الضجيج، الذي ترافق مع إنتاج ضخم، وتخصيص ميزانية عالية، إلى جانب براعة عالية في اختيار الممثلين/ات، وتأدية أدوراهم بإقناع شديد، لا سيما غير الأبطال منهم (من غير الصفّ الأول).


تصوير مناطق في البقاع
لطالما تعاطى معها الإعلام بطريقة منمّطة وسلبية


قصة «الهيبة»، القرية الحدودية المتخيّلة مع سوريا، تدور في فيلا «شيخ الجبل»، ضمن بيئة بقاعية، تحاكي الخارجين عن القانون، وتكرّس أفكاراً تندرج ضمن «العادات والأصول» ثقافياً واجتماعياً، وتكبّل كل من يعيش في هذه البيئة. هذه القصة محورها الأكشن، ولعبة السلاح، والثأر، مطّعمة بقصة حب، تتكرس في الحلقات الأخيرة. من هنا، كانت الأحداث محطّ اهتمام شعبي، وانجذاب وافتتان لافتين، أكان في القصة أو في أداء الممثلين/ات، على رأسهم النجم السوري تيم حسن. الأخير يشارك للمرة الثالثة على التوالي في بطولة مشتركة مع زميلته نادين نجيم، تحت خيمة شركة Cedars Art Production المعروفة بـ «صبّاح إخوان». الممثل الكاريزماتيك لا يحتاج إلى شهادة في حرفيته، وأدائه العالي، و«نحته» لهذا الدور، بكل تفصيل فيه وبهذه الشخصية الجذابة المافياوية، صعدت إلى جانبه أسماء لامعة، حتى إنّ بعضها تفوّق على أبطال العمل أمثال: أويس مخللاتي (صخر)، وعبده شاهين (شاهين)، وسامر كحلاوي (الدبّ). أضف إلى ذلك الحضور الآسر للنجمة السورية منى واصف. كل هذه الخلطة، أسهمت في تخطّي العمل حتى توقعات أصحابه، وصنعه حالةً شعبيةً عارمة، أعادت إلى أذهاننا، أجواء السلسلة السورية الشهيرة «باب الحارة» في جزئها الأول. حالة ركبت موجتها منابر إعلامية وإلكترونية، عبر استضافتها وجوه «الهيبة»، وأفادت من هذه الضجة، لتسجيل نسب مشاهدة عالية. فما سرّ «الهيبة»؟ وما هي الأسباب التي أسهمت في إنجاحه، وسرقته الأضواء بهذا الشكل غير المسبوق؟ اجتماعياً، ما الذي جذب الجمهور إلى عمل مماثل؟ لماذا تآلف وتماثل معه إلى هذا الحد؟ ما خطورة التماهي مع جماعات خارجة عن القانون، ومع بيئة قلقة دوماً على مصيرها، ومتأهبة لدفع أي مكروه يصيب عشيرتها؟
على الصعيد الإعلامي، هل لوسائل الإعلام وتجييشها المتواصل للعمل، دور في هذا النجاح، أم أنّه متكامل الأوصاف، لا يحتاج إلى ضجة تشكل «رافعة» له؟ ما سر هذه الخلطة التي طرحها الكاتب، ودفع بالمشاهد إلى التعاطف مع هؤلاء؟ هل للدراما تأثير مباشر على سلوكيات الجمهور في ظلّ وقوع جرائم فردية متفرقة تزامناً مع شهر الصوم، خصوصاً أنّ عددها اللافت، أخرج النقاش إلى العلن، وربط الترويج للسلاح في الفن، بأعمال القتل والجرائم، أم أن الأمر يحتاج إلى مدة أطول لتأكيد أو نفي هذا الرابط؟
سلسلة أسئلة وإشكاليات، اجتماعية ــ نفسية ــ إعلامية، أفرزها «الهيبة»، سنحاول الإجابة عنها عبر استصراح اختصاصيين في هذه الميادين، وتفنيد عوامل نجاحه، والأثر الذي تركه على المشاهد.
في هذه «المطحنة» الرمضانية التي ينتظرها المنتجون، والشاشات معاً، للاستثمار في الأعمال الدرامية، ليس سهلاً أن ينجح عمل واحد بهذه المواكبة الشعبية والإعلامية. استطاع «الهيبة» قطف هذا النجاح، وركبت موجته وسائل الإعلام. هذا الأمر لا يعدّ «استثناءً» بحسب أستاذة الإعلام في «الجامعة اللبنانية» وفاء أبو شقرا، مضيفةً أنّ التعاطي الإعلامي يركز عادة على الأعمال الدرامية الناجحة، لا سيما في طور بحثه عن مواد يتناولها في شهر الصوم. تنفي أبو شقرا هنا إسهام هذه المنابر في إنجاح المسلسل، بل انحصر دورها في الإضاءة عليه، وعلى نجاحه وإثارته للجدل. إلا أنها تنتقد الدور السطحي الذي قامت به هذه المنصات في الحلقات الأولى، من دون أن تنتظر أن تظهر الحبكة أكثر، عدا سلبية وسائل التواصل الاجتماعي التي كرّست مفهوم «الصبحية» والـ vulgarisation، إذ نصب كل ناشط/ة نفسه على أنه ناقد، يحق له إطلاق الحكم بأن هذا العمل ناجح أو فاشل. وعن أسباب هذه الضجة الإعلامية الكبيرة التي رافقت «الهيبة»، تحيلنا أبو شقرا، إلى ماكينة الشبكة السعودية mbc، والإمبراطورية الإعلامية التي لم يكن «دورها بسيطاً» في تسويق العمل، بخاصة على مستوى العالم العربي. أما في لبنان، فالحالة مختلفة، بسبب إضاءة المسلسل على مناطق معينة من البقاع، لطالما تعاطى معها الإعلام بطريقة منمّطة وسلبية أكان في الأخبار أو التغطيات. أما جماهيرياً، فتفنّد أبو شقرا، أسباب انجذاب المشاهدين، إلى «الهيبة»، وهذه البيئة التي تضم خارجين عن القانون. تحيلنا إلى نظرية «اللص الشريف»، أو «المجرم الشريف»، الذي طبع في الأذهان منذ قرون، مع أسطورة «روبن هود» في التراث الشعبي الإنكليزي، الذي يسلب أموال الأغنياء لإطعام الفقراء.

