حملَتْنا السلحفاةُ في ليل الشام


سيارة ممدوح عدوان احتوتنا جميعاً في ليلة من خريف بعيد. لا أتذكر عددنا بالضبط. جلسنا على المقعد الخلفي لسيارته، خنفساء فولكسفاغن الحمراء، ازدحمنا بعضنا في أحضان بعض وقد ضُغطنا كالنوابض، وجلست زوجته إلهام إلى جواره لتهبط بنا «السلحفاة الحمراء» من مشروع دمّر إلى الربوة ثم تصعد إلى جبل المزة، بعد سهرة في بيت نزيه أبو عفش استضافنا فيها على مائدته حتى منتصف الليل. كان ممدوح عدوان قد أصدر حينذاك مختارات شعرية عنونها «طفولات مؤجّلة». سألته عن السبب وراء اختيار الصفة، ولم أعلّقْ: «فغيابها أجمل وأرحب للمعنى». ربما كان سبب السؤال هو الشمس الغاربة التي استقبحتُها على الغلاف، مرسومة كبيضة برتقالية عالقة بين غصون شجرة عارية من الأوراق، وربما تسبب سؤالي بكتابته هذا الإهداء «إلى لقاءات أكثر مودّة» على نسخة وُوريت في صندوق من الصناديق التي آلت إليها مكتبتي في الشام ولم أرَها منذ خمس سنين. أذكر تلك النزهة الليلية في السيارة الصغيرة، وليس لدي كثير ذكريات أتقاسمها مع الراحل، وأدرك جيداً غنى القصص التي قد يرويها أصدقاء آخرون عنه. كان قريباً قبل أن ألتقيه، لأسباب عديدة أعمقها في نفسي ترجماته لروايات هرمان هيسه، خصوصاً «الرحلة إلى الشرق». سألتُه عن ابنه زياد، وكنا قد شاهدناه في برنامج «مَن سيربح المليون»، مستعيناً بأبيه كصديق أمام الأسئلة الصعبة، فأجاب «زياد بن أبيه»، ليؤكد لنا الجواب مرة أخرى حضور بديهته.

وأضاف: «إنه يحبّ شعر محمود درويش أكثر مما يحبّ شعري». قال أثناء السهرة إنه يستيقظ في السادسة صباحاً كل يوم، وبعد التزود بالقهوة والسجائر، يباشر العمل على ترجمة «الإلياذة». لم أستطع تخيّل الطاولة التي يفرد عليها سبع ترجمات إنكليزية لهذه الملحمة، أقدمها لألكسندر بوب وأحدثها لروبرت فيغلز، إلى جانب أربع ترجمات عربية، لينجز ما وصفه بـ «ترجمة مقاربة» خفّف فيها المبالغات وأثراها بالهوامش (آنذاك، لم تكن قد صدرت الترجمة النثرية التي أنجزها عن اليونانية فريق من المترجمين المصريين). لم يأبه بالذين ينتقدون الترجمة عن لغة وسيطة، وقد سبقه إلى هذه الخطوة مترجمون آخرون للإلياذة مثل دريني خشبة أو عنبرة سلام الخالدي. وكان طه حسين قد كتب مقدمة لترجمة الخالدي عاب فيها ترجمة سليمان البستاني لأنها نظمٌ صعب القراءة، بعدما أفنى البستاني 20 عاماً في صياغتها شعراً عمودياً. وقد صدرت سنة 1904 لتكون بذلك أوّل تعريب للإلياذة. على منوال طه حسين، لم يرَ ممدوح عدوان ضرورة جمالية لترجمة الشعر الأجنبي إلى شعر موزون، وإن ظل حريصاً على متانة اللغة، وكان يرى في تعدد الشعراء الذين كانهم هوميروس برهاناً على تلاشي الأصل، أو ربما هوميروس نفسه لا وجود له وقد تنازعت سبعُ مدن مسقطَ رأسه، مسترجعاً مقولة أوسكار وايلد إن الإغريق أعموا شاعرَهم الأعظم ليثبتوا إن الشعر موسيقى وليس فناً بصرياً، إضافة إلى أن اليونانيين أنفسهم يقرؤونه مترجماً إلى اليونانية الحديثة، إذ لا يفقه لغته الأيونية القديمة إلا قلّة مختصّون.

