صراعنا مع العدو الصهيوني من أجل إلحاق الهزيمة بالمشروع الاستعماري الغربي - الصهيوني في فلسطين وشرقي المتوسط يتطلب ــ ضمن أمور أخرى ــ معرفة نفسية العدو على نحو عام، وقادته وزعاماته على التخصيص. كل متابع يعلم أن حكومات الغرب الاستعماري كانت ترسل وفوداً تضم علماء نفس لمقابلة زعامات المليشيات الفلسطينية في بيروت، وتحليل شخصياتهم. وقد نجحوا في ذلك إلى أقصى حد، كما أثبتت التطورات إلى يومنا هذا. فالحركة الوطنية الفلسطينية حديثة الولادة في غور الأردن في مطلع ستينيات القرن الماضي، التي استحالت في لبنان إلى مليشيا مهترئة، تضم بعض الثوار، نفذت كل ما كان يتوقع منها، وهو أمر واضح وجليّ لكل من لديه عينيان تريان وعقل فاعِل.


ومن هذا المنطلق والمنظور، أي (اعرف عدوك)، لكن في الاتجاه المضاد، رأينا ضرورة عرض هذا المؤلف عن رئيس وزراء العدو الصهيوني الحالي، بنيامين نتنياهو، الراسخ في منصبه، أي منذ عام 1990، مع فترة انقطاع قصيرة.
الكاتب ينوه إلى بعض قدرات نتنياهو ومنها إتقانه اللغة الإنكليزية، بلكنة أميركية، إلى حد دفع قناة ‹سي إن إن› إلى تعيينه مراسلاً حربياً لها إبان العدوان الأنغلو-عربي على العراق عام 1990.
موضوع المؤلف هو الحياة السياسية لرئيس وزراء العدو، إضافة إلى دراسة تفكيره السياسي وكيفية اتخاذه القرارات الحاسمة، وبعض صفاته الشخصية التي تحدد قراراته وخياراته السياسية.
جمع كل هذه الأمور، على حقيقتها، ليس بالأمر السهل، وهو ما ينوه إليه الكاتب، وهو أستاذ دراسات البحر المتوسط وشرقه في «ينفرستي كلدج لندن»، في حديثه عن المراجع. على سبيل المثال، يشير إلى أن اللقاءات الشخصية قد تقع فريسة النسيان والانحياز وما إلى ذلك. ليس ثمة مراجع محايدة، لذا فإن دراسة الشخصية تحتاج إلى متابعة، خصوصاً أن المؤلف يغطي مساحة عشرين عاماً. إضافة إلى ذلك، فإن الكاتب وضع عنواناً للمؤلَّف ذا معنيين، مع أنه يشدد على أن الناشر هو من وضعه. المقصود هنا أنه مأخوذ من مسرحية برتلد برشت «الصعود المقاوم لأرتورُ أوي [المقصود هنا أدولف هتلر - ز م]»، إلا أن الكاتب ينفي أن التشبيه مقصود، وقال إنه كان يفضل عنواناً آخر.
يركز الكاتب أيضاً على تحليل أمور تطبيقية عديدة على نتنياهو وكيفية تصرفه عند لقائه ياسر عرفات: نظراته، علام يركز، تعابير وجهه، تحرك عيونه، وكيفية مد ذراعه لإمساك يد عرفات، وما إلى ذلك.


يشبّهه
بشارون لناحية كره العرب وعدم الثقة بهم

نتنياهو ـ في نظر البعض ـ والكلام للكاتب، متطرف معادٍ للعرب، ولآخرين مستسلم للعرب والفلسطينيين.
ابتعد الكاتب عن الكرنولوجيا المعتمدة في كتابة سير الأشخاص، وقرر تقسيم حيوات نتنياهو السياسية إلى تسع مراحل عدها حاسمة في تطوره وصيته ومستقبله السياسي الذي قد يجعله يتجاوز المجرم الآخر بن غوريون كأطول رئيس وزراء في منصبه، وأمل أن يضيف إليها مرحلة عاشرة هي سقوطه، لكنه نجح في انتخابات عام 2015. يصف الكاتب الأحداث لكل من المراحل التسع، وتلك التي يمكن متابعة كل منها على حدة، منها اغتيال رابين ومصافحة ياسر عرفات وخسارته الانتخابات في عام 1999.
يشير الكاتب في فصول المؤلف العشرة إلى تأثير يونثن، شقيق نتنياهو، ومقتله في عملية مطار عنتابي، إضافة إلى تأثير والده الأكاديمي، وهو ما دعاه في نهاية المطاف إلى تأسيس «معهد يونثن» بعد مقتل الأول، وهو ما ساعد في ربطه بعالم السياسة خصوصاً المقيم في واشنطن. يقول الكاتب إنّ صعود نتنياهو مرتبط بما أسماه دمقرطة الحياة السياسية في كيان العدو الصهيوني، إذ عمد حزب الليكود إلى ترك اختيار رئيس الوزراء للناخبين. في الحقيقة إن ما يسميه الكاتب ديمقراطية النظام الانتخابي في كيان العدو ما هو إلا أمركة النظام، وهو ما يمكن للمتابع رؤيته على شاشات التلفاز عند بدء الانتخابات في فلسطين المحتلة. ونظراً إلى كون نتنياهو متحدثاً جيداً و«فوتوجنيك»، وفق الكاتب طبعاً، فإنه تمكن من كسب الناخبين في الانتخابات الأخيرة.يوضح الكاتب في مختلف أجزاء المؤلف، أن مستقبل «إسرائيل» غير واضح. فاستمرارها على النحو القائم يقود بالتالي إلى تلاشيها ديمغرافياً، وهي غير قادرة على كسب المزيد من أشكناز العالم، وهذا الكلام لنا.
أما مقدرة نتنياهو على الاستمرار فمردها، وفق الكاتب، إلى مقدرته على ممارسة دور حارس «إسرائيل». ويضاف إلى ذلك ـ بحسب الكاتب ـ عدم وجود بديل له في الحياة السياسية في «إسرائيل».
ومن الأمور الأخرى التي استفاد نتنياهو منها هو مقدرته على التعلم من أخطائه وتفاديها مستقبلاً، وتحويلها إلى نقاط قوة.
مع ذلك، ينوه الكاتب إلى حقيقة هجرة رأس المال من إسرائيل إلى السوق الأميركية التي تعد أفضل للرأسماليين اليهود، وهو ما لم يتمكن نتنياهو من وقفه. فشعبيته في الولايات المتحدة تتفوق على مثيلها في فلسطين المحتلة.
يقارن الكاتب نتنياهو بمجرم الحرب الآخر شارون، في عدم الثقة بالفلسطينيين والعرب بل حتى كراهيتهم. لكنه يرفض سياسات المقبور شارون، وليس من المتوقع أن ينسحب من شبر من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 من دون ثمن، وهو ما فعله شارون في «قطاع غزة» المحاصر، وكان ينوي تطبيقه في «الضفة الغربية» أو شرقي فلسطين بالأحرى.
ربما أفضل ما ننهي به هذا العرض التذكير بكلمات يونثن إلى نتنياهو كتبها في رسالة قبل مقتله قال فيها، ضمن أمور أخرى «ما نحن في حاجة إليه الحكمة كي نحارب العزلة التي نعيشها وتحيط بنا من كافة الجوانب، لكن ليس ثمة من حكماء في إسرائيل».