نحن أمام «اللص الشريف»
أو أسطورة «روبن هود»
وفعلياً، هذا ما دأب عليه كاتب السيناريو والقصة هوزان عكّو، الذي تعمّد أن تكون صورة «جبل» (تيم حسن) نقية. صوره كتاجر ومهرّب للسلاح الخفيف، يرفض التعاطي مع الثقيل منه، والسير في تجارة المخدرات أيضاً. أضحت هذه الشخصية - المستقاة طبعاً من أعمال درامية غربية - قريبة من الناس، ومحط افتتان وانجذاب، بسبب شهامتها ومساعدتها للناس المحيطين بها. تضع أستاذة الإعلام «الهيبة» ضمن الأعمال التي «كسرت التابو»، والمحرّمات، كما حدث مع «باب الحارة» (الجزء الأول)، الذي نقل حيوات هذه الحارة وتفاصيلها البسيطة وطريقة عيشها، وقصص الحب والثأر داخلها.
«الهيبة» تماثل معه آلاف المشاهدين، لا سيما من اللبنانيين الذي شهدوا في هذه الفترة طفرة في ارتكاب الجرائم الفردية، لأسباب تافهة وعبثية، مما دفع بعضهم إلى ربط الترويج للسلاح في الفن والتباهي به بما يحدث على الأرض. إلا أن رأي الاختصاصيين في هذا المجال، يبتعد عن الجزم بتزامن هذه الأحداث الجرمية مع الحبكة الدرامية التلفزيونية. ترفض أبو شقرا هذا الربط، بما أن «كبار رجال الدولة» هم أيضاً من تجار السلاح، ولن ينتظر المجرمون قصة درامية حتى يتأثروا بها، وينفذوا جرائمهم. في هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى كون أبطال هذا العمل هم «ضحايا» في النهاية. ضحايا غياب الدولة أولاً، وأيضاً ضحايا و«أسرى»، عاداتهم وتقاليدهم، بحسب أبو شقرا، مع الاستشهاد بشخصية «عادل» شقيق «جبل» الذي هاجر إلى كندا، هرباً من هذه البيئة. تعقيباً على هذا الربط، لا بد من استذكار مسلسل «لآخر نفس» (كتابة وسيناريو كارين رزق الله -إخراج أسد فولادكار)، الذي أسقط حبكته (الخيانة الزوجية) على بعض الأحداث الجرمية. وهنا، إشادة من أستاذة الإعلام بهذا العمل الذي «يدفع المشاهد نحو التفكير» في تصحيح مسار المؤسسة الزوجية، مع التشديد على أن مجرد طرح هذا الحبكة على الشاشة، «لا يعني التشجيع عليها».
حياة أبطال «الهيبة» وأبطال البيئات المشابهة بقاعاً، ألصقت بهم لعقود، صورة إعلامية نمطية سلبية قوامها أن قاطني هذه المناطق ليسوا إلا تجار مخدرات وقتلة، ومهربي سلاح. لكن في حقيقة الأمر، وبسبب غياب الدولة وإنمائها وإهمالها لهذه البقاع، وجدت هذه الحالات الاجتماعية والإنسانية. هكذا، بات مصدر عيش هؤلاء زراعة الحشيش الذي تتلفه الدولة اللبنانية كل فترة. وفي موازة ذلك، أضحت حياتهم غير مستقرة، تلامس الخطر في كل مرة. وهذا ما تعكسه أحداث العمل. ترى أبو شقرا أنّ هؤلاء يعيشون حياة «غير سعيدة»، وبالتالي لا يمكن أن يعطوا هذا النموذج للمشاهد للامتثال بطرق عيشهم. في هذا الشق الاجتماعي-السياسي بالتحديد، يعيد مدير «مركز الدراسات الاجتماعية والتربوية في بيروت»، طلال عتريسي، في حديث مع «الأخبار» قولبة هذه الصورة، التي صنعها الإعلام، وأسهمت فيها الأجهزة الرسمية بشكل خاص، وأفرزت أناساً هاربين دوماً من العدالة، في ظلّ غياب أي بدائل للعيش الكريم هناك. لا يبتعد عتريسي في الطرح عن أبو شقرا، إزاء نظرية «اللص الشريف»، الذي يتعاطف معه الناس، ويضحي «محبوبهم» مع انتفاء الأسباب التي تدفع، بجمهور معين ــ عبر العمل الدرامي ـــ إلى استخدام والمتاجرة بالسلاح، أو بالمخدرات. يضع عتريسي ذلك فقط ضمن إطار «العامل المساعد»، الذي قد يغيّر سلوك الناس، مع الحاجة هنا، إلى إجراء دراسة سلوك للجمهور، ومدى تأثير هذه الأعمال عليه على المدى البعيد، عبر ضخها رسائل عدة، لها اتجاهات محددة، مع الجزم بأن «الهيبة» ذو قصة «مضبوطة» و«تأثير محدود».
وعن سرّ افتتان القاعدة الجماهيرية بأبطال «الهيبة»، لا يعدو هذا الأمر كونه موجوداً في الأفلام الأميركية، التي تصور أبطالاً خارقين يتمتعون بقدرات رهيبة، تجافي تماماً الواقع. لكن بحسب أستاذ علم الاجتماع التربوي، وعلم النفس الاجتماعي في «الجامعة اللبنانية»، فإن التماثل هنا يحدث، لسعي المشاهد إلى إخراج «المكبوت» داخله، بسبب عجزه عن التمتع بهذه القدرات الخارقة، وميله إلى تجسيدها واقعاً.




المرأة المسحوقة

في «الهيبة»، ترمي النجمة السورية منى واصف (ناهد) منديلاً أبيض أمام نادين نسيب نجيم (عليا ــ الصورة)، وتخيّرها بين أن تكون هذه القماشة كفناً لها، أو سبيلاً للحياة عبر زواجها من ولدها «جبل» (تيم حسن). بداية، تمرّدت البطلة الآتية من كندا لدفن زوجها «عادل» على تقاليد وعادات عائلته، ورفضت الانصياع إلى «الأصول» التي تحكم العشيرة وتحرمها من تقرير مصيرها. لكن تحت تهديد سلبها ولدها الصغير، تعود نادين إلى تلك القرية لتضحي امرأة أخرى، وتقبل بهذا الواقع وتتزوّج بـ «جبل». هكذا، وبطريقة غير منطقية ومفاجئة، يتحوّل مسار شخصيّتها المتمرّدة بالكامل، ويبرر الكاتب هوزان عكو هذه الانعطافة بأنّها نتيجة الحب. فنراها تحمل السلاح، وترفض السفر إلى كندا. بهذا التغيير، أراد الكاتب كسر إرادة هذه الشخصية النسائية مع الحرص على إظهارها «سعيدة». وليس هذا سوى إشارة مهمّة على التسليم بهذه الأحكام التي تستهدف المرأة وكيانها أوّلاً. أما منى واصف التي تأرجحت شخصيتها بين القسوة واللين نتيجة الظروف التي مرّت بها، فأراد عكو من خلالها تصوير المرأة القوية الذائبة أصلاً في العادات، صانعة منها مكانة لها وموزّعة عبرها شهادات في القيم والشهامة والشرف...