الغريبان

يذكر ابن النديم في «الفهرست» مناماً للخليفة المأمون في بغداد، رأى فيه ذات ليلة رجلاً «أبيضَ اللون، مشرَّباً حمرة، واسع الجبهة، مقرون الحاجب، أشهل العينين» جالساً على سريره. سأل المأمون الغريبَ: «من أنت؟» فأجاب «أرسطو»، وأمضيا الليلة بطولها يتبادلان الأحاديث والأفكار. في الصباح الذي أعقب ذلك اللقاء، أمر الخليفة بتأسيس بيت الحكمة في بغداد حين كانت «دار السلام»، وأوكل إدارته إلى حُنين بن إسحاق «شيخ المترجمين» الذي كرّس ديوان الترجمة لنقل أعمال الفيلسوف «المعلّم الأول»، متضلعاً في معارف القدماء، ومن ثم نقل القسم الأعظم من الفلسفة والعلم الإغريقي-الهيلّيني إلى العربية والسريانية.
عُرف حُنين بن إسحاق بنبوغه في الترجمة عن اليونانية القديمة، و«كان ينشد شعراً بالرومية لأميروس رئيس شعراء الروم» في مجالس بغداد. كان بمقدوره أن يشرح لتلامذته خفايا الأساطير والأسماء المستمدّة من الإلياذة والأوديسة مثل السيكلوب أو شيلا وسواهما. يقول يوسف بن إبراهيم إن حُنين قد هجر دروس الطب في بغداد حين كان يتتلمذ على يوحنا بن ماسويه بعدما انتهره الأخير لكثرة أسئلته ونهم فضوله، فاختفى حُنين وما درى أحد أين ذهب. بعد سنتين، استُدعي ابن إبراهيم لتطبيب مريض كانت أمه اليونانية جارية في بلاط هارون الرشيد. هناك لفت انتباهه رجل غريب، شعره الطويل كشعور الروم مسدل على وجهه، يتلو أبياتاً لهوميروس بلغتها الأصلية على مسامع المريض الراقد في فراشه. كان هذا الغريب هو حُنين بن إسحاق.

لماذا لم يقم العرب القدامى بترجمة هوميروس؟

نصادف إحدى قصص الإلياذة محوّرة في «رقائق الحُلل في دقائق الحِيل»، ونرى أن البطل السري هو أغاممنون، فهو من أطلق إشاعة أن آخيل قد قتل شقيق هكتور، فيأسره آخيل بعد عراكٍ دامٍ ولا يصرعه، لأن أغاممنون هو الملك وهو مَن يأمر بقتل هكتور. لا ننسى كذلك كيف يستكمل السندباد البحري في «ألف ليلة وليلة» مغامراتِ أوديسيوس، ولا نعرف بأي لسان قرأ الشهرستاني هوميروس ليغدق عليه الإطراء في «المِلل والنِّحل» ويورد حِكَمَهُ كأقوال مأثورة.
ابن سينا اعتبر هوميروس «الأوّل والمبدأ». ومن بعده كتب ابن رشد، شارح أرسطو وملخّصه، إن «أوميروش ربّ النعمة العظيمة عند اليونانيين وعظّموه كلَّ التعظيم حتى اعتقدوا فيه أنه كان رجلاً إلهياً وأنه كان المعلّم الأول لجميع اليونانيين»، ولعلّه حقاً اعتبر هوميروس المعلّم الأول والأحقّ بهذا اللقب من أرسطو. ربما أدّت هيمنة أرسطو إلى استبعاد هوميروس من أولى الترجمات في بلاد العرب، ولعلّها أفضت إلى تأليف كتب عربية قديمة انتحلت اسمَ أوّلهما، مثل «كتاب التفاحة». كتب الجاحظ عن ميل العلماء إلى كتب أرسطو أكثر من ميلهم إلى القرآن، ولربما كان يقصد نفسه أولاً بمثل هذا التأثر. لنتذكر كتابه «الحيوان». درّس أرسطو الإلياذة للإسكندر المقدوني الذي احتفظ بنسخة منها معه طوال حملاته. لكنّ العرب القدامى لم يقربوا أشعار هوميروس في عصرهم الذهبي للترجمة، الآفل نهاية القرن العاشر، حين كانت الترجمات توزن بمكيال الذهب على ما تقول الخرافات أو كتب التاريخ. ألأن أفلاطون طرد هوميروس من جمهوريته؟ أم ألأن المترجمين هابوا تُهم الزندقة لتعدد آلهة الأولمب المتنافي مع وحدانية الله في الإسلام، وآلهةُ هوميروس، كما كتب كزينوفون، تسرق وتزني وتخون؟ أم ألأن العرب أباحوا ترجمة النثر فحسب ولم يروا الشعر لدى أمة أخرى سواهم، إذا استحضرنا ما كتبه الجاحظ: «وفضيلة الشعر مقصورة على العرب، وعلى مَن تكلّم بلسان العرب، والشعر لا يُستطاع أن يُترجَم، ولا يجوز عليه النقل، ومتى حُوّل تقطّع نظمه وبطُل وزنه، وذهب حسنه وسقط موضع التعجّب، لا كالكلام المنثور»؟ على المقلب الآخر، كتب ابن خلدون في مقدمته: «اعلَمْ أن الشعر لا يختصّ باللسان العربي فقط، بل هو موجود في كل لغة سواء كانت عربية أو عجمية، وقد كان في الفرس شعراء وفي يونان كذلك، وذكر منهم أرسطو في «كتاب المنطق» أوميروس الشاعر وأثنى عليه».

