القاهرة | معرض بيروت العربي الدولي للكتاب هو الأقدم عربياً، فستون عاماً مرت منذ انطلاقه عام 1956. كما أنّ مناخه يتسم بالحرية مقارنة بمعارض عربية أخرى، مثل الكويت والرياض حيث غالباً ما يكون عدد الكتب الممنوعة فيهما كبيراً. لكن هل العراقة والحرية كافيتان لإغراء الناشرين المصريين للمشاركة في معرض بيروت؟


تتجاور في القاهرة الدور القديمة والجديدة. وقد دأبت بعض الدور المصرية على المشاركة من خلال وكلاء أو موزعين، لكن بعضها حضر في دورات سابقة، خاصة الدور الكبيرة والراسخة مثل «الشروق» و«المصرية اللبنانية» رغم وجود وكلاء لهما. أسباب عدة دفعت الناشرين المصريين في الماضي إلى عدم المشاركة في معرض بيروت. أما في هذه الدورة، فإن الأزمة الاقتصادية المترتبة على تحرير سعر صرف الجنيه، ستزيد من صعوبة المشاركة.


دخلت الأردن ومعها بعض دول الخليج بقوة مضمار النشر في السنوات الأخيرة
يؤكد أحمد رشاد، مدير «الدار المصرية اللبنانية» أنّ الدار كانت حريصة دوماً على المشاركة في معرض بيروت: «لكن في هذه الدورة، نشارك من خلال الوكيل». ويضيف: «منذ عام 2014، صارت مشاركتنا في المعرض عن طريق الوكيل أو الموزع». بالنسبة إلى رشاد، فإن ميزة معرض بيروت الرئيسة أنه يتيح للقراء من دول مختلفة، خاصة دول المغرب العربي، رؤية الإصدارات. ويتابع: «أبرز مشكلة هي قلة عدد الزوار، لكن الأهم أن يكون الكتاب المصري ممثلاً في المعرض». وعن مكانة بيروت كعاصمة للنشر في الوطن العربي، يجيب: «بيروت، والقاهرة من أكبر مراكز النشر في المنطقة، لكن في السنوات العشر الأخيرة، دخلت الأردن ومعها بعض دول الخليج بقوة مضمار النشر». ارتفاع سعر الدولار سيكون له أثر بالغ على مشاركة «المصرية اللبنانية» في معرض القاهرة المقبل. يوضح رشاد: «هناك ارتفاع غير مسبوق في سعر الورق، وتكاليف الطباعة، مما سيلقي بظلاله على عدد الإصدارات وأسعار الكتب في القاهرة». من بين إصدارات «المصرية اللبنانية» رواية «الأزبكية» للكاتب المصري ناصر عراق والفائزة أخيراً بجائزة «كتارا للرواية العربية»، وكتاب «ما وراء الكتابة» للروائي الكبير إبراهيم عبد المجيد الفائز عنه بـ «جائزة الشيخ زايد للكتاب».
«مصر العربية للنشر والتوزيع» من أجدد الدور في القاهرة، لكنها استطاعت في فترة قصيرة أن تقدم عدداً من العناوين الهامة، تتنوع بين الأعمال الفكرية الحديثة في نقد الخطاب الأصولي وترجمة الأعمال الأدبية المعاصرة. يقول مدير الدار وائل الملا إنّ الأخيرة مصر لن تشارك في معرض بيروت، موضحاً ﻠ «الأخبار»: «السوق في لبنان هو سوق بائع وليس سوق مشترٍ، أي أن تغطية الكلفة تكون من البيع المباشر للجمهور لأنه لا هيئات ولا مؤسسات داعمة مثل الجامعات والمكتبات الوطنية والهيئات العلمية. كما أن قراءات اللبنانيين في نسبة كبيرة منها باللغات الأجنبية». يتفق الملا مع أحمد رشاد في أن بيروت ما زالت تحتل مركزاً رئيساً في عالم النشر، لكنه يضيف: «الخليج ومصر والأردن أيضاً ناشرون مؤثرون في العالم العربي». ويشير إلى أنّ «الظرف الاقتصادي سيؤثر على خطة الدار، فعدد الإصدارات سوف يقلّ، والأعمال المنشورة ستكون نتيجة عمليات فرز قاسية».
الأسباب التي أوردها الملا عن عدم المشاركة يؤكدها شريف بكر، مدير «دار العربي للنشر والتوزيع». يقول بكر إن الأسباب التي ذكرها في مقاله الذي نشر في «الأخبار» بعنوان «لهذه الأسباب لا تغرينا بيروت» (الدورة رقم 56) ما زالت قائمة أهمها «ضعف حركة البيع نتيجة غياب الهيئات الحكومية والمكتبات الوطنية التي تشتري من الناشرين أحدث أعمالهم كما في معارض الخليج، بالإضافة إلى أنّ السوق اللبنانية ليست كبيرة». ويضيف: «معرض بيروت يعتبر مكلفاً للناشر من حيث التكاليف الخاصة بالشحن والإقامة، والمعيشة واستئجار الجناح». ويرى بكر أن بيروت لديها إنتاج محلي متميز من كتب الأدب والشعر والكتب العامة، وهو متوافر في البلد على مدار العام، وليس كما في بعض الدول العربية حيث تتاح الفرصة مرة واحدة لشراء الكتب التي لا توجد طوال السنة. وعن إمكانية المشاركة في المعرض من خلال وكيل أو موزع، أجاب: «كنت أتمنى ذلك، لكني لم أجد حتى الآن الوكيل الذي يقبل بتوزيع إصداراتنا، وسأحاول الاتفاق مع جهة للتوزيع في المرات القادمة». «العربي» هي دار قديمة وجديدة في آن، تأسست عام 1975 واهتمت في أوائل الثمانينيات بنشر موضوعات متعلقة بدراسات المكتبات والوثائق والإعلام. لكن «العربي» متمثلة في الإدارة الشابة - شريف بكر- قررت اقتحام مجال جديد في سوق النشر العربية، وهو ترجمة الأدب العالمي المعاصر من «أغرب مناطق العالم»، أي تلك التي لم يتم الترجمة عنها من قبل. سلوفاكيا، النرويج، البوسنة، الجبل الأسود، وغيرها. يقول شريف بكر: «نترجم من أكثر من 22 بلداً، وكلها بلاد غير مطروقة من قبل في الترجمة إلى العربية. ونصدر أكثر من 60 عملاً مترجماً». يوضح بكر أن «العربي» تُعنى باستهداف الشباب، فـ «48% من قراء «العربي» هم في الفئة العمرية من الثامنة عشرة حتى الرابعة والعشرين». ويضيف: «إلا أن المغايرة ليست فقط في لغة الدولة المترجم عنها ولكن في المحتوى أيضاً، نحاول تقديم أعمال غنية وعصرية في مضمونها».
يبدو أن تقديم المحتوى «الغني» هو السبيل الوحيد أمام الناشر المصري الجاد لمواجهة الأزمة الاقتصادية و«الفقر» الإخراجي الذي يصيب الكتاب جراء ذلك. فالكتاب اللبناني، كما يُجمع الناشرون المصريون، هو الأفضل على مستوى العالم العربي من ناحية الطباعة والغلاف والورق. الارتفاع الكبير في أسعار الورق وتكاليف الطباعة سيوسع الهوة بين الكتاب المصري ونظيره اللبناني من ناحية الشكل الإخراجي والجمالي. لكن الأزمة تمتد إلى عملية الترجمة أيضاً، فحقوق الترجمة تُدفع قيمتها بالدولار أو اليورو، كما يوضح شريف بكر وناشرون آخرون.
كرم يوسف، صاحبة «دار الكتب الخان للنشر»، تخبرنا بأن الدار تعمل بدأب على اختيار وتقديم مستويات راقية ومرتفعة من المحتوى سواء في الكتاب المترجم أو الأعمال المكتوبة بالعربية، وتقديم كتابة أدبية جديدة ومغايرة. لا تستطيع كرم يوسف تكوين رأي محدد في معرض بيروت لأنها ببساطة لم تحضر إليه من قبل، لكنها تؤكد على وجود إصدارات الدار في المعرض من خلال توزيع «دار نوفل». تقول يوسف عن مراكز النشر العربي «مقولة «القاهرة تكتب وبيروت تنشر» أصبحت كليشيه. الآن صار هناك ناشر لكل قارئ أو كاتب». أما عن الكتاب في بيروت، فإنه «يتسم بالجودة العالية من ناحية الشكل والإخراج». تركز «الكتب خان» في العام المقبل على الكيف لا الكم، كرد فعل على التداعيات الاقتصادية الأخيرة.
يأتي معرض بيروت كل عام، تصاحبه المشكلات نفسها التي تواجه الناشرين العرب. ورغم كل الظروف الخارجية المحيطة بلبنان وصعوبة الأوضاع الداخلية، يستمر المعرض ببرنامجه الثقافي والأنشطة والندوات المقامة على هامشه، مستمداً روحه من حيوية الحالة الثقافية اللبنانية.