غالباً ما كان يحرص التيار الوطني الحر منذ عقد وثيقة تفاهمه مع حزب الله على فصل نفسه عن قوى 8 آذار، فيصحح للصحافي إدراجه التيار ضمن هذه القوى بالتأكيد أنه حليف 8 آذار وليس عضواً فيها. فيما كان يحرص السيد حسن نصرالله بنفسه على تسمية التيار بحليف قوى 8 آذار في خطاباته.


وفعلياً، باستثناء الاعتصام في وسط بيروت عام 2008، عجز التيار الوطني الحر عن التفاعل مع حركة أمل والحزب السوري القومي الاجتماعي وتيار المردة وغيرهم. انضمام رئيس الحزب الديموقراطي طلال أرسلان الى تكتل التغيير والإصلاح وعلاقة نائبه مروان أبو فاضل الجيدة بالتيار، لم يساهما أيضاً في اعتراف العونيين بأرسلان كحليف جدّي أو التعامل معه كحليف في المقام الأول.
في ميزان التيار الوطني الحر، وبمعزل عن تتويج النائب ميشال عون رئيساً للجمهورية وبورصة التوزير الحكومي، لم يكن الوزيران السابقان فيصل كرامي وعبد الرحيم مراد يوماً بديلاً من سعد الحريري. كما لم يكن النائب طلال أرسلان يوماً بديلاً جدياً للنائب وليد جنبلاط، رغم إيجابية كرامي ومراد وأرسلان المبالغ بها تجاه التيار طوال السنوات الماضية.


«كيدية» التيار لا تستوعب أهمية ترسيخ وجود فرنجية وضمان استمرارية حزبه

سابقاً، ترجم التيار صبّ أصوات القوميين السوريين في صناديق الاقتراع لمصلحة لائحته المتنية منفعة للقومي على اعتبار أنه مجبر على مجاملته بحكم حلفه مع حزب الله، لكنه في المقابل لم يبادله بالمثل رغم ترشح أحد القوميين، غسان الأشقر، على اللائحة، فآثر العونيون تشطيبه من دون أن يرف لهم جفن. من الطبيعي، عونياً، أن يصوّت القومي للتيار منعاً لربح الكتائب؛ وعونياً أيضاً من الطبيعي ألا يجد التيار نفسه ملزماً بالتصويت لمرشح القومي كي يفشل المرشح الكتائبي ويضمن فوز حليفه. وعونياً أيضاً وأيضاً، قمع حزب الله مراراً وتكراراً الكثير من حلفائه وتفهمه للتيار واجب، كحؤوله دون إطلاق يد إميل إميل لحود سياسياً ونيابياً في المتن الشمالي، فيما أيّ رجل أعمال، لا نجل رئيس جمهورية، كان قادراً على صقل حيثيته ودفع الأحزاب لاستيعابه ضمن اللائحة الرسمية. وفي كسروان، قبول فريد هيكل الخازن عدم مقارعة الجنرال في أحد معاقله ليس لخوفه من التسونامي العوني. رغم ذلك، بقي التيار الوطني الحر متمسكاً بالمعادلة الآتية: وقوف 8 آذار الى جانب التيار تحصيل حاصل. أما الحزب البرتقالي، فيكفيه أنه حليف حزب الله.
في ميزان حزب الله، الثوابت واضحة: الرئيس نبيه بري والعماد ميشال عون هما الحليفان الأساسيان، من دون أن يعني ذلك إلغاء باقي الحلفاء، بل على العكس يحرص الحزب على ضمان استمرارية حلفائه وحمايتهم. وما تجربة الانتخابات البلدية في زحلة الأخيرة عندما تعمّد الحزب توزيع أصواته على التيار الوطني الحر ونقولا فتوش وميريام سكاف سوى أبرز دليل على ذلك. فحزب الله ملتزم بالتصويت لحلفائه، ولو تواجهوا في ما بينهم، ويحرص على عدم كسر أي منهم. أما ورقة نيات حليف الحليف أو حلفاء التيار بالمجمل فلا تُلزم الحزب بمراعاة القوات أو غيرها، لا أمس ولا اليوم ولا غداً. ويفترض بالتيار دون غيره أن يفهم ذلك جيداً لأنه أولاً وأخيراً لا يراعي حلفاء الحزب ويعلم جيداً في المقابل أن الحزب متحالف معه لا مع أصدقائه الجدد. وهو، على ما يبدو، الأمر الذي لا يأخذه التيار ورئيسه جبران باسيل على محمل الجدّ حتى الساعة. لذلك تعبق الصالونات العونية هذه الأيام بالحديث عن تدخل السيد نصرالله لحسم أمر الحكومة بالضغط على بري لخفض سقف المطالب عاجلاً أو آجلاً، من دون أن يتنبه المتسامرون الى أن الحزب صدق بوعده لعون حتى النفس الأخير. أما التضحية بحلفائه وتسهيل كسرهم ولَيّ ذراع تيار المردة لمصلحة القوات فمن رابع المستحيلات.
وفعلياً لا أحد يمكنه فهم طريقة مقاربة التيار الوطني الحر لتوزيع القوى في الحكومة اليوم، ففي مقابل حرصه على تأمين حصة وزارية قواتية مساوية لحصته تنفيذاً لاتفاقه المسبق مع معراب، من المستغرب عدم تنبهه لأهمية حصول حزب الله على حصة وازنة على سبيل المثال، رغم اعتراف التيار بنفسه بفضل الحزب في إيصال عون الى بعبدا. ومن المستغرب أكثر، حصر التفكير العوني باللحظة الراهنة والمكاسب الظرفية، وتمهيدهم بذلك لخسارة على المدى الأطول. والأهم، تعامل التيار الوطني الحر وجمهوره مع كل أفرقاء 8 آذار، من القومي والمردة وأرسلان وغيرهم بخفة ومساهمتهم في تنفيذ أجندة 14 آذار بتهميشهم. يردد التيار في هذا السياق أنه بتهميش المردة والقومي والكتائب ومستقلي 14 آذار، يكرس تفتيت 8 و14 آذار المسيحيين، مسقطاً من حساباته أنه يعزز تمثيل 14 آذار المسيحي الذي لطالما اختزله جعجع بشخصه، ويتوّجه كحزب العهد والمستفيد الأول من الرئاسة الآن ولاحقاً. فـ"كيدية" التيار لا تستوعب اليوم أهمية ترسيخ وجود فرنجية وضمان استمرارية حزبه، ولا تدرك أهمية بقاء فريد هيكل الخازن قوياً.
رغم ذلك، يسهل في الوقت الحالي فهم القسوة العونية على المردة، علماً بأن فرنجية نفسه قسا لفظياً على التيار، لكنه بعد خسارته الرئاسة اعتبر "خطّه" السياسي منتصراً، ووضع نفسه في خدمة رئيس الجمهورية. كان يفترض بما سبق أن يكون كافياً لغسل "ذنب" المردة، إلا أن هناك من يصبّ الزيت على نار القلوب البرتقالية. وفيما يسهل فهم مقاتلة العونيين لتأمين حصة القوات، يصعب العثور على سبب واحد لتوزير ميشال فرعون مثلاً، سوى من خلال توزيع حقيبة ــ مكافأة لكل من صوّت لفخامة الرئيس. وهنا، كان يفترض تالياً ضمان حصة الحزب القومي الذي صوّت نائباه الاثنان لعون، وحصة النائب طلال أرسلان الذي، رغم الصداقة التي تجمعه بفرنجية، آثر انتخاب عون. تطول لائحة الأسئلة، وليس آخرها رفض التيار توسيع الحكومة من 24 الى 30 وزيراً، رغم أن التيار و"حلفاءه" في قوى 8 آذار كانوا سيحصلون على أكثر من 4 وزراء من أصل ستة سيُضافون إلى الحكومة، من بينهم وزارة لأرسلان من دون الحاجة الى المكرمات الجنبلاطية ووزارة أخرى لمصلحة الطائفة الشيعية تكون من حصة الرئيس، ووزارة ثالثة من الطائفة المسيحية تضمن وجود القومي في الحكومة العتيدة، ووزارة مسيحية رابعة تُضاف إلى فريق رئيس الجمهورية. وذلك من شأنه أن يريح حزب الله وحلفاءه والتيار الوطني الحر في آن واحد.
في السنوات العشر المنصرمة، زرع التيار الوطني الحر ورئيسه السابق والجديد بذوراً في حديقة حزب الله. يقدّر الحزب ذلك جيداً. إلا أن التيار أهمل في السنوات اللاحقة ما زرعه، مكتفياً بقطف الثمار عند نضوجها ومسقطاً من أجندته المراحل التي سبقت القطاف وتعب المزارعين. واليوم، يتعامل مع ملف تشكيل الحكومة على هذا المنوال.