لُقطاء في العَقْد الفريد

بعد الكثير من العَرَق، اشتهت إلهام تين مصياف «الهبّول»، على الطريق في تلك النزهة الليلية (لكيلا أقول «مشوار» أو «سيران»). ثم مازحت زوجها الذي يقودنا، مشيرة إلى شجر الحور على ضفاف ما تبقّى من بردى: «شجرٌ يتمايل أم صبايا؟» أمضى ممدوح عدوان ثلاثة أرباع حياته في دمشق، وكانت «سلام من صبا بردى أرقّ» أكثر قصيدة ألقاها وهو طفل في سهرات مسقط رأسه قيرون. كان السهارى يطلبونها منه فينبري إليها، مثل الفتى في معلّقة طرفة بن العبد، ليقف فوراً ويبدأ الإلقاء سليم اللفظ جهوريّ الصوت. كان الطفل يستعرض مهاراته، وتبهره الرجولة وتثليث بيت من العتابا، وكيف تغرق أماسي الفقراء في الأغنيات، في ريف مصياف شمال سوريا. في العقد الأول من الألفية الجديدة، فكّر بإعادة ترجمة هوميروس. الإلياذة تبدأ أحداثها بعد عشر سنين من حصار طروادة، والأوديسة تبدأ مغامراتها بعد عشر سنين من سقوط طروادة، وجوزف برودسكي أبصر في انعطافة العَقد شؤماً دورياً مدمّراً تجلبه أنظمة الحكم الشمولية عند رسوخها وتفسّخها، وفي شرقنا الأوسط مثالان فادحان هما صدام حسين وآل الأسد.
قرأتُ لاحقاً أن ممدوح عدوان قد استند بشكل أساسي إلى ترجمة ريتشموند لاتيمور، وقد قاده تفكيره المسرحي إلى القول إنّ «الإلياذة مكتوبة للفرجة»، وهي شعرٌ يُرتجل أو يُلقى كمعظم الشعر الجاهلي، وفيها كلمة «المغنّي» تُستخدم للدلالة على الشاعر. ربما أعاد النظر في ماضيه الشعري حيث الانفعالات الهادرة على المنابر وسحر الإلقاء المسرحي والشعر الخطابي السياسي أحياناً، وحيث أطياف محمد الماغوط ونزار قباني ومظفر النواب تطوف بممرات شعر السبعينيات في سوريا، وغرفه الضيقة واعتداده بالنفس وزخم صداقاته وخصوماته. كل ذلك هدأ أمام صمت الترجمة. ربما قاده إلى «الإلياذة» حبه القديم للمعارك الصحافية التي خاضها وتأسف لاحقاً على إهداره وقته في غمارها ومقارعة غُرمائه وأصحابه بالمقالات، حين تمنى، طامعاً بالبقاء حياً أطول وقت ممكن، أن يهبه كل شخص ربع ساعة من عمره ليكمل مشاريعه. ضاعف مرضه الأخير وتيرة عمله، ضاعف سرعته في الكلام والأكل والكتابة. بعد غزارة يندر مثيلها في علوّ السويّة داخل الأدب السوري أنتجت عشرات الدواوين والمسرحيات والترجمات والروايات والمسلسلات التلفزيونية، هدأ السيل عند أعمال هوميروس التي بدت بمثابة خلاصة أيامه الزاخرة بالمجازفات، فتصدّى للتحدّي الأصعب، وربما أرادها عملاً عصرياً باللغة العربية لا يُضاهى ولا يُنسى، هو الذي تغنّى بعروة بن الورد «أقسّم جسمي في جسوم كثيرة وأحسو قراح الماء والماء بارد»، ورأى في هذا الماء البارد عرقاً مثلثاً في دير ماما يشربه مثلَّجاً بعد ظهر نهار صيفي. ذكر إن شخصيته مبثوثة في أعماله