يمكننا رسم حياة رلى الزين كخيطٍ طويل يمتد بين أكثر من جيل وأكثر من مدينة. لكنه معلّق بين مدينتين رئيسيتين: بيروت وباريس. يمكننا أن نعلّق على خيط حياتها الشفاف الكثير من الابتسامات.


لوحات لتشكيليين تاهوا في باريس، طرقات في شوارع زارتها، وقصاصات من دفاترها. لا نعرف من الذي اختار الآخر، هي أم شغفها بالفن التشكيلي، هي أم مُدنها، وعلينا الآن أن نتقصّى أثرها على أطراف أصابعنا لأننا نمشي على خيطٍ رقيق. وعلينا أن نبحث عنها في دفاترها، ونحرص على أن لا يخرج تفقيع الورق أو قدهِ إلى الخارج، فيوقظها من نومها. أمس، طوت رلى الزين الصفحة الأخيرة وغفت بعد صراع طويل مع السرطان.
البداية كانت في بيروت. بيروت السبعينيات. المدينة في صعودِها قبل الوصول إلى هاوية الحرب الأهلية والنزول. في البداية، درست الأركيولوجيا في الجامعة الأميركية في بيروت. الجامعة التي تركت فيها أثراً وما زالت أستاذتها تذكرها وتراسلها، كما لو أن أربعين عاماً مرّت هكذا كومضة بريئة فوق الخيط الرفيع العصيّ على القطع. وفي أواخر السبعينيات أيضاً، غادرت إلى بريطانيا، لتدرس الأنتروبولوجيا في أوكسفورد. في تلك الفترة، كانت بيروت تشتعل. الحرب تستعر. ثم جاء الاجتياح الإسرائيلي. موت فوق موت. هكذا وجدت نفسها في باريس مطلع التسعينيات، التي ستصير إلى الأبد مدينتها الأثيرة، الأقرب إلى قلبها، إلى جانب مدن أقامت فيها وأحبّتها كبيروت ولندن، ومدن أخرى كثيرة زارتها كروما وبرشلونة وحيدر أباد وبالي وحلب، التي أحبّتها كثيراً أيضاً، وتركت فيها قصصاً وشغفاً. ولسيرة الشغف وسيرة باريس، تعرفت هناك إلى شغفها الأشد سطوعاً: الفن التشكيلي. وهكذا بدأت رحلة طويلة مع جريدة «الحياة»، أيام عزها، أي أيام جوزيف سماحة، ومكاتب باريس ومكاتب «الحياة» المنفتحة على الثقافة وعلى العروبة بمعناها الثقافي لا الأيديولوجي. واكبت خلال رحلتها جيلاً عريضاً من التشكيليين العرب الذين عاشوا وعملوا في باريس وحولها. صارت رلى الزين صحافية وناقدة.


مشروعها الأخير
Heritage Trial استغرق نحو
5 سنوات من العمل
كانت والدتها من آل مروة، ويعتبر ناصر السومي أنّ الصحافة كانت مسألة جينية اكتشفتها رلى في باريس. يرسم ابتسامةً حزينة على وجهه الوحيد ويتابع. اختارت أن تكون حياتها بين اللوحات وفي الغاليريات، من دون أن يحولها ذلك إلى شخصٍ نخبوي ينقطع عن الأزقة وعن الأحداث. في أوائل الألفية، تعرفت إلى التشكيلي ناصر السومي، وعاشت معه، ويشكلان معاً ذاكرة لأكثر من مدينة. عندما صار شغفها بالتشكيل ناضجاً، عملت في مجلة «زوايا»، وقبل أن تتفرغ للنشر في مجلة «كانفاس» المتخصصة بالفن التشكيلي. وفي جولاتها على الفنانين العرب الذين يدينون لها بأرشفة أجزاء نابضة من حيواتهم التي أسكنوها أعمالهم الفنية، يمكن العثور على محطات هامة في تاريخ التشكيل العربي خارج الحدود. أسماء كثيرة تنام في دفاتر رلى الزين، كيوسف عبدلكي، وشفيق