هذا المؤلف مخصص لعرض تاريخ فلسطين من منظور الوضع الاقتصادي فيها في ثلاثينيات القرن الماضي وأربعينياته، الخاضعة لاحتلال الاستعمار البريطاني بدءاً من يوم 02/11/1917، الذي أسس لكيان العدو الصهيوني وسهل له إقامة قواعد اقتصادية واجتماعية وعسكرية وفكرية وغيرها. الكاتبة شيرين صيقلي، توضح في مؤلفها الطليعي خطأ النظرة الاستشراقية إلى وضع الفلسطينيين الاقتصادي في وطنهم المحتل، الذي يدعي ــ عن غير حق، الأمر الذي يتأكد في مؤلفها ـــ أنّ الغزاة الصهاينة هم الذين وضعوا أسس الاقتصاد، لكن من دون نفي حقيقة عدم مقدرة الرأسمال الفلسطيني الوطني على منافسة رأس المال اليهودي-الصهيوني، الذي فتح الاستعمار البريطاني له أوسع الأبواب لممارسة نشاطاته في الوقت الذي وضع كافة ما أمكن من عراقيل لمنع نمو اقتصاد فلسطيني منافس أو حتى مستقل.


على سبيل المثال، لم يكن بإمكان رأس المال الفلسطيني، النامي، مواجهة مشاريع ضخمة مثل شركة الكهرباء، في مجتمع وبلاد انتقلت من تخلف العهد العثماني إلى مرحلة استعمار غربي متوحش مدعوم من أنظمة سايكس- بيكو الأعرابية المتخلفة، هدفه محو اسم فلسطين وتفتيت المجتمع الفلسطيني.
شيرين صيقلي، المحاضرة في التاريخ في «جامعة سانتا بربرا» في ولاية كاليفورنيا، تنوه إلى حقيقة أن موقف الاقتصاديين أو الرأسماليين الفلسطينيين من الانتفاضات والثورات فيها ــ وعلى العكس من بعض الادعاءات ـ لم يكن دينياً. على سبيل المثال، وقفت عائلة النشاشيبي المسلمة والرأسماليان إميل بوتاجي وجاد سويدان المسيحيان ضد ثورة عام 1936، لكن رجال أعمال مسلمين مثل أحمد حلمي باشا، والمسيحي فؤاد سابا دعما الثورة ودعيا إلى الانخراط فيها. بل إن الأخير شكل أول مؤسسة تدقيق حسابي في فلسطين وشرقي المتوسط بما في ذلك دمشق وبيروت وبغداد، وهو مؤسس شركة ‹طيران الشرق الأوسط› التي انتقلت بعد اغتصاب فلسطين عام 1948. هنا افتقدنا إلى عدم قيام الكاتبة بالبحث في الأسباب الحقيقية لمواقف معارضي الثورة، التي هي برأينا، اقتصادية وارتباط الطرفين بالاستعمار البريطاني الذي منحهما مواقع الوكلاء في السلطة، العميلة طبعاً، علماً بأن بعضهم عد نفسه من الأرستقراطية!


بعض رجال الأعمال أكدوا تأثرهم بالبريطاني آدم سمِث

تنوّه الكاتبة إلى حقائق أخرى متصلة بالتطور الاقتصادي وهي عدم اقتصار الانخراط الاقتصادي لرجال الأعمال على طبقة معينة، وإنما تجاوز الحدود التقليدية حيث اندمجت طبقات وفئات أخرى ومنهم الأطباء والمحامون، الذين مزجوا بين الاقتصادي والوطني-الثوري، وهو ما نبذته ‹مجلة الاقتصاديات العربية› التي صدرت في فلسطين المحتلة بين عامي 1936 و1937.
في الوقت نفسه، تشير الكاتبة إلى حقيقة أنّ بعض الرأسماليين أو رجال الأعمال، ميزوا أنفسهم من الشعب الفلسطيني، المعرض جميعه من دون استثناء، للاقتلاع من وطنه، عبر دعوات تفتقد إلى الحد الأدنى من الفهم والخجل، ومن ذلك الدعوة لمنع العمالة المنزلية من الاستماع لبرامج الإذاعات الأجنبية ذات التوجه الاشتراكي التي تتحدث عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
الكاتبة تشير إلى أن بعض رجال الأعمال الفلسطينيين أكدوا تأثرهم بالاقتصادي البريطاني آدم سمِث، لكن هناك من استعان بكتابات عرب ومنهم ابن خلدون، مشددين على الطبيعة العربية لممارساتهم الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي فإنهم عدُّوا أنفسهم اقتصاديين وليس سياسيين، رغم الدعم الذي قدمه بعضهم للثوار كما أسلفنا.
في الوقت نفسه، فإن الكاتبة توضح أن بعض رجال الأعمال عدوا أنفسهم غربيين وعملوا على «غربنة» حيواتهم وتصرفاتهم، وبالتالي تغربهم عن أبناء جلدتهم وشعبهم، الذي ادعوا أن نشاطهم الاقتصادي هو من أجله!
غالبية رجال الأعمال الفلسطينيين ـ وفق المؤلف ـ اهتموا، وفق أقوالهم، بتأسيس اقتصادي وطني قائم على أسس حديثة وحداثية، ولذلك فإنهم منحوا أنفسهم حرية الاستعانة بما رأوه من أفكار مفيدة، من آدم سمِث إلى الغزالي وابن خلدون.
انطلاقاً مما سبق، فإن الكاتبة لم تقيّم نشاطات رجال الأعمال الفلسطينيين من منظور التزامهم بالنضال الوطني التحرري ضد الغزو الاستيطاني الصهيوني والاحتلال البريطاني، وإنما قصرت بحثها على النشاطات الاقتصادية فحسب، وهذه مقاربة طليعية في كتابة قسم من تاريخ فلسطين (الانتداب)، الواقعة تحت الاحتلال الأنغلو- صهيوني، والمشاركون في النشاطات الاقتصادي رأوا أنهم يعدون مستقبلاً أفضل للأجيال القادمة!
وإذا نجح رجال الأعمال الفلسطينيون في وضع أسس اقتصاد وطني، فإنهم لم يتمكنوا من مواجهة المشروع الاستعماري لتسليم بلادهم إلى الغازي الصهيوني، المتحالف مع أعراب أنظمة سايكس- بيكو من بني عون عبر الأردن والعراق، إلى ملك مصر وقطعان أعراب جزيرة العرب من آل سعود وأتباعهم.
شيرين صيقلي عملت على الاستعانة بمختلف المراجع الأصلية ومنها المجلات والصحف والدوريات والمراسلات والوثائق الرسمية التي كانت تصدر في فلسطين، ما منح عملها أصالة إبداعية.
يتناول الكتاب بالبحث تاريخ فلسطين الاقتصادي إبان الاحتلال البريطاني والهجمة الاستيطانية-الاستعمارية وتأثير ذلك في مختلف طبقات الشعب وفئاته، وهو الأمر الذي نبذته معظم الكتابات عن تاريخ البلاد في تلك المرحلة.