كلها، تأليفاً وترجمة، فهو يتمثّل هاملت والزبّال وحتى رغبات المرأة الجنسية، ولعلّه فكّر آنذاك بفرضية صموئيل باتلر الذي اعتبر هوميروس فتاةً، شابة عزباء من صقلية. بالمقابل، كان يعي بالتأكيد أهمية أن يحرَّر هوميروس من هيمنة الثقافة الغربية ومؤسساتها. على سبيل المثال، تتردّد في ملحمتيه أصداء من تراث الفراعنة ورحلات جلجامش وبطولاته، ولا تزالان حيّتين بعد قرابة ألفين وثمانمائة سنة، قدّام شرقنا الأوسط الذي فتكت به الجيوش والطغاة والحروب واقتتال الآلهة وأغرقت سوريّيه في بحر أوديسيوس، ولا أحد يحيط بما يدور حوله ولا يفهم حقاً ما يجري، لا أحد يدري متى تحين نهاية الجنون الذي ما عاد الفنانون يتصايحون دفاعاً عنه.
ثمة استعارتان تتكرّران في أغنيات الفولكلور عبر العالم: الحياة بوصفها حرباً أو رحلةً، ولعلّ أكمل سردين لهما مدوَّنان في الإلياذة والأوديسة. كان ممدوح عدوان يحفظ الكثير من شقيقات هذه الأغاني، وكتب أغنيات ومواويل فيلم «الفهد» لنبيل المالح. ربما قاده إلى الإلياذة ولعه بالملاحم الشعبية مثل «الزير السالم»، مسلسله التلفزيوني الأشهر، وكان قد اتخذ لنفسه اسماً وكنية جديدين بعيداً عن آلهة الفينيقيين التي أغوت قبله شاعراً لم يكن يطيق شعره، فتحول اسمه من مدحت مصطفى إلى ممدوح عدوان، والكنية الأخيرة انتحلها من سيرة شعبية كان يقرأها في صباه للكبار الأمّيين في قريته قيرون: «حكاية الأمير نمر العدوان ومحبوبته وضحة ستّ النسوان». هوميروس كذلك اسم متبنَّى، اعتمده الشاعر ليجلل بالعار أولئك الذين رفضوا إيواءه واحتقروه في جزيرة سِمِّريس، أيام تجواله كمنشدٍ أعمى بين جزر الأرخبيل اليوناني، ومعنى هذا الاسم هو «الشحاذ الأعمى». نُقِل عنه إن مَن يرغب بالشهرة فعليه بالغناء منذ البداية. كانت قصائده تُغنّى بصحبة قيثارة، مثلما رافق بزقُ ثيودوراكيس قصائد ريتسوس والعُود الكثيرَ من القصائد العربية الملقاة في السهرات.
كتب ممدوح عدوان كذلك سيناريو مسلسل المتنبّي، «سفاح الشعر العربي» بتعبير صديقه محمود درويش. أهي القوّة والعظمة بسحرهما أم أغنيات الطفولة ما دفعته بهذا الحماس إلى هوميروس؟ أهو الافتتان بالأوّل والأفضل والأتمّ والأعلى والأعظم، فمَن يفتنه المتنبّي يفتنه «ملك الشعراء» الإغريق القدامى؟ أظن أن هناك سبباً آخر هو أعمال محمود درويش وإعادة قراءته لحصار طروادة شعرياً؛ وهناك أيضاً حرب الخليج الأولى، وكوارث حصار العراق، البلد الأثير على قلب ممدوح عدوان الذي جمعته بأهل السواد صداقات كثيرة. كان قد رجع إلى دمشق بشريط كاسيت «يا طيور الطايرة» لسعدون جابر بعد زيارة إلى بغداد أواخر السبعينيات، وأمسى الرجلان صديقين قريبين. شتاء 2005، غنّى سعدون جابر على قبر صديقه في ذكراه السنوية الأولى.