عبود، وهوغيت كالان، ومحمد عمر خليل وضياء العزاوي وغيرهم. لكن رغم ذلك، فكرة جمع كل شيء في كتاب كان عملاً مؤجلاً، حتى اكتشفت المرض في 2015. ليس من الواجب القول إن هذا حدث باكراً وبسرعة، ولذلك يترك ألماً مضاعفاً في حياة ناصر السومي الذي واكبها ويتابع إصدار الكتاب، متمسكاً بكل حرفٍ وكل قصة. عاد أخيراً إلى بيروت ليكون إلى جانبها في أيام الرحيل. عاد ليحرس ذاكرتها. وهو يتذكر الكثير، حتى تفيض القصص منه، ولا رغبة له بالسرد إنما رغبته الحقيقية بفِعل التذكّر نفسه. ولدت رلى الزين في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1955 في بيروت، وهي في الأصل من كفررمان الجنوبية. ولدت في اليوم العالمي من أجل فلسطين. وعلى سبيل المزاح، كان هذا يعني كثيراً لرفيق حياتها الفلسطيني ناصر السومي. كانا يمزحان، إنه يوم تاريخي. كل الأيام لفلسطين، وكل أيامه كانت لها أيضاً. توفيت أمس في ليلة من ليالي بيروت الباردة، بعيداً عن مونمارتر، بعيداً عن حلب، بعيداً عن كل شيء. يرسم ابتسامةً تدل إلى وحدته وإلى طريق العودة الشاق إلى باريس، هذه المرة من دون رلى. ويتذكر الأيام التي كان لها معنى. الأيام التي مرّت ببطء من مونمارتر إلى حلب وبيروت. مونمارتر الأثيرة حيث أقاما وعملا معاً على أكثر من مشروع، أبرزه «ذاكرة النيلة». وتحيلنا قصة النيلي البراق، رغم أنه حالك، إلى حلب. كانا يزوران حلب دائماً، وفي 2010، عرض السومي مشروعه هناك كما أراد دائماً، وواكبته وأشرفت عليه رلى، قبل أن تحرق حلب، وتحترق الأحلام، وتغلق عينيها على هذا الحريق الكبير.
«إشارات على أحجار». يصلح هذا ليكون عنواناً لمشروعها الأخير، عندما قررت العودة إلى بيروت في 2009، لتترك أثراً في مدينتها. حفر تاريخ المدينة الطويل على حاضرها الملتبس. لكنها بذلت مجهوداً كبيراً، كما يقول الذين تابعوا المشروع عن قرب. نتحدث عن 56 معلماً في وسط بيروت التاريخي، تحتاج إلى نقوش على لافتات، لتكون بمثابة تعريف، والتعريف يشتق منه الاعتراف. الاعتراف بتاريخ وسط بيروت أكثر من الاعتراف بحاضره. المدن هي الماضي والمستقبل، حاضرها لا يعدو أكثر من كونه جسراً يتسع. وماضي بيروت الذي بحثت عنه رلى الزين يمتد من السور الفينيقي، وصولاً إلى الحقبة العثمانية. هكذا، سلّمت رلى أمانتها الأخيرة إلى مدينتها الأخيرة. استغرق مشروع Heritage Trial نحو 5 سنوات، وانتهى منذ فترة، لكن شركة «سوليدير» تؤجل افتتاحه، لأسباب مجهولة. إلا أن رحلة رلى أطول من ذلك بكثير، وتجاوزت المدن التي أقامت فيها. عادت أخيراً إلى بيروت، وعادت إلى دراستها الأولى: الأركيولوجيا والأنتروبولوجيا وحقيقة المدينة وزيفها أيضاً. كان صديقها ناصر السومي يسمّيها الفراشة. لكن المدينة لم تتبع أثر الفراشة. وهذه المرة كان على الفراشة أن تحصي آثار مدينتها. عادت من باريس إلى بيروت تقيم في التاريخ ونقّبت وبحثت وأنجزت عملها بهدوء ومودة، ثم غفت كالفراشة.