صفحات الإبداع من تنسيق: أحلام الطاهر


إنريكي أندرسون إمبرت *
ترجمها عن الإسبانية محمد الفولي

المنتحر

أسفل الإنجيل المفتوح، حيث ظلل بالأحمر الآية التي تفسر كل شيء، وضع رسائله: لزوجته والقاضي وأصدقائه. تجرع السم واستلقى. لم يحدث شيء. نهض بعد ساعة ونظر للعبوة. نعم. كان سماً.
كان واثقاً للغاية. أفرغ جرعة جديدة وشرب كوباً آخر. استلقى مجدداً. مرت ساعة أخرى. لم يمت. حينها أطلق النار من مسدسه على صدغه. أي نوع من المزاح هذا؟ هل استبدل أحدهم- ولكن من وأين؟- الماء بالسم والطلقات الصوتية بالرصاص؟ أطلق الرصاصات الأربع المتبقية على صدغه. لا شيء. أغلق الإنجيل وأخذ الرسائل وخرج من الحجرة، في اللحظة التي هرع فيها مالك النزل والخدم وفضوليون على صوت الضربات الخمس.
حينما وصل إلى منزله، وجد زوجته مسمومة وأبناءه الخمسة على الأرض، وفي صدغ كل منهم رصاصة.
أمسك سكين المطبخ وعرى بطنه وبدأ في طعن نفسه. كان نصل السكين يغرق بين ثنيات اللحم الطري، ولكنه كان يخرج نظيفاً مثل المياه. كان اللحم يستعيد نعومته مثل سطح المياه عقب اصطياد الأسماك.
سكب البنزين على ملابسه ولكن عيدان الثقاب كانت تنطفئ باكية.
ركض نحو الشرفة، وقبل أن يلقي بنفسه، تمكن من رؤية نسيج من الرجال والنساء يشقون بطونهم بين نيران مدينة تحترق.

الشبح

أدرك أنه فارق الحياة حينما شاهد جسده ـ كما لو لم يكن جسده بل نسخة طبق الأصل منه- يهوي فوق المقعد جاراً إياه أثناء السقوط. هناك وفي وسط الغرفة وعلى السجادة تمدد جثمانه هو والمقعد.
هذا هو الموت؟ يا لها من خيبة أمل! سابقاً، كان يرغب في التعرف إلى طبيعة الانتقال إلى العالم الآخر، ولكن في النهاية، لم يكن هناك أي عالم آخر! نفس الجدران المصمتة ونفس المسافة بين كل قطعة أثاث والأخرى ونفس خرير الأمطار فوق السقف ولكن بالأخص.. يا لجمود ولا مبالاة الأغراض التي ظن دائماً أنها كانت أصدقاءه: المصباح الموقد والقبعة المعلقة فوق الشماعة... كل شيء، كان كل شيء كما هو، باستثناء المقعد المقلوب وجثمانه الناظر نحو السقف المستعار.

