لا يمكن النظر إلى صادق جلال العظم من زاوية واحدة. قد تقارب إسهاماته في النقد والفلسفة حسب «الزمان» وعلى قياسه، وقد تقارب منهجياً وتفصيلياً. حسب المقاربة الأولى، وبرأي كثيرين، يحسب للرجل تصدّيه للمؤسسة الدينية في زمنٍ «صمت النص»، أو التعامل مع هذا الصمت كما لو أنه أبدي. في 1970، دافعت بيروت عنه، عندما ردّت محكمة المطبوعات الدعوى المقامة ضدّ كتاب «نقد الفكر الديني»، وضدّ المؤلّف وضدّ ناشر الكتاب، أي «دار الطليعة» الممثّلة يومها بشخص مؤسّسها وصاحبها بشير الداعوق. وبعد نصف قرن، لا يزال «نقد الفكر الديني» ممنوعاً في جميع الدول العربية، باستثناء لبنان، لكن اللافت أن الكتاب متوافر في جميع هذه الدول أيضاً، رغم قرار المنع. بعد نصف قرن على المؤلَف الأيقونة في حياة صادق جلال الدين العظم، يجب العودة إلى نقطة البداية، إلى الصدمة، تلك الصدمة التي منحت عنوان الكتاب قيمته السجالية، بمعزلٍ عن قيمته الابتسمولوجية. ذلك أن الفكر الديني، بحدّ ذاته، ليس اختبارياً، بحيث لا يوجد فكر ديني واحد يمكن الركون إليه، وكونه لا يملك كينونة جوهرية تتصدى للتحولات وتقوّمها على أساس الأصل. في الواقع، لم يكن العظم ماركسياً متطرفاً، أو شعاراتياً، وحاول أن يضع «الهرطقة» في الماركسية ضمن خانة البحث العلمي.

ماركسي أصولي؟ ربما. ومن ضمن ذلك قراءته لفيلسوفٍ كلوكاتش أو في مقاربته للحالة الفوكوية أو في رفضه التام لهايدغر. ويجب الانتباه دائماً إلى أن مسيرته الطويلة صنعت مفكّراً يتطور. المديح الذي يكال لكتاب «نقد الفكر الديني»، هو مديح الضرورة حيناً، أو مديح غير العارف أحياناً، وخاصةً أن رهط الليبراليين العرب «المفعوطين» بموقف العظم المؤيد للثورة السورية، ينسى أن مقدمة كتابه الأشهر تقول «أرجو أن يكون هذا الكتاب خطوة متواضعة وأولية على طريق تبديد الوهم وأمثاله، ومن نافل القول إن الطريق لا تزال طويلة وشاقة لمن أراد أن يسلكها بين العرب من أصحاب القناعات الاشتراكية الثورية».
صادق جلال العظم «إشكالي». رغم حسّه الأكاديمي العالي، ترفّع عن المنهج في كثير من الأحيان وساير الموقف. في محاضرة لهٍ في برلين عن «الربيع العربي»، اعتبر أن لسوريا دوراً رائداً في «الربيع» متجاهلاً أصل التسمية وإمكان إسقاطها على الحالة السورية، منطلقاً من تجربة «ربيع دمشق» (وهي مبادرة أجهضها الاستبداد)، لكنْ ثمة فارق بين «ربيع دمشق» و«ربيع براغ»، وفي الوقت نفسه بين «ربيع دمشق»، الذي لا يوارب العظم حين يتناول طبيعته «الأنتلجنسية»، و«الثورة السورية» التي أيّدها رغم أنها خرجت من مكانٍ مختلف. بيد أن العظم يجيد تفنيد مسوغات الانتفاض على الاستبداد. وفي بازار المواقف، لا يمكن إطلاق اتهامات مجانية بحق المفكّر السوري، وخاصةً في عدم اعتراضه على طابع ديني ساطع في الاحتجاجات السورية. في وقتٍ سابق، أيّد العظم ثورة الإيرانيين لنفس الأسباب التي يؤيد لأجلها ثورة السوريين: رفض الاستبداد والاستخبارات والطبيعة الأوليغارشية للنظام، رغم أن الملامح الثيولوجية في الثورة الإيرانية تشكلت باكراً، كذلك الدور القيادي البارز للإمام الخميني فيها. كذلك، له مقولات في مساندة الملتفين حول «لاهوت التحرير» اللاتيني. لقد كان موقفه أخلاقياً في سوريا، لكن إخراجه كان ضعيفاً؛ لم يكن بمستوى العظم. وإن كان نقده لظاهرة «العلوية السياسية» في سوريا نقداً يتخذ شكلاً طائفياً في بنيته ومرتكزاته، لا يعني ذلك القبول باتهام العظم نفسه بالـ«طائفية». رجل مثله يعرف بلا شك مخاطر الحديث في احتمال «قبطية» الرئيس المصري، أو في «علوية» الرئيس السوري، في زمن الأصوليات، أو في زمن «الفكر الديني»، الذي لا يزال نقده ناقصاً ولم يجد طريقه بعد إلى العقول. يفترض العظم أنه وضع إصبعه في مكانٍ حساس، وأن الأشياء يجب أن تسمّى بأسمائها، حين يكون البحث علمياً. ولكن من الناحية العلمية أيضاً، فإن القصور في قراءة المشهد السوري بلا محظورات، لا يمكن أن يُقابَل بالدفع بما يعتبره المجتمع محظوراً، على قاعدة تكتفي بالرفض للمحظور ولا تذهب إلى تفكيكه منهجياً. يبدو، من متابعةٍ موجزة لمواقفه، أنه لا يساير حسابات «الجماهير»، ولا يأخذ في الاعتبار سيكولوجيتها، حين يكون ذلك على حساب نقده ومنهجه، الذي هو في الأساس ماركسي، وهذه مفارقة.


