لدى اسم بيروت ــ كما يُلفظ بنوستالجيا مفرطة ــ قدرة على تمييع أكثر الثغرات الجدية المتعلقة بحال الكتاب أو النشر أو الحركة الثقافية فيها عموماً. لا يهم إن كان «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» مصاباً بانعدام الحركة منذ أعوام. على اسم بيروت وحده ربما يعوّل منظمو المعرض السنوي (النادي الثقافي العربي)، ودور النشر المشاركة، رغم اختلاف آراء الاثنين.

أخيراً، صار بعض الناشرين يجيدون الاعتراف بحجم بيروت الفعلي بعيداً عن هالتها المتوارثة. يجمع عدد منهم على أن استمرار المعرض، في أوضاع كهذه، هو أمر مرضٍ وكاف. توقف معارض اليمن وسوريا والعراق، ومعوّقات الحدود التي تحكم عمليّة التوزيع، وهبوط العملة في مصر، جعلت العاصمة اللبنانية مدينة تسلب مجدها من فتات الحروب. لكن هل يمكن فصل السوق البيروتية أساساً عن السوق العربية؟ هذا أحد الأسئلة التي يكرّرها الناشرون مع اقتراب الموعد الذي يبلغ عامه الستين هذه السنة.

أمام محدودية الأرباح، وانعدام إمكانية الحديث عن أي دور ثقافي بملامح واضحة في المعرض، تبقى الحرية هي نعمة بيروت الوحيدة. حرية باتت حلماً مستعصياً لمعارض مثل «الشارقة»، و«أبو ظبي»، و«الرياض» و«الكويت» التي تعتبر سوقاً مربحة ومتطوّرة بالنسبة إلى بعض الناشرين. هذه السنة، تفوّقت الرقابة الكويتية على كل التوقعات، وهي تطالب بكتب بكماء تماماً، مع منعها عدداً من الروايات مثل «خرائط التيه» للروائية الكويتية بثينة العيسى التي أصدرتها «الدار العربية للعلوم ناشرون» في بيروت. هذه الحرية هي ما يجعل من بيروت مكاناً مميزاً لبعض الناشرين رغم غياب الحس المعاصر للمنظمين، والصيغة البائتة التي تجهز على أي طموح بهيكلة حديثة. لا يمكن لهذا الركود بالطبع، أن تطرده بعض التغييرات الشكلية كاستقدام عربات التسوّق، كما اقترح صحافي فذ على «النادي الثقافي العربي» في مؤتمر إطلاق المعرض قبل عامين، وطبعاً، لا بتكثيف حفلات التوقيع التي يكاد معرض بيروت أن يكسر الرقم القياسي بها.
في عيده الستين، يعيدنا اقتراب موعد التقليد السنوي إلى الإشكاليات الداخلية والخارجية التي تضيق بعملية النشر، وسط تحضيرات بعض الناشرين للمعرض الأقرب إلى قلبهم، إذا ما قورن برقابة الخليج وارتفاع أسعار الإيجارات فيها من جهة أخرى. تحسم مديرة «دار الآداب» رنا ادريس الأمر سريعاً: «معرض بيروت هو الأوّل بالنسبة إلينا». تخصص الدار كل سنة عناوين جديدة لتطلقها في العاصمة، كما تقيم تواقيعها فيه. ورغم مصائب مهنة النشر، إلا أن «المؤلفين والروائيين يفضّلون النشر في بيروت، ربما بسبب نوعية الطباعة والحرفية في إنجاز الكتاب». عراقيل النشر التي تهدد الكتب والمهن الورقية، خرجت عن سيطرة الحكومات، فكيف بالناشرين. تكفي حوالى 70 ساعة بعد نشر الكتاب ورقياً، حتى تتسابق المواقع الإلكترونية على قرصنته. يدرك الناشر هذه الحقيقة جيّداً، بقدر إدراكه للخسائر التي تتكبدها الدار نتيجة هذه التعديات. «دار الآداب» وجدت منفذاً مؤقتاً لهذا المأزق عبر توازن يحافظ على تنوع عناوينها التي راوحت بين 40 و50 إصداراً هذه السنة، لكن مع خفض عدد النسخ المطبوعة منها.


توقف معارض اليمن وسوريا والعراق، وإقفال الحدود جعلا العاصمة اللبنانية تسلب مجدها من فتات الحروب
تغطي عناوين الدار الأدب والسياسية والفكر، محاولة أن تجمع الأسماء المكرسة كنجمها واسيني الأعرج الذي يزور بيروت للمرة الخامسة، وبين الأسماء الشابة كمحمد محسن وزهراء عبدالله ومازن حيدر. مثل «الآدب»، تلجأ «دار التنوير» حالياً إلى خفض كمية نسخ الكتاب، يبدو هذا الحل بديلاً سريعاً لمواجهة سرقة الكتب وتزويرها، ثم بيعها بأسعار محروقة تقريباً، لا قدرة للدار مهما خفضت سعر الكتاب على منافستها. تضاعف ظواهر كهذه ضبابية مستقبل مهنة النشر التي تعاني أساساً من تصدّعات مزمنة متعلّقة بالكتاب والقارئ في العالم العربي. يأخذنا مدير «التنوير» حسن ياغي إلى هذه الإشكاليات الأولى لمهنة النشر، التي تبدأ بشبه انعدام نسبة القرّاء، وتضاف إليها التطورات الأخيرة في العالم العربي وانهيار بعض أسواق الكتب فيه. وبالنسبة إلى خصوصية بيروت، فإنّ «ظروفها وموقعها الجغرافي شاءتا أن تجعلاها في هذا الموقع». لا يقتنع ياغي بالصورة الشكلية والتجارية لبعض المعارض. إذ يرفض الرأي القائل بأن معارض «الشارقة» و«أبو ظبي» و«الرياض»، سرقت ألق المعارض العربية الأخرى، «لأنّ 70% من مبيعات تلك المعارض هي الروايات التجارية». وسط كل تلك الظروف المعادية لحركة النشر وسوقها العربية، نتيقّن يوماً بعد يوم بأن هذه السوق مستمرة بفضل تجارب فردية، و«بالشغف والانتقائية بالعناوين» كما يقول ياغي. يستعدّ الأخير للمعرض، من خلال 44 إصداراً جديداً، من دون حفلات توقيع أو أي أنشطة موازية أخرى. خلال هذه السنة، استضافت «التنوير» الروائي التونسي شكري المبخوت، لكن عدد الحاضرين لم يتعد العشرين... وقائع كهذه تشكك في قدرة نجاة معرض بيروت وأي موعد أدبي آخر أمام شبه انعدام أي حركة ثقافية عامة طوال السنة. رشا الأمير مديرة «دار الجديد» واحدة من هؤلاء الشغوفين بالكتاب وبـ «صناعة الحرف» وفق تعبيرها، وتحديداً في «لبنان الذي أنتج عدداً من ألمع اللغويين مثل البساتنة والعلايلي» الذي نشرت الدار كتبه. لا تبدو الأمير متأثرة بالوضع العام، فمعرض بيروت، هو «مجرّد بازار، لكن تحت البيت»، خصوصاً أن «الأمور بدأت تزداد سوءاً قبل الربيع العربي، فنحن لم نكن نعوّل يوماً على الأنظمة وديكتاتورياتها لبيع الكتاب». علاقة الأمير بالنشر تخرج عن سياق المواسم. «أنا لست تاجرة»، تؤكّد الأمير التي تنتقي عناوينها بدقةّ. هكذا تضاءلت نسبة عناوين الدار التي أعادت نشر بعض كتبها مثل «السجينة» لمليكة أوفقير، بعدما سُرق الكتاب. كما أطلقت الدار أخيراً في «معرض الكتاب الفرنكفوني في بيروت» الترجمة العربية من «في يمين المولى ــ التعصّب في ميزان التحليل للنفسي» لجيرار حداد سنجده في الدار. كذلك تدعو الدار بالتعاون مع «دار العين» المصرية الروائي محمد عبدالنبي. وتحايلاً على هبوط الجنيه المصري وسرقة الكتب، طبعت الأمير نسخاً من كتبها في مصر لتتمكن من بيعها بسعر مناسب. لا سبب واضحاً لمشاركة «دار الجمل» في معرض بيروت، سوى «أننا نقيم في هذه المدينة» كما يقول مديرها خالد المعالي. لا يكاد المعالي يرى أي تميّز لمعرض بيروت، خصوصاً مع غياب الأنشطة الثقافية الشاملة وغياب أي حدث آخر كدعوة دولة أجنبية مثلاً. من الناحية الربحية، لا يعوّل المعالي على بيروت بل هناك الشارقة ومسقط وأبو ظبي. وبخلاف معظم الدور التي تشتكي من غياب السوق العراقية، فإن المعالي يعتمد عليها بالدرجة الأولى من خلال مكتبتيه هناك. وفي ما يخص تأثر النشر بالأحداث السياسية، لا ينكر تأثير هذه الأخيرة على نسبة الإقبال على القراءة وحتى على اختيار العناوين، «لكنني ابتعد عن المواضيع الراهنة» يضيف المعالي، قاصداً تلك التي تلهث