في خضمّ هستيريا التطوّر التكنولوجي الذي يشهده العالم اليوم، تُعاني الإصدارات الورقية عموماً من مخاطر عدّة. التحديات المفروضة على الصحافة الورقية حول العالم تنسحب أيضاً على الكتب الورقية، ولا سيّما أنّ النسخ الإلكترونية بمختلف أشكالها باتت واقعاً لا يمكن التغاضي عنه. واقع يوليه الغرب أهمية كبرى، فأين العالم العربي منه؟


رغم الاختلاف حول تحديد تاريخ معيّن لولادة الكتاب الإلكتروني، إلا أنّ الأكيد أنّها تعود إلى عقود مضت، غير أنّه يمكن القول إنّ جذور الـ e-book بشكله الحالي ترجع إلى عام 1971 حين أطلق الكاتب مايكل هارت (1946 ــ 2011) «مشروع غوتنبيرغ» (Gutenberg Project) لتحويل النسخ الورقية من كتب التراث إلى أخرى إلكترونية.
تتعدّد تعريفات الكتاب الإلكتروني، لكنّها تُجمع مبدئياً على أنّه نسخة إلكترونية من كتاب تقليدي، يمكن قراءتها بأشكال عدّة من خلال الكمبيوتر أو الهواتف والألواح الذكية أو عبر جهاز خاص بهذه المسألة (e-book reader)». أشكال الـ e-book كثيرة ومنوّعة، بعضها تفاعلي وبعضها الآخر لا، بدءاً من الـ PDF وصولاً إلى الـ EPUB. هذه الصيغة مفتوحة المصدر، وهي الأكثر شيوعاً، نظراً إلى أنّها تأخذ شكل الجهاز المستخدم وتوفّر إمكانية التحكم في محتويات الكتاب، وتدوين الملاحظات، والهوامش، وخصائص أخرى تسهّل عملية القراءة والاستفادة من المحتوى.


تتفاوض «نوفل ــ هاشيت
أنطوان» حالياً مع «غوغل»
لخوض غمار الـ e-books

بعدما أصدرت شركات «أمازون» و«بارنز» و«نوبل» وغيرها منصاتها الخاصة بقراءة الكتب الإلكترونية بين عامي 2007 و2010، زادت التوقعات بقرب نهاية عصر الكتب المطبوعة. لكنّ بحثاً أجراه مركز «بيو» الأميركي للأبحاث ونشر نتائجه في أيلول (سبتمبر) الماضي، أكد أنّ الأوراق والحبر والغراء لا تزال تتمتع بقوّة لن تخف حدّتها قريباً. البحث الذي استند إلى استطلاع أجري عبر الهاتف بين 7 آذار (مارس) و4 نيسان (أبريل) 2016 وشمل 1,520 أميركياً، أوضح أنّه على مدى السنة الماضية 73 في المئة من الأميركيين قرأوا كتاباً واحداً على الأقل، وهي نتيجة لم تتغيّر كثيراً عمّا يُسجّل سنوياً منذ عام 2012.
لكن المفارقة هي تفضيل الناس للإصدارات الورقية، إذ قرأ «65 في المئة من الأميركيين كتاباً مطبوعاً خلال الأشهر الـ 12 التي سبق الاستطلاع. وهي أكثر من ضعف النسبة التي وقع اختيارها على الكتب الإلكترونية (28 في المئة)، وأربعة أضعاف من لجأوا إلى كتب الفيديو (14 في المئة)». البحث الذي لا يزال المتخصصون يبحثون في أسباب النتائج التي خلص إليها، يلفت أيضاً إلى أنّه فيما تحافظ الإصدارات المطبوعة على مكانتها، سُجّل تراجع ملحوظ في حجم الإقبال على الـ e-books خلال «السنوات الخمس الماضية». وفي هذا السياق، تتفوّق الأجهزة المتعددة الاستخدامات مثل الهواتف والألواح الذكية على تلك المخصصة لقراءة الكتب الإلكترونية، إذ زادت نسبة الأشخاص الذين يعتمدونها ثلاثة أضعاف منذ عام 2011.
تأكيداً لهذه النتيجة، أعلن اتحاد الناشرين البريطانيين في أيّار (مايو) الماضي أنّ مبيعات الكتب الورقية زادت بنسبة 0.4 في المئة (أكثر من 690 مليون دولار أميركي) عام 2015 للمرّة الأولى منذ أربع سنوات، بينما تراجعت أرباح الـ e-books بنسبة 1.6 في المئة (أكثر من 3.4 مليارات دولار) للمرّة الأولى منذ سبع سنوات. وتعليقاً على هذه الأرقام، قال المدير التنفيذي للاتحاد ستيفن لوتينغا لصحيفة الـ«غارديان» البريطانية إنّه «رغم أهمية الكتب الإلكترونية، يبدو أنّ الورق لا يزال يحتل مساحة كبيرة من قلوب الزبائن، نظراً إلى المتعة الكبيرة التي يمنحهم إياها أثناء القراءة».
في دورته الستين التي تنطلق اليوم، يحصر «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» اهتمامه بالنشر الإلكتروني بندوة بعنوان «التحديات الالكترونية للكتاب بين الفرصة والتهديد» يستضيفها في 5 كانون الأوّل (16:00). يأتي ذلك فيما يشكّل الكتاب الإلكتروني عربياً حلاً لمشاكل عدّة تعانيها المطبوعات، وخصوصاً على صعيد التوزيع (شبه غياب للموزّعين) وارتفاع كلفة الشحن... فالـ e-book يؤمن الحصول على العمل فور إصداره وفي أي مكان في العالم، لقاء مبلغ مقبول من المال، متخطياً عوائق الرقابة السائدة في غالبية البلدان العربية. هذا ما يؤكده لـ«الأخبار» الأمين العام لاتحاد الناشرين المصريين وعضو لجنة التطوير المهني فيه، شريف بكر. ويشدد على أنّ الـ e-book يحقق «الوصول إلى العرب ومتحدثي العربية في كل أنحاء العالم، فلمَ التعويل على سوق صغيرة إذا كان بإمكاننا التوسّع؟». ويضيف «على خلاف ما يتم الترويج له، النشر الإلكتروني يحظى باهتمام لا بأس به في العالم العربي»، مشيراً إلى أنّ «هناك ما يقارب 400 مليون شخص يتحدّثون العربية، والغرب يرى فيهم إمكانية كبيرة لتحقيق المكسب المادي. فمن المفيد الاستثمار في هذا المجال وتطوير أنفسنا!». ثم يوضح أنّ هناك عدداً من العوائق التي تقف في وجه تطوّر النشر الإلكتروني عربياً، على رأسها عدم استعداد الناشرين لهذه الخطوة جيّداً، وتجهيز نسخ إلكترونية من كتبهم كحد أدنى. عوائق أساسية أخرى تتمثّل في «غياب قوانين تحمي حقوق الملكية الفكرية الإلكترونية، وصعوبة رصد السرقة». غياب الثقة في المنصة العربية التي تنشر الكتاب الإلكتروني، يجعل من Google Play Books «الأوسع انتشاراً في منطقتنا». وفق بكر، تكسب خدمة توزيع الـ e-books هذه ثقة الناشرين كونها تابعة لشركة «غوغل» العملاقة، كما لديها قواعد وأساليب محدّدة لمكافحة السرقة، وتأمين عمليات الدفع إلكترونياً بواسطة البطاقات المصرفية، علماً بأنّ انطلاقةGoogle Play Books عربياً جرت في بداية 2016، وهي ناشطة حالياً في ثماني دول. أما تطبيق iBooks التابع لـ«آبل»، فقد جُمّد عمله في المنطقة مع هبوب رياح «الربيع العربي»، وهو لا يدعم اللغة العربية حالياً. في غضون ذلك، تم تداول أخبار تفيد بأنّ شركة «أمازون»، صاحبة جهاز «كيندل» والرائدة في هذا المجال، تتهيّأ لخوض تجربتها العربية قريباً. في المقابل، يشير شريف بكر إلى خوف الناشر العربي عموماً والمصري خصوصاً من هذه النقلة: «هم يخافون السرقة، والتغيير، ولا سيّما أنّهم يعرفون طبيعة الورق جيّداً. هم باختصار يخافون ما يجهلون». وفي محاولة لتمهيد الطريق أمام الناشرين، يحاول الاتحاد في المحروسة «مراجعة العقود، وعقد دورات تدريبية، وتوعية الناشرين وإقناعهم بضرورة تجهيز أنفسهم، وبأنّ الإلكتروني لن يؤثر على المطبوع بل سيحثّه على تطوير نفسه، تماماً كالتلفزيون والسينما، والصحف ومواقعها الإلكترونية».
رئيس مجلس إدارة دار «نوفل ــ هاشيت أنطوان» اللبناني إميل تيّان يشارك بكر الرأي في الكثير من الجوانب. هو لا يرى أنّ الناشرين خائفون من النشر الإلكتروني، بل متوجسّون من أن تؤدي العملية إلى «إلغاء دور الناشر، وهذا خوف ليس في مكانه لأنّنا لسنا مطبعة ونواكب الكتاب في مراحل عدّة قبل صدوره وبعده. ما يخيفنا حقاً هو النشر الإلكتروني من دون حقوق، أي السرقة الإلكترونية». أما في ما يتعلّق بالعوائق التي يمكن تجنّبها بواسطة الكتاب الإلكتروني، فيعتبر تيّان أنّ الـ e-books مجرّد «وسيلة جديدة للبيع. يجب ألا نضعها في منافسة مع الورق». المهم بالنسبة إليه أن «يبقى السعر في حدود معقولة لكي نبقى قادرين على العمل والتمويل». هنا، يتطرّق تيّان إلى أهمية التعاون في هذا المجال مع أسماء كبيرة قادرة على مراقبة المبيعات والأسعار وحماية المحتوى والأموال من السرقة، فضلاً عن إمكاناتها التسويقية الهائلة. ويكشف تيّان أنّ «نوفل ــ هاشيت أنطوان» تخوض حالياً مفاوضات مع «غوغل»، يفترض أن تنتهي في غضون شهرين، لتصبح كتب الدار متوافرة إلكترونياً عبر Google Play Books.
أما مؤسس دار «قُدمس للنشر والتوزيع» السورية التي خاضت مجال النشر الإلكتروني منذ سنوات، الكاتب والباحث زياد منى، فيختصر عدم تطوّر هذا المجال في العالم العربي بـ«الفوضى المستشرية، وعدم ثقة المواطن العربي بمؤسسات الدولة والقوانين في حال تعرّضه للسرقة، وإمّا بسرقة الأموال أثناء الدفع عبر الـ credit card أو سرقة المحتوى. لكن، لا بد لهذا الواقع من أن يتغيّر عندما يصبح العرب على يقين بأنّهم مضطرون لمواكبة تطوّرات العصر».
على المقلب الآخر، يسيطر التشاؤم على جلال عبدالله، الخبير في النشر، وناشر موقع «الكتاب العربي الإلكتروني». في لبنان قبل حوالى 13 عاماً، أطلق عبدالله هذا الموقع الذي شكّل مساحة لنشر عدد كبير من الكتب الإلكترونية الصادرة عن أبرز الدور اللبنانية، وبعض الجهات العربية؛ بينها «قدمس». لكن المغامرة التي انتهت قبل زهاء ثمانية أشهر تصب في خانة واحدة: «ثقافة القراءة ضئيلة في العالم العربي، في ظل الخوف من الشراء عبر الشبكة العنكبوتية». وفيما يتحدّث عبدالله عن تعاون الناشرين مع موقعه، يشدد على أنّ دور النشر لا تقدّر أهمية النشر الإلكتروني ولا توليه الاهتمام الكافي، وخصوصاً لجهة التسويق. أما عن خوف هذه الجهات من السرقة، فيوضح عبدالله أنّه كان لموقعه نظام حماية محتوى مهم جداً يعتمده أهم الناشرين في العالم، كما أنّ عمليات البيع كانت شفافة وتؤمّن حصول الدار على 40 في المئة من سعر الكتاب الإلكتروني. لكن للأسف، من أصل 56 ألف زيارة يومياً «كنّا نبيع كتاباً أو اثنين. هكذا، لم تعد أرباح المشروع تتعدى الـ 3 آلاف دولار أميركي سنوياً، بينما زادت كلفة إنشائه عن مئة ألف دولار بكثير». يستبعد عبدالله أن تحقق الشركات الكبرى نتائج ملموسة في لبنان والعالم العربي، لأنّ أصل المشكلة «يكمن في تردّي واقع القراءة، وسوء الأوضاع على مختلف الأصعدة، ولا سيّما الاقتصادي»!
إذاً، بين متطلّبات العصر والواقع العربي المعقّد، هل يسلك النشر الإلكتروني طريقه ويشكّل حلاً لأزمات النشر الورقي من دون أن ينافسه؟