من المستحيل فصل العلاقة بين حزب الله وفرع المعلومات عن التحقيق الدولي باغتيال الرئيس رفيق الحريري. فهذا الجهاز الأمني تولى الجزء الأكبر من التحقيق الذي بُني عليه لاحقاً الاتهام السياسي لحزب الله بتنفيذ الجريمة.


رغم ذلك، تمكّن الطرفان من نسج علاقة موازية، منفصلة عن عمل المحققين الدولين ومحكمتهم. في عهد العميد وسام الحسن، تطوّرت هذه العلاقة الموازية، إلى حد تحوّل الفرع إلى قناة تواصل بين حزب الله وتيار المستقبل، في ذروة التوتر بينهما. وكلما ارتفع منسوب التصعيد بين الحزب والتيار، كان دور الجهاز الأمني يكبر، وخاصة بعد حرب تموز 2006، وصولاً إلى أحداث 5 أيار 2008 وما تلاها من معارك عسكرية. ثقة وسام الحسن الشديدة بنفسه مكّنته من نسج علاقات شخصية وأمنية وسياسية خارج الدور الذي يرسمه له تيار المستقبل. وكان من «الطبيعي جداً» أن يقول الحسن للحريري إبان الحرب إن «موقفك هنا خاطئ، وهناك لا يشبه ما قام به والدك في أحداث مشابهة». كذلك لم يكن مستغرباً أن يقف في وجه السعي إلى بناء ميليشيا لتيار المستقبل قبل أحداث أيار 2008، وأن يحاول لاحقاً تقديم سلّم للحريري للنزول عن الشجرة التي علق فوقها، من خلال تواصله شبه اليومي مع مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في حزب الله الحاج وفيق صفا، بالشراكة مع رئيس غرفة العمليات في قوى الأمن الداخلي العميد حسام التنوخي.
في المقابل، فإن العلاقة الأمنية بين حزب الله وتيار المستقبل بقيت دون المستوى المتوقّع. الثقة مفقودة بين الطرفين، وباءت كل محاولات بنائها بالفشل. عندما سعى حزب الله إلى الإجابة عن تساؤلات «المعلومات» بشأن بعض النتائج التي توصلت إليها تحقيقاته في اغتيال الحريري، أتى تسريب نتائج التحقيق إلى جريدة «لوفيغارو» صيف عام 2006، ليظهر للحزب وجود نية لتوجيه أصابع الاتهام إليه، بصرف النظر عن إجاباته. لم يحل ذلك دون استمرار الحزب بالتعاون مع الفرع. طلب وسام الحسن قبل نهاية العام نفسه من صفا المساعدة في توقيف جواسيس يعملون لحساب الاستخبارات الإسرائيلية، فلبّى الحزب طلبه.


فشل فرع المعلومات في «اختبار» عام
2006، واعاد التجربة قبل أسابيع

وفي غضون أيام، سلّم صفا الحسن معلومات موثّقة عن مشتبه في تعاملهم مع العدو، تتضمّن تفاصيل دقيقة عن تحركاتهم في لبنان وخارجه. ماذا كانت النتيجة؟ لا شيء. لم يبادر الفرع إلى أي خطوة جدية، رغم أن أحد المشتبه فيهم عنصر في قوى الأمن الداخلي، ويمكن استجوابه بسهولة. بقي المشتبه فيهم أحراراً، إلى أن أوقفتهم استخبارات الجيش بعد ثلاث سنوات، وتبيّنت دقة المعطيات التي زود جهاز أمن المقاومة فرع المعلومات بها. فشل الفرع في الاختبار، لكن ذلك لم يدفع حزب الله إلى وقف التعاون معه، سياسياً، وأمنياً. وكلّما تقدّمت العلاقة، كان سيناريو «تسريب لوفيغارو» يعود إلى الواجهة، بأشكال مختلفة. عام 2008، قرع فرع المعلومات باب مكافحة التجسس الإسرائيلي. بدأ العمل من باب الصدفة. ملاحقة «شبكات أمنية» في الجنوب أوصلته إلى الحدود. ومن هناك، «اكتشف» وجود عملاء ناشطين في لبنان، يُدارون من الأراضي المحتلة. مجدداً، حصل التقاطع مع الحزب. سلّم الفرع حزب الله معطيات عن اختراق هواتف لعدد من كوادره العسكريين. وفيما كان جهاز أمن المقاومة في ذروة التعاون للتحقيق في القضية، اشتغلت ماكينة التسريب التي تولاها اللواء أشرف ريفي، مستعيداً تسريب لوفيغارو، بصورة منقّحة. مجدداً، اهتزت الثقة، وانهدم ما كان يُبنى منها. ترافق ذلك على مدى السنوات مع تحويل مسؤولي الفرع حزبَ الله إلى المتهم الأوحد بكل الجرائم والأحداث التي كانت تقع في البلاد. أيضاً وأيضاً، لم تقطع المقاومة الخيط الذي يربطها بالجهاز الأمني الذي كان محطّ ثقة خصوم الحزب وبعض أعدائه.
بعد اغتيال العميد وسام الحسن في تشرين الأول 2012، اختار الرئيس سعد الحريري العميد عماد عثمان لخلافته. قرار الحريري كان أسرع من رغبة اللواء أشرف ريفي بالتملّص من تعيين عثمان، وتأجيله قدر الإمكان. دخل عثمان فرع المعلومات ببذلة «واسعة عليه» بعض الشيء. يُظلَم إذ يُقارَن بسلفه. ورث فريق عمل لم يبنه بنفسه. وبعض مرؤوسيه أعلى منه رتبة. قدراته في مجال بناء العلاقات محدودة، وهامشه بعيداً عن الحريري ضيّق للغاية. أتى في ذروة موجة الإرهاب التي تضرب المنطقة. صحيح أنه قطع مع تجربة سلفه في دعم المجموعات المسلحة السورية، إلا أنه، ورغم الإمكانات الكبيرة التي يملكها جهازه، أبقى عمله في مجال مكافحة التجسس في حدّه الأدنى، مقارنة بما تقوم به استخبارات الجيش مثلاً. حقق إنجازات في مجال كشف عدد من الجرائم، ونشر عدة تقارير عن خطوات قام بها في إطار الأمن الوقائي، إلا أن العارفين بالشؤون الأمنية يُدركون أن قدرات الفرع تؤهله لتحقيق أضعاف ما قام به. بدا وكأن عثمان يريد تحويل الفرع إلى جهاز «خارج الخدمة»، في مجال مكافحة الإرهاب، تماشياً، على ما يبدو، مع قرار الرئيس سعد الحريري بدعم المعارضة السورية في مواجهة حزب الله والدولة السورية. وفي السياق ذاته، وبعدما كان «المعلومات» وسيطاً بين الحزب والحريري، صار بحاجة إلى وسيط بينه وبين الحزب. والتعاون مع جهاز أمن المقاومة في مجال مكافحة الإرهاب، كما في مكافحة التجسس، يبدو لمسؤولين أمنيين كثر ممراً إلزامياً لتحقيق نتائج نوعية، نظراً إلى ما لدى هذا الجهاز من خبرة واسعة، وقدرة كبيرة على الاستعلام. لكن بدل تفعيل العلاقة، فإنها تبدو في تراجع يوماً بعد آخر. تفجيرا برج البراجنة الانتحاريان في تشرين الثاني 2015، كانا مناسبة لتعميق العلاقة بين الطرفين. زوّد الحزب الفرع بجزء من الحزام الناسف الذي بقي سليماً في مسرح الجريمة، لمقارنته بآخر ضبطته دورية من «المعلومات» بالصدفة في طرابلس قبل ساعات من التفجير. وكان لهذا الأمر أثر كبير في تحقيق الفرع إنجازاً سريعاً بكشف الشبكة الإرهابية المسؤولة عن التفجير. إنجازٌ دفع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله إلى توجيه تحية لفرع المعلومات. لكن، مرة أخرى، بقي بناء الثقة مستعصياً. فقبل أشهر قليلة، تمكّن جهاز أمن المقاومة من استدراج أحد المتورطين في نقل أحد انتحاريي برج البراجنة. مضت أسابيع قليلة، قبل أن يوقِف الأمن العام الموقوف ذاته، ويتبين أنه حرّ طليق، وأن من ساعد على استدراجه موقوف بتهمة الخطف، وأن رب عمل الأخير ملاحق أيضاً بالتهمة نفسها. كيف ذلك؟ ردّ رئيس «المعلومات» بأنه أحال الموقوف على النيابة العامة العسكرية التي قررت إطلاقه. لكن متابعي العمل الأمني والقضائي يعرفون أن العلاقة تكاملية بين المحقق والنائب العام. وبمقدور جهاز التحقيق أن يسيّر القاضي في الاتجاه الذي يريده. ويمكن القاضي في المقابل أن يتمتع بالوعي الكافي لمنع جهاز التحقيق من توجيهه. وثمة احتمال، وهو المثالي، أن يكون الطرفان متعاونين للوصول إلى النتيجة المثلى. مَن المسؤول المباشر عن إطلاق ناقل الانتحاري؟ فرع المعلومات أم النيابة العامة؟ الجواب لم يعد مهماً. فالخلاصة أن فرع المعلومات وجّه رسالة إلى حزب الله، مفادها أن بناء علاقة مهنية طبيعية معه صعب، إن لم يكن مستحيلاً.