الدورة الستون من «معرض الكتاب» تفتتح اليوم في بيروت. ستة عقود؟ الرقم وحده يفرض نوعاً من المهابة، ويعطي للمناسبة هالتها الخاصة! أعرق معارض الكتب العربيّة، يختصر ملحمة النشر في لغة الضاد. لقد كانت المدينة، لعقود طويلة، عاصمة مطلقة للكتاب العربي، وللكتّاب العرب! نتحدّث عن صناعة النشر، بقدر ما نتحدّث عن الحركة الفكريّة والتيارات السياسيّة والمدارس الأدبية والنقدية التي احتضنها لبنان، واستقطبت إليه كبار الأسماء والعناوين والأعمال والمشاريع. المعادلة السريّة التي صنعت تلك النهضة، جمعت بين الرخاء الاجتماعي، والانفتاح على العالم، وروح التمرّد والحريّة والتعددية، والحق في الاختلاف والنقد وملامسة المحظورات. تلك هي هويّة بيروت المفقودة، أو المهددة.

المتغيّرات في المنطقة والعالم، طاولت طريقة الإقبال على الكتب. ليس الحق كلّه على بيروت، وإن كانت نخبها تتحمّل قسطاً من المسؤوليّة لأنّها انسحبت وتنازلت واستقالت وساومت. التراجع الحضاري استبدّ بالأمّة العربية بأكملها. الأمية الفكريّة طاعون كوني، يضرب المجتمعات المأزومة والمهددة وفاقدة المناعة، قبل سواها. الجراد الأسود يحاصر البلدان التي تعيش تحت وطأة الفقر والقمع والاستغلال، ويهددها بالتصحّر. أهوال الربيع العربي ابتلعت المدن، ومزّقت الشعوب، وجففت منابع التمويل السخيّة، وأقفلت الأسواق.

التشنّج الأيديولوجي زاد من حدّة الانغلاق والخوف والشموليّة، وترك لذهنيّة التحريم والتكفير والمصادرة والرقابة أن تستعيد أمجادها القروسطيّة. من يكتب والحالة هذه، ولمن يكتب؟ وماذا يكتب؟ ثم من ينشر ومن يقرأ؟ لعلّ أخطر ما في الأمر أن اللبنانيين ما عادوا يقرأون، خلافاً لشعوب شقيقة مسكونة بالنهم لكنّها عاجزة عن الوصول إلى الكتاب. معظم الناشرين الذين سألناهم لا يعوّلون على النشر الالكتروني كخلاص، وفي المقابل لا يعتبرونه خطراً. اللوحة الذكيّة لن تقضي على غوتنبرغ، لكن الزمن الاستهلاكي سيقضي على العقل في مجتمعاتنا، إذا لم نجد حلولاً ناجعة. إذا لم نتصدّ للأميّة الزاحفة التي استبدلت تقنيّات هائلة إنما غير كافية، بالروح والجوهر والمعنى. ليست التكنولوجيا أكثر من صَدفة خاوية، برّاقة، إذا باتت الغاية بدلاً من أن تكون الوسيلة.
كيف ندرج الكتاب مجدداً في سلوكنا وممارساتنا اليوميّة، ليس كترف بل كحاجة عضويّة وحياتيّة؟ اليوم في لبنان معظم دور النشر التي تواصل مغامرتها، يحرّك أصحابها الشغف والمتعة الشخصيّة والمشروع الفكري الخاص. وربما كان هذا هو المدخل لمقاومة الانهيار، شرط أن تلعب المؤسسة الرسمية دورها في اعادة الاعتبار إلى الكتاب، من خلال سياسات ملائمة في التربية والاعلام، ومن خلال دعم النشر، وتشجيع وسائل الترويج وشبكات التوزيع الخاصة بالسلع الثقافيّة. أليست وظيفة الدولة أن تستثمر في الثقافة، كما في الصحة والتربية وسائر الخدمات العامة؟ مطلوب أيضاً احياء الزخم القديم الذي عرفته مؤسسات عريقة كـ «النادي الثقافي العربي»، وذلك بتسليمها إلى قيادات شابة من خارج الوصايات الفئويّة، بغية الاستحواذ على الفضاء العام، والتمدد في المدن والبلدات البعيدة عن المركز. بيروت ما زالت قادرة على المقاومة، لكن تنقصها الرؤيا والسياسات والإمكانيات. سنظل نؤمن بأن ذلك ممكن، وإلا…
في الأيّام المقبلة، خلال جولات التيه بين أروقة معرض الكتاب، فكروا أن هذا كل ما بقي لنا من بيروت. واطردوه، كلّما خالجكم، هذا الشعور بأنكم تعيشون نهاية عصر! كلا، من قال إننا نسير في مأتم لا نراه، أو لا نريد أن نعترف به؟