البحر خمريّ اللون

كره ممدوح عدوان الإكثار من النعوت في القصائد. ربما راقت له حكمة باشو إلا ثلثها الأخير: «تجنّبِ النعوت تزدَدْ حبّاً للعالم وتقلّ رغبة فيه». دلّه شحّ الترجمات العلمية في اللغة العربية إلى قصائد عالم المناعة التشيكي ميروسلاف هولوب. ربما شدّه الذكاء الحاد في تلك القصائد والسخرية من المفارقات التاريخية والاحتفاء بالأشياء العادية. ربما كان سيستسيغ هذا التفسير العلمي: نحت هوميروس العديد من غرائب النعوت، وأحد أشهرها وأكثرها غموضاً يصف البحر «بلون النبيذ الداكن» عشرات المرات في الإلياذة والأوديسة. أما التعليل القابل للجدل، فبالإضافة إلى جائحة من الأشنيات الحمراء تفشّت في بحر إيجه أثناء حرب طروادة، رجّح بعض الباحثين أن النبيذ الإغريقي كان داكن الزرقة لأن الإغريق كانوا يمدّدونه بالماء عند شربه، فيتفاعل ماء جزر البيلوبونيز قلويُّ التركيب مع النبيذ ليتغير لونه من الأحمر إلى الأزرق. تبقى هذه الصفة لغزاً صغيراً جميلاً، لا يُحلّ ولا يختفي. هذا بحر الأعمى الذي لم يتداركه الأخفش.

أحجية القمل


الإغريق أعموا شاعرَهم الأعظم ليثبتوا أن الشعر موسيقى وليس فناً بصرياً


إزاء مفارقة يوريبيدس «مَن يدري إذا ما كانت الحياةُ موتاً والموت حياة؟»، اقترح هيراقليط حلاً هو تبادل الخالدين والفانين للأدوار، ثم اجترح مفارقة أخرى: «يتوهّم الإنسان إنه يعرف ما هو واضح، كما توهّم هوميروس حكيم الحكماء اليونانيين، إذ خدعه بالسؤال صبيانٌ يقتلون القمل: «نترك ما نراه ونمسك به، ونحمل معنا ما لا نراه ولا نمسكُ به». التناقضات دائمة، فالفشل في رؤية الأشياء شديدة الوضوح يوازيه عَمَهُ هوميروس، لأن حكيم اليونان وقف كالأحمق عاجزاً أمام أحجيةٍ يعرف الأطفال كيف يحلّونها. يقول هيراقليط إن الشاعر الخالد مات حزناً لأنه لم يحزر الجواب.

مراسل الهزائم

كان ممدوح عدوان مدهشاً بطاقته على العمل. ظلّت تلك الحيوية مشرقة كشمس سيجارته التي نهشت رئتيه، التهمته الحياة التي لم ينقطع عن التهامها، مثل الثعبان مبتلع الفيل في مستهلّ «الأمير الصغير». وإذا عضَّ هذا الثعبان ذيله، انغلقت الدائرة وتطابقت البداية والنهاية. كثيراً ما نوّه ممدوح عدوان بهذه العَود الدائري للأشياء، وكم تكرّر الأجيال بعضها بعضاً، وكم هي قليلة القصص التي تُروى بتنويعات لا تُحصى على مرّ العصور. صانت روحه توثُّب الشباب ونزقه، ومعه الطفولة التي لا تنقضي. وُصف بالمشاكس والمشاغب وسواهما من محبَّب الصفات التي سخر منها وقد شاع استخدامها في الصحافة الثقافية المحلية. كنا نتهامس عن شجاعته وجرأته في انتقاد المخابرات وسرايا الدفاع وكذب السلطات وابتزازاتها. كان صخبه احتجاجاً في خفوت تلك الأيام السورية الكتيمة، ولسانه الطليق سليطاً وشتّاماً عند الضرورة، بينما أصحابه وخصومه ينقّلون مواقفه بين الخنادق المتعارضة معجَبين بالجريء الجسور أو مستريبين بالثرثار المدلّل لدى السلطة. البوهيمي، هادم الأبراج العاجية، لم يوقفه شيء، كان في الهجاء لاذعاً، ودافقاً بالشرف والنزاهة. قال عن محمد الماغوط، ملهمه في التمرّد وهجاء الوطن وحبّه، وصنوه في المباهاة بعشق النساء والتفاخر بالفقر والذل والغربة واليتم: «من الفجيