تونس | «غولة» أو الوحش الذي يسكن قصص الأطفال الشعبية، هو الاسم الفني الذي اختاره لنفسه الموسيقي ومهندس الصوت التونسي وائل جغام. الفنان الذي يعيش بين تونس وفرنسا، يعدّ من الأسماء البارزة على الساحة الموسيقية التونسية البديلة.


بعد سنوات من البحث عن أصوات فريدة، ترك وائل فكرة خلق أغنيات جديدة وقرر الغوص في التراث الموسيقي العميق لتونس بشكل خاص، وشمال أفريقيا بشكل عام من خلال تجربة مزجت أصواتاً وأنغاماً قد تعود حتى إلى النصف الأول من القرن العشرين بتقنيات حديثة، ولا سيما من خلال استعمال أقراص الفينيل.
يبحث «غولة» عن هذه الأقراص بين أزقة العاصمة أو في دكاكين المدينة العتيقة ويختار منها ما يحبذ من نوتات وأصوات وجمل موسيقية ليبعث فيها روحاً إلكترونية جديدة، من خلال الـsampling أو تقنية العينات، التي تتمثل في تكرار هذه الجمل أو الأصوات حتى تصبح نموذج القطعة الموسيقية. كما يتعامل وائل مع موسيقيين آخرين مثل DJ Gamra الذي يستعمل الأقراص ذاتها بتقنية الـscratch المتمثلة في تغيير سرعة قراءة القرص يدوياً، حتى يصبح الصوت أكثر حدة أو عمقاً. وهكذا ترسّخ موسيقى «غولة» عند المستمع مبدأ المزج بين التراث والفن الحديث.


يشتغل على أنماط شعبية كأغنية «دوّري»


موروث شمال أفريقيا هوية مهمة تميز فن «غولة»، الذي يشتغل على أنماط تونسية شعبية كأغنية «دوّري» التي يختلط فيها الصوت المبحوح الذي يتغنى بلهجة ريفية والناي البدوي بنوتات البيانو، أو أغنية «عنتري» التي يتخللها موال المغنية التونسية صليحة الشهير «فراق الحياة مر وصعيب». كذلك بالنسبة إلى الألوان الموسيقية الجزائرية مثل الشعبي والراي اللذين نجدهما مثلاً في أغنية «يا مومنين». يمتد هذا الموروث إلى حفلات «غولة» حيث نسجل حضور آلات من التراث البربري، مثل الآلة الإيقاعية القراقب أو الوترية الغمبري، اللتين نسجل لهما حضوراً أهم في موسيقى الديوان أو الغناوة في الجزائر والمغرب في أشكالها التقليدية والحديثة، بينما يكاد يقتصر حضورها في تونس على موسيقى السطانبالي (وهي كذلك موروث من أفريقيا السوداء و«غولة» يتغنى بالقارة الأفريقية، ويتحسر على وضعها، في أغنية «أنا أفريقي»). كذلك يغتنم «غولة» البعد الفرجوي للحفلات ليجسد التراث التونسي الشفاهي، مثل تقمص دور «بو سعدية» على المسرح، وهي شخصية تاريخية لراقص أسود اشتهر برقصته وقرعه للطبول، صارت أسطورة شعبية على مر السنين، وارتبطت بموسيقى السطنبالي. ذلك أنّ اختيار هذا اللون الموسيقي ينمّ عن رغبة «غولة» في إعادة إحياء موروث اندثر مع اختفاء الثقافة الشفاهية، ثقافة الأساطير الشعبية والقصص التي ترويها الجدات للأحفاد وتتناقلها الأجيال من دون أن ترسخ كتابياً. من هنا يأتي اسم وائل الفني، وكذلك عنوان ألبومه الأول «حليب الغولة» الذي يعني في اللهجة التونسية الشيء النادر والنفيس.
اللافت أنّ حفلات «غولة» في باريس لا تقتصر على الجمهور التونسي أو المغاربي المهاجر، بل تستقطب جمهوراً فرنسياً يحبذ الشكل ويداعب فضوله المضمون. «غولة» يحمل اليوم موسيقاه إلى بيروت، على أمل أن يكون الجمهور على الموعد.

* «غولة»: 22:00 مساء الجمعة 9 كانون الأول ـــ «ستايشن»