«لا أحد يريد وزارة الثقافة». جملة قالها قبل أيام نائب نقيب الصحافة جورج صولاج في سياق تقديمه منظّمي «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في نقابة «الصحافة»، للدلالة على هشاشة الوزارة اليوم، وتغييب دورها الفعلي، انطلاقاً من تقاسم الحصص الوزارية بين الأطراف السياسية.


هذا الكلام تضاف إليه مشهدية الحضور الإعلامي الهزيل في القاعة، الذي يعود إلى الأزمة الاقتصادية التي تضرب الصحف، وكسل المراسلين/ات في الحضور إلى هذه الندوات للتفاعل والتغطية. وفي جمع لهذين المشهدين، يخرج معرض بيروت في نسخته الستين، ليحطّ رحاله في خضم هذه الأزمات وتراجع الملاحق الثقافية الصحافية، وصولاً إلى شبه اختفائها، وتغييب الوزارة عن دورها اللازم.
هذه النسخة التي ينظّمها «النادي الثقافي العربي»، ونقابة «اتحاد الناشرين في لبنان»، ارتأى رئيس النادي فادي تميم وصفها بـ «أمل الجمهورية»، انطلاقاً من انتخاب العماد ميشال عون رئيساً، وما أرخاه هذا الحدث من أجواء أمنية وسياسية أرست خطاباً تهدوياً، شجع هذه الفعالية الثقافية على العوم في بحر من الاستقرار الجزئي. وما تهافت الدور النشر العربية على المشاركة، مع ضيق المساحة المطلوبة، إلا تجسيد فعلي لهذه الطمأنينة التي غلبت على دورة هذا العام.
أكثر من 180 داراً لبنانية، و75 عربية، بمشاركة ثلاث دول عربية (الكويت، عمان، فلسطين) وأخرى إقليمية (تركيا، إيران، الصين)، تضاف إليها هيئات ومؤسسات ثقافية ودولية، تحط رحالها في مركز المعارض في البيال (وسط بيروت)، مع برمجة متنوعة تكرّم هذا العام، الراحلين الكبيرين محمد مجذوب وكلوفيس مقصود (2/12 ــ س:18:00)، وتحتفي بالعام المئة والخمسين على تأسيس الجامعة الأميركية في بيروت (2/12 ـــ س:18:00). يترافق ذلك مع سلسلة من التواقيع والندوات النقاشية حول مواضيع آنية شتى من داعش إلى الإسلاميين، والعروبة، وصولاً إلى حزب الله، مع ندوة حول إصدار الكاتب قاسم قصير «حزب الله بين 1982 و2016 الثابت والمتغير» (5/12 ـــ س:18:00 - سائر المشرق)، والأمسيات الشعرية والموسيقية. كما ستكون للفن التشكيلي حصة في هذه المروحة. في سؤالنا عن غياب الشخصيات الثقافية الهامة التي كانت تحضر وتتصدر واجهة المعرض، يكتفي تميم بعبارة «هيدا هو الواقع»، ليتحدث بعدها عن نشاطات المعرض وإحاطته بمحاور تدور رحاها في لبنان والإقليم، من العروبة إلى فلسطين التي يقدم لها سنوياً جناح بشكل مجاني. كما ستحيي الفنانة سيدر زيتون مع فرقتها الموسيقية حفلة كتحية إلى الشاعر الكبير سميح القاسم (9/12 ــ س:18:00).
طبعاً، لن تبتعد الصراعات والحروب وإفرازاتها عن هذه الفعالية، ولو أنها لا تستطيع الإمساك بها من كل أطرافها، من حيث وضعها على المساحة النقاشية لهذا المعرض. في المقابل، ورغم النيران المستعرة التي أثرت العام الماضي وقبله، في حركة المعرض من دون أن تؤثر في حضوره القوي بين باقي الدول العربية، يصر تميم على ما يخرج به معرض بيروت من مساحة تعكس «الوجه الثقافي» وتعممه في وجه «الحروب والتطرف». ولا ينسى التأكيد على فتح ذراعي المعرض لكل الآراء والأطراف المتصارعة التي يشكل لها هذا المنبر جزءاً من التحاور والالتقاء. كما تبرز أيضاً حرية الفكر مع غياب لأي رقابة بخلاف الدول العربية ــ كما يؤكد تميم ــ لتطبع هذه الميزة معرض بيروت.
العام الماضي، أفرد جناح خاص للمنتجات الرقمية الحديثة، وزوّد المعرض بدليل إلكتروني للوصول إلى الأجنحة والمشاركة في الندوات. وهذا العام، اكتفت كل دار نشر بتخصيص مساحة إلكترونية، ارتأت تقديمها للقراء. ومن هنا، تبرز الإشكالية الدائمة بين الكتاب الورقي والثورة الرقمية. يبدو أنّ «اتحاد الناشرين في لبنان»، يصرّ على تكرار أن الكتاب سيصمد أمام هذه «المرحلة الصعبة»، رغم «الإقبال الشبابي على التأقلم مع العولمة والتكنولوجيا»، وفق ما قال نائب رئيسة نقابة الاتحاد نبيل عبد الحق الذي رأى أنّ نجاح معرض الكتاب سنوياً هو خير دليل على صمود الكتاب.