حافظ على المنهج القابل للتطور على معيار الراهن

يمكن القول إن نظرته للثورة السورية تقف ضدّ «النظريات الجاهزة»، سوسيولوجياً لا سياسياً. على نحوٍ ما، يرى العظم أن الثورة السورية حدثت وتطورت عفوياً، ويضع أساساً نظرياً لهذا الرأي في حديثه عن «البؤر الثورية» أو «الفوكو»، وهذا مشروح في كتاب «ثورة في الثورة» للمنظر الفرنسي ريجبس دوبريه، ويستخدمه المفكّر السوري للدفاع عن طبيعة الثورة ونشأتها.
رغم هذه «الأصولية الماركسية» التي تبناها العظم، أو أنها التصقت أو ألصقت بهِ، ثمة جوانب أخرى في شخصيته، وأهمها الحفاظ على المنهج القابل للتطور على معيار الراهن. بمعنى أنه كان قادراً على البناء على ما سبق، من نقد الفكر الديني وصعوداً إلى ما هو أكثر نضجاً. تجاوز الصدمة التي أحدثها هو نفسه في أواخر الستينيات، ونجا غير مرة من فخ «القطيعة» مع الزمن والمعرفة. لم يغادر جلده، وهذا من الأوصاف القاسية التي طالته. لقد تخلى عن جزءٍ من جلده، وهذا يحدث في الفلسفة. كارل ماركس نفسه في لحظةٍ تاريخية خرج من عباءة هيغل. بطبيعة الحال، صادق جلال العظم، كان يحاول أن لا يلهث خلف الحاضر، وأن لا يقيم في الماضي، لأن كتبه كانت وليدة مرحلة لا يمكن نكرانها بسهولة. وهنا يمكن بناء سرديات متينة عن زمن المقاومة الفلسطينية والهزائم العربية والخوف من زحف إسلاموي، أنتج ما أنتجه من معارف. وهذا ينسحب على عمله بالفلسفة كما على رأيه في السياسة. فقد لمح مراراً إلى أن قراءة ابن رشد قبل ديكارت ليست كقراءته بعد ديكارت، والسجال مع لوكاش وجان بول سارتر وألتوسير لا يجعل منه محققاً في محكمة تفتيش، بل يصنع منه مساجلاً، يصرّ على تاريخية الماركسية وتاريخانيتها، على نقيضٍ من لوكاش الذي يؤلّه البروليتاريا. أما مشكلته مع التوسير، فهي أكثر حدة، إذ يرى أنها أوصلت الماركسية إلى المأزق السكوني ذاته، انطلاقاً من رفضه للبنيوية لأنها حالة غير تاريخية أيضاً. ولكن هذه «سجالات»، ولا تتجاوز ذلك وتصل إلى حد الحديث عن «هرطقة».
في مقابلاته ومحاضراته، ومعظم أعماله، لا يقول ذلك، لكنه يتحدث دائماً عن الواقع في «الشرق» كما لو أنه يتحدث عن أوروبا في القرون الوسطى. وهذا ما جعله يخوض سجالاً خاسراً مع إدوارد سعيد. أما تقلباته في توصيف المشهد الإسلامي، فليست محيّرة تماماً. وبعيداً عن نكتة «الأصل التركي» للمفكّر السوري التي يعايره به خصومه، فإن إسهامه في تلميع الإسلام الإردوغاني يحتاج إلى تدقيق. والمفارقة أن إسهامات العظم حدثت قبل الانقلاب الأخير (لا يلغي ذلك أن الإسلام التركي ظاهرة بخصوصية فريدة). رغم راهنية العظم، ومحاولاته الدائمة أن يكون راهنياً، فقد فاته قراءة يورغن هابرماس عندما يلخّص العلاقة بين الإسلاميين والحداثة، أثناء بحثه في «مستقبل الطبيعة الإنسانية، نحو نسالة ليبرالية». لقد حدد هابرماس الفجوة بين الإسلاميين والزمن بالانقطاع عن الحداثة نفسها. كان واضحاً وحاسماً، وتفادى مطب الراهنية الذي يساوق الحاضر ويترك الأزمة تراوح مكانها. بعد ربع قرن من الجهد والمثابرة، لا يزال «نقد الفكر الديني»، هو العمل الأبرز في أعمال صادق جلال العظم، وهذه أكبر المفارقات.