دور النشر وراء طباعتها ونشرها كمواضيع «داعش» وغيرها. يؤمن المعالي بأن «مهنة النشر تقوم على المغامرة أولاً»، تماماً كما «تقوم عملية انتقاء الكتب في الدار على الاكتشاف»، إذ «إنني قارئ قبل كل شيء» يضيف وهو يعدد العناوين التي ينقلها إلى العربية والكتاب الذين يعثر عليهم مثل اللبناني البرازيلي رضوان نصار الذي سينشر له «كأس من الغضب». حافظت «الجمل» على حركة نشر نشيطة، مع وصول إصداراتها هذا العام إلى 70 عنواناً تتوزع بين الفلسفة والشعر الذي باتت تبتعد معظم الدور عن نشره، والأدب والترجمات والتراث إلى جانب إصدارات الأطفال التي دشنت الدار سلسلة خاصة بها بعنوان «الجمل الطائر». يوماً بعد يوم، تضيق الظروف بمهنة النشر. تشتكي مديرة تحرير «دار الساقي» رانيا المعلّم من هذه الحال، مقتنعة بأن السوق العربية واحدة، فبيروت ليست في منأى عن تبعات التحولات السياسية في العالم العربي. «إغلاق الحدود يدفعنا إلى شحن الكتب عن طريق البحر وهذا يزيد الكلفة، والدولة اللبنانية لا تفعل شيئاً حيال ذلك». وفيما لم تنج بيروت من تبعات تسكير الحدود، إلا أنها لم تصب بعدوى الرقابة على الكتب، كما حدث في معظم الدول العربية بالتزامن مع صعود الأصوليات. «تكاد الحرية تكون الميزة الوحيدة في بيروت»، تضيف المعلم رغم اعترافها بأن معرضها «سوق محدود بالنسبة إلى المعارض الأخرى». لكنه مع ذلك «يشكل فرصة للقاء القارئ بعد النشر طوال السنة». منذ سنوات، تركز «الساقي» على كتب الأطفال، وهذه السنة نشرت 7 روايات لشبان شاركوا في محترف «آفاق». كذلك هناك «ميتافيزيق الثعلب» لعباس بيضون، وبعض الترجمات لكتب فكرية أمام «الشح في الإنتاج الفكري العربي».
تعوّل «دار رياض الريس» على بيروت بشكل أساسي، فهي «فرصة للقاء بين الكاتب والقارئ والناشر» كما يؤكّد مدير التوزيع في الدار عبدالناصر فليطي. هناك تواقيع عديدة تحتضنها الدار لفواز طرابلسي، وجودت فخر الدين، ويوسف بزي إلى جانب 20 إصداراً جديداً. «لقد اتخذنا قراراً بالاستمرار منذ البداية» يشدد فليطي. لكن الحديث عن معرض بيروت لا يمكن إلا أن يعيدنا أعواماً إلى الوراء، وتحديداً قبل ثلاث سنوات، حين «كنا نعتمد على الخارج في المبيعات». لكن «الأمر تغير، فهناك عودة الآن إلى عميد المعارض». يفسر فليطي ذلك بأن «محاولات النهضة الثقافية انحسرت في بلدان الخليج بسبب غلاء إيجار الجناح وزيادة نسبة الضرائب». هذا ما يؤكد ثبوت بيروت، لا تقدماً ولا تراجعاً، باستثناء موضوع الحرية الذي «حيث ما زالت تحافظ على حريتها وعلى جودة الطباعة». آراء متناقضة كهذه، تشكك في المعارض ودورها من الأساس. يشغل هذا التساؤل المحررة في «هاشيت أنطوان» رنا حايك، تحديداً حول أهمية المعارض بالنسبة إلى الناشر الذي يعتمد على الموزعين بشكل كبير طوال السنة. «لا تعدو المواعيد عن كونها احتفاء معنوياً بالمنشورات الجديدة» التي وصلت هذا العام إلى 70 في «نوفل»، تعتمد في نشرها على الكتب المدرسية التي تصدرها الدار إلى جانب سلسلة «ديزني». والأرجح أن هذا ما يصقل تماسكها بوجه آفات النشر الملحة. تحرص الدار، وفق حايك على الخيارات الشابة والمتجددة التي لا تبتعد عن الأزمات الراهنة مثل «رواية اختبار الندم» للزميل خليل صويلح، ورواية للفلسطينية ليانة بدر وأخرى لزينب مرعي، كما تكمل ما بدأته العام الماضي بنشر مواد من الفايسبوك ضمن كتاب. هذه السنة، وقع الاختيار على مجموعة من بوستات محمد سعيد ستصدر بعنوان «عارياً في حوض السمك» لأننا «لا نستطيع أن نتجاهل طرق النشر والكتابة الجديدة بعد الآن».

* «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب ــ 60»: بدءاً من اليوم (س:16:00) حتى 14 كانون الأول (ديسمبر) ـــ «بيال» ـ للاستعلام: 01/345948