انحنى ونظر إلى جثته كما اعتاد أن ينظر لنفسه في المرآة. يا للذبول! وما كل هذه الكسوة من الجلد المستهلك! قال لنفسه: «إذا ما كنت قادراً على رفع رموشه، فربما يرد ضوء عيناي الزرقاوين النُبل مرة أخرى لهذا الجسد».
لأنه هكذا: بدون هذه النظرة؛ فإن هاتين الوجنتين وتلك التجاعيد وانحناءات الأنف المُشعرة وهذين السنين الصفراوين بعضتهما على تلك الشفاه التي تعوزها الحياة، كلها أمور تكشف واقعه المقيت كأحد الثدييات.
-الآن بعدما بت أعرف أنه في الجانب الآخر لا توجد ملائكة أو هاوية، فسأعود إلى مستقري المتواضع.
اقترب بمزاج جيد من جثته، ذلك القفص الخاوي، وحاول الدخول لإنعاشها مجدداً.
كان من المفترض أن يكون الأمر سهلاً! ولكنه لم يستطع. لم يستطع لأنه في تلك اللحظة انفتح الباب وتدخلت زوجته بعدما أفزعها صوت سقوط المقعد والجسد.
- لا تدخلي.
هكذا هتف بدون صوت ولكن كان الوقت قد فات. ألقت السيدة بجسدها فوق زوجها، وحينما شعرت أن الروح قد فارقته بكت وبكت.
- اخرسي! لقد أفسدتِ كل شيء!
هتف مرة أخرى ولكن بلا صوت. يا لسوء الحظ! لماذا لم يفكر في الإغلاق على نفسه بالمفتاح أثناء التجربة. الآن وفي ظل وجود شاهد لا يمكنه العودة مجدداً. أصبح ميتاً. هالكاً بشكل نهائي. يا لسوء الحظ!
راقب زوجته التي كانت شبه فاقدة للوعي فوق جثته. جثته التي كان أنفها يخترق شعر الزوجة المموج، كمقدمة سفينة. هرعت بناته الثلاث كما لو كن يتسابقن على الحلوى ثم توقفن فجأة واقتربن رويداً رويداً، وبدأن جميعاً في البكاء واحدة فوق الأخرى. كان هو الآخر يبكي وهو ينظر لنفسه على الأرض، لأنه تفهم أن الموت مثل الحياة، ولكنك تكون وحيداً.. وحيداً جداً!
إلى أين قد يذهب؟ لم يعد لديه أي آمال في أي حياة خارجة عن المألوف. لا. لا توجد أي ألغاز.
بدأ في النزول. درجة تلو الأخرى بخطوات متثاقلة، ثم توقف عند بسطة الدرج. كان قد لاحظ للتو أنه، على الرغم من كونه ميتاً، لا يزال يعتقد أنه يتحرك كما لو كان يمتلك ساقين وذراعين، بل وأنه اختار كمنظور للطول نفس النقطة التي كانت فيها عيناه الحقيقيتان! الطبع يغلب التطبع. قرر حينها تجربة بعض المزايا الجديدة وبدأ في الطيران بين منحنيات الهواء. اختراق الأجسام الصلبة والمصمتة كان الشيء الوحيد الذي لم يتمكن من فعله، تماماً كما جرت العادة. كان يصطدم بها. لم تكن المشكلة أنها تؤلمه ولكنه ببساطة لم يستطع عبورها. الأبواب والنوافذ والطرقات وكل القنوات التي يفتحها الإنسان من أجل نشاطه فرضت اتجاهات معينة على تحليقه. تمكن من التسلل عبر ثقب أحد الأبواب ولكن بعد مجهود مضن. هو، كميت، لم يكن أحد أشكال الفيروسات المخترقة التي دائماً ما تجد ممراً لها، بل كان قادراً فقط على الولوج عبر الشقوق الصغيرة التي يمكن للبشر اكتشافها بالعين المجردة. هل حجمه الآن أشبه بحدقة العين؟ ولكن شعوره بنفسه كان مثلما كان الأمر أثناء حياته: أنه غير مرئي ولكن هذه المرة بدون جسد. لم يعد يرغب في الطيران وهبط ليستعيد على الأرض طوله حينما كان إنساناً. كان لا يزال يحتفظ بذاكرة جسده الغائب وبالأوضاع التي كان يتخذها في كل موقف والمسافات الدقيقة لجسده وشعره وأعضائه. كان يسترجع هيئته بهذه الطريقة عبر محيطه واهتم بمعرفة أين كان يتواجد بؤبؤاه قبل ذلك.
سهر هذه الليلة بجانب زوجته واقترب أيضاً من أصدقائه واستمع لمحادثاتهم. شاهد كل شيء حتى اللحظة الأخيرة، حينما غطى تراب المقابر بصوته الكئيب تابوته.
كان طوال حياته رجلاً محباً للمنزل. من المكتب للمنزل ومن المنزل للمكتب. لا وجود لشيء آخر بعيداً عن زوجته وبناته. حسناً، لم يكن لديه إغراء السفر إلى بطن الحوت أو البحث عن آكل النمل العملاق. كان يفضل الجلوس على ذلك المقعد القديم والاستمتاع بالسلام مع أحبائه.
تقبل سريعاً وعلى مضض عجزه عن إبلاغهم بوجوده. كان يكفيه أن ترفع زوجته عينيها وتنظر إلى صورته المعلقة أعلى الحائط.
كان يحزن أحياناً لأنه لا يلتقي في جولاته بأي ميت آخر ليتبادل معه انطباعاته ولكنه لم يكن يشعر بالملل. كان يرافق زوجته في كل مكان ويذهب للسينما مع بناته. سقطت زوجته مريضة في فصل الشتاء وتمنى أن تموت. كان يأمل في أنها لدى وفاتها، ستأتي روحها لمرافقته. ماتت زوجته، ولكن روحها كانت لا تُرى أبداً سواء بالنسبة له أو لبناته اليتيمات.
أصبح وحيداً مرة أخرى، بل وأكثر وحدة، لأنه لم يعد قادراً على رؤية زوجته. واسى نفسه بشعوره بأن روحها كانت بجانبه تراقب حال الفتيات. هل ستدرك زوجته أنه هناك؟ بالطبع.. نعم!.. هل هناك شك! هذا أمر طبيعي!
جاء يوم شعر فيه للمرة الأولى أنه ميت. إحساس العالم الآخر الغامض الذي راوده كثيراً أثناء حياته و.. ماذا إذا كان كل المنزل مسكوناً بأطياف أقارب بعيدين وأصدقاء منسيين ومتطفلين يتسللون عبر الأبدية للتجسس على البنات اليتيمات؟
انقبض مشمئزاً، كما لو كان وضع يده في كهف تسكنه الديدان. أرواح وأرواح.. مئات من الأرواح الغريبة تتراكم فوق بعضها ولا ترى بعضها ولكن عيونها الشريرة مفتوحة على الهواء الذي تتنفسه بناته!
لم يتمكن أبداً من التعافي من هذا الشك ولكن الزمن كان كفيلاً بإزالة توتره، ففي النهاية: ما الذي يمكنه فعله! كانت أخت زوجته قد أخذت اليتيمات إلى بيتها. شعر هناك مجدداً بأنه في منزله ومرت السنوات وشاهد بناته يمتن عذراوات واحدة تلو الأخرى. انطفأت بهذه الطريقة إلى الأبد نيران هذه الأجساد التي في عائلات أخرى أكبر حجماً كانت آخذة في الانتشار كما لو كانت حريقاً في حقل.
لكنه كان يعرف أنه، داخل ما لا يُرى في الموت، فإنّ عائلته كانت تواصل الانتصار وأنهم جميعاً بسبب حبهم لاكتشاف المجهول معاً، يسكنون في نفس المنزل ويتعلقون بأخت زوجته كغرقى يمسكون بالقشة الأخيرة، ولكن أخت زوجته ماتت هي الأخرى.
اقترب من التابوت الذي دفنت فيه. نظر إلى وجهها الذي كان لا يزال مرآة للغموض وانتحب وحيداً. وحيداً.. يا للوحدة! لم يعد هناك أحد في عالم الأحياء يجذبهم جميعاً بقوة الحب. لم تعد هناك فرصة لضرب موعد في أي نقطة في الكون. لم يعد هناك ألم. هناك بين الشموع المشتعلة يجب أن تتواجد أرواح زوجته وبناته. قال لهن: «وداعاً»! وهو يدرك أنه لا يمكنهن سماعه وخرج من الباحة وطار للأعلى نحو سماء الليل المفتوحة.

نظرات أخيرة

نظر الرجل حوله. دخل المرحاض. غسل يديه. صابون برائحة البنفسج. حينما حاول ضبط الصنبور، لم يتوقف عن التسريب. جفف جسده ووضع المنشفة على الجانب الأيسر من الحامل؛ فالجانب الأيمن يخص زوجته. أغلق باب المرحاض لكي لا يسمع صوت التسريب. ذهب مجدداً نحو غرفة النوم.
ارتدى قميصاً نظيفاً بأساور أكمام فرنسية. يجب البحث عن أزرار الأكمام. كان ورق الحائط مليئاً برسومات صغيرة لرعاة وراعيات. كانت بعض الثنائيات تختفي أسفل لوحة تحاكي «العشاق» لبيكاسو، ولكن بعيداً حيث يقطع حلق الباب أحد جوانب ورق الحائط، ظل كثير من الرعاة الصغار وحيدين بدون رفيقاتهم.
توجه إلى غرفة المكتب وتوقف أمامه. كل واحد من أدراج قطعة الأثاث الضخمة التي تشبه المبنى عبارة عن منزل يأوي أشياء. في أحد هذه الأدراج، يجب أن يتبادل طرفا المقص الكره كما يفعلان دائماً. داعب بأصابعه كعوب كتبه. وقعت خنفساء على ظهرها فوق رف الكتب وهي تحرك سيقانها بيأس. عدلها بسن قلمه. إنها الرابعة عصراً، توجه إلى البهو. الستائر حمراء. احمرار يميل للوردي في الجزء الذي تسقط عليه أشعة الشمس.
التفت بعدما أصبح على مقربة من باب الخروج. نظر إلى مقعدين متقابلين كما لو كانا يتشاجران. لا يزالان يتناقشان! خرج وهبط السلالم. عد خمس عشرة درجة. ألم تكن أربع عشرة درجة؟ كان سيعود بالفعل لعدها ولكن الأمر لم يعد مهماً. لا توجد أهمية لأي شيء. عبر إلى الرصيف المقابل وقبل التوجه لنقطة الشرطة، نظر إلى نافذة غرفة نومه... هناك، داخلها، ترك زوجته وخنجر مغروس في قلبها.
سادومازوخية
مشهد في الجحيم: يقترب زاخر مازوخ من ماركيز دو ساد ويرجوه بمازوخية:
- اضربني. اضربني! اضربني بقوة أنا أحب هذا!
يرفع دو ساد قبضته استعداداً لضربه ولكنه يتوقف في الوقت المناسب ويجيبه بنظرة ولهجة قاسيتين.. بكل سادية:
- لا

* إنريكي أندرسون إمبرت (1910-2000/ الصورة) قاصّ وروائي وأكاديمي أرجنتيني، عاش جزءاً من حياته في الولايات المتحدة، وعمل كأستاذ في «جامعة هارفارد»