دمشق | مأزق الكتاب السوري اليوم، يتأرجح بين غلاء الورق من جهة، وفقر المحتوى من جهةٍ ثانية. بالكاد تجد كتاباً يثير شهيتك كقارئ، خصوصاً في عناوين طوابير المؤلفين الذين تسللوا إلى منافذ النشر في «الهيئة العامة السورية للكتاب»، و«اتحاد الكتاب العرب». ينتابك إحساس بأن هذه الكتب طُبعت كنوع من الإعانة لأصحابها أولاً وأخيراً.


دمغة «ثقافة التنوير» التي أطلقها اتحاد الكتاب، لم تؤكل ثمارها بعد، فيما تتكدس مئات المخطوطات في الهيئة كمحصلة لفوضى الموافقة على الطباعة في المرحلة السابقة للإدارة الجديدة. مؤلفو الوقت الضائع والمحسوبيات وجدوا فرصتهم في النشر كغنيمة حرب في المقام الأول. الحسومات التي تصل إلى 60 في المئة على كتب الهيئة في معارضها المتتالية، أتت كحلّ مؤقت لتفريغ المستودعات من أطنان الورق، بالتوازي مع التفكير بإحالة عشرات المخطوطات إلى النشر الإلكتروني على موقع الهيئة بقصد «وأد مخاضات مرضى الخيال المعطوب» في مكمنها، وفقاً لما قاله مثقف معروف وهو يقلّب عناوين الكتب في أحد المعارض.


المعارض الخليجية أضافت بنداً جديداً يتعلّق بمذهب الناشر
لن نتوقّف عند موجة «الأعمال الكاملة» لشعراء غير معروفين في الحارات المجاورة لسكناهم، كما لن نلتفت بجدية إلى الدراسات النقدية المخصّصة لإبداعات هؤلاء بسطوة الكراسي التي يشغلونها في الوقت الضائع أيضاً. هناك حفنة من الدور الخاصة التي ما زالت تقاوم التيار العاصف، ذلك أن صناعة الكتاب صارت ضرباً من المغامرة، في مهنة خاسرة سلفاً، بتأثير «مزاج الحرب»، هذا المزاج الذي نأى تدريجاً عن كل ما يتعلّق بالكتاب، عدا تحويله إلى وقود للتدفئة، وفي أحسن الأحوال «بيعه بالكيلو»، بالإضافة إلى «تعفيش» المكتبات الشخصية في المناطق المنكوبة لتنتهي بعضها عند أرصفة بسطات الكتب.
المعضلة لا تنتهي هنا، فالناشر السوري محاصر خارجياً أيضاً. لم تعد المشاركة في معظم المعارض العربية متاحة بسهولة، فالحصول على تأشيرة دخول إلى هذا المعرض أو ذاك أشبه بالمعجزة، حتى أن بعض المعارض، الخليجية خصوصاً، أضافت بنداً جديداً إلى استمارات المشاركة يتعلّق بالمذهب الذي ينتمي إليه الناشر، ربما بسبب الخشية من انتماء بعضهم إلى فصيلٍ مسلّح، أو أنه بحزام ناسف من الورق (!). بالطبع لن نتجاهل كلفة الشحن وانهيار العملة المحلية أمام الدولار، وصعوبة التسويق محليّاً وخارجياً. يذهب الناشر السوري إلى معرض بيروت للكتاب من دون أمل كبير في المنافسة، فعاصمة الكتاب بالنسبة إليه، مجرد محطة «ترانزيت» لشحن كتبه إلى عواصم أخرى معوّلاً على أصحاب مكتبات عربية كبرى في بغداد أو الرياض، يأتون خصيصاً إلى المعرض لاقتناء بعض العناوين بأسعار تتجاوز الكلفة قليلاً. أما القارئ البيروتي، فبالكاد يلتفت إلى واجهة جناح دار نشر سورية إلا فيما ندر، بسبب أمراض قديمة راكمتها رياح السياسة في المقام الأول. لكن هذا لا يمنع أن نقع على بعض العناوين اللافتة. فقد تصدّت «دار التكوين» لطباعة الأعمال الكاملة للباحث فراس سوّاح (21 مجلداً)، وسيحضر الشاعر عادل محمود بمختارات شعرية تحت عنوان «أنا بريء كسراب»، وسرديات صغيرة بعنوان «الموت أقدم مدينة في العالم»، فيما تقترح «دار نينوى» ترجمة لأشعار بيار باولو بازوليني (جسد وسماء)، و«تاريخ التصوّف» لقاسم غنى، و«لمن العالم؟» لمنذر مصري. وتستعيد «دار الحوار» كتاب «الثالوث المحرم» لبو علي ياسين في طبعة جديدة، وأعمال إدواردو غاليانو. في المقابل، سنقع على بعض الروايات والمجموعات الشعرية في دور عربية أو مهاجرة كـ «ليل العالم» لنبيل سليمان (دبي الثقافية)، و«البدل» لخليل الرز (المحروسة)، و«خمّارة جبرا» لنبيل الملحم، و«زجاج مطحون» لإسلام أبو شكير، و«الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص» لزياد عبد الله، إلى جانب طبع الأعمال الكاملة لرياض الصالح حسين (المتوسط)، و«مترو حلب» لمها حسن (التنوير)، و«الذين مسّهم السحر» لروزا ياسين حسن (الجمل).
لكن ماذا يفعل القارئ السوري أمام ارتفاع أسعار الكتب؟ ليس أمامه سوى أن يردّد «إلى الوراء درْ» باتجاه الكتب الالكترونية المتاحة مجاناً، وبعض الكتب الورقية التي يوفرها قراصنة المطابع الغامضة بأثمان متهاودة بالمقارنة مع ثمنها الحقيقي.