تحرس عيون الثوار شوارع هافانا ويوميات ناسها. صور بكل الأحجام لتشي غيفارا وكاميلو، إضافة طبعاً إلى المحرر الأول في هذه الجزيرة الكاريبية «خوسيه مارتيه». بحثت عن صور فيديل في تفاصيل المدينة، وجدت واحدةً داخل محل صغير في هافانا القديمة.


ولما سألت لمَ لا تُنشر صور الرئيس السابق كبقية الثوار قيل لي: «فيديل حيّ فيما هم شهداء. هو بيننا لكن هؤلاء ذهبوا».
بطريقة ما، فيديل بقي حاضراً في حياة الكوبيين اليومية برغم تنحيه عن قيادة البلاد عام 2008. الرفيق ذو اللحية الكثة الذي تفتّح وعيه ضد التمييز منذ الطفولة، قرن القول بالفعل خلال فترة حكمه التي امتدت لعقود. الكوبيون يتناقلون قصص أجدادهم عن هذا المقاتل الذي لم يرضَ ورفاقه بالفشل في محاولتهم الثورية الأولى. ظل هو هو بالنسبة إليهم، حتى حين نال المرض من بعض حضوره الكاريزماتي الشهير.
«فيديل» كما يناديه الكوبيون، مقترنٌ لديهم بالإنجازات التي راكمتها الثورة برغم الحصار الأطول والأصعب في التاريخ السياسي الحديث. هو الذي أطلق برنامج محو الأمية في العام الذي تلا الثورة مباشرة، حين أُوقفت الجامعات والمدارس وتحول كل من يعرف الكتابة والقراءة إلى معلم لآلاف الكوبيين الذين تركوا ليعانوا الجهل وآثاره في عهد باتسيتا. خلال سنتين، أصبح كل كوبي قادرا على الكتابة والقراءة. وبعد نحو خمسين عاماً، تبنت الأونيسكو برنامج كوبا لمحو الأمية وعنوانه «نعم نستطيع» لتنشره في العالم. أمرٌ لن يعرف كثر عنه، إذ إنّ البروباغاندا المضادة لكوبا، لن تورد خبراً كهذا عن هذه الجزيرة الشيوعية العنيدة.
اليوم، تأتي نسبة المتعلمين في كوبا بين الأعلى في العالم، إذا لم تكن الأعلى. 99 في المئة من الشعب الكوبي متعلم ضمن نظام تربوي لا يدفع فيه أي شخص سنتاً واحداً من صف الروضة حتى انتهاء مرحلة الدكتوراه. هذا فضلا عن النظام الصحي المجاني بالكامل لكل كوبي وغير كوبي على أراضي الجزيرة.


«أخرق من يظن أن من عاش كبرياء التمتع بالحرية والسلاح في يده، يمكن أن يستسلم ويقبل الخضوع وذل القمع»!
(من رسالة الثوار استعداداً لهجوم جيش باتيستا
على سييرا مايسترا في أيار 1958)



الحصار له حسنات بطريقة ما، فبسبب الانقطاع عن سوق الدواء العالمي، اجترح الكوبيون ما يشبه المعجزات الطبية لعلاج أمراض صعبة ما زالت دول بموارد هائلة عاجزة أمامها. طب الأمومة والطفولة في كوبا من الافضل عالمياً، وحتى الاميركيون لا يملكون الوصول إلى اللقاحات الكوبية الشهيرة لأمراض عدة بينها السحايا ومرض الكبد الوبائي.
أما مدرسة أميركا اللاتينية للطب، التي اسسها فيديل وصديقه الفنزويلي هوغو تشافيز، فتستمر في إعداد أفضل الأطباء في أميركا اللاتينية والعالم، بعد قرار القيادة الكوبية السماح للطلاب القادرين على دفع رسوم الدراسة بالانتساب إلى جامعاتها.
ربما هذه الأمور معروفة لدى البعض عن كوبا خلال حكم فيديل، ولكنّ أمراً عرفته من الكوبيين في إحدى سهرات هافانا الساحرة، وهو أنه خلال الفترة التي عُرفت بالسنوات الخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، «جاع» الكوبيون. كان أعتى أنظمة العالم على بعد 90 ميلاً من سواحلهم منتشياً بسكرة الانتصار على معقل الشيوعية، فيما هم متروكون وحدهم للحصار الذي اشتد خناقه على رقابهم. كانت السيارات قلما تمر على كورنيش الماليكون الشهير في العاصمة لقلة البنزين، فيما الموارد إلى شح ولا أفق لأي انفراج قريب.
كان فيديل الدكتور في القانون والشيوعي العنيد ينزل يومياً إلى ساحة الثورة ليخطب بالكوبيين. كان يلقي خطاباته الطويلة المشهورة، كأب وكرفيق وكقائد: «ما كنا نتمنى أن ينهار الاتحاد السوفياتي، ولكنها الامبريالية بكل قواها التي تسببت في ذلك. هل ننهار نحن أيضاً؟ هل ثورتنا مرتبطة بالخارج أم بنا؟ نحن الشعب الكوبي الذي صمد خلال 3 عقود من الحصار؟ يا رفاقي نحن مثال وعيون العالم علينا بعد الاتحاد السوفياتي. إذا انهرنا فسينهار المثال لشعوب العالم. هل صبرنا طوال هذا الوقت لننهار الان؟».
ظل الحال صعباً حتى وصول تشافيز إلى حكم فنزويلا، إذ صار لكوبا المثال بلد رفيق في الحلم، وتبعتهما دول لاتينية أخرى كثيرة يحلم أبناؤها بعالم تحكمه الاشتراكية وتتراجع فيه غطرسة الامبريالية أمام آمال الشعوب بالكرامة والاستقلال.
«فيديل أشبعنا كرامة» قال محدثي. جملةٌ لا يمكن أن أنساها أبداً...
جملة أخرى قيلت خلال حديث عن قدرات كوبا الاعلامية. قيادة الثورة كانت على دراية بأن ما يصل عن كوبا إلى العالم يمر عبر الاعلام المعادي لها. كان بالامكان اختيار بذل الموارد القليلة المتاحة لتحديث وسائل الاعلام آنذاك، ولكن: «كان علينا أن نختار بين إعلام أوسع مدى أو أن نؤمّن كأس حليب لأطفالنا كل صباح، ولقد اخترنا الاستثمار في صحة أجيالنا».
هكذا قاد فيديل كوبا إلى مستقبل كان مدركاً أنه سيغيب عنه يوماً. صوره ستزين أنحاء الجزيرة منذ الآن، فقد ذهب بدوره إلى رفاقه الثوار. ذهب محمّلاً بحب الكوبيين الكبير له. حبّ أكسبه إياه سُكنه الطويل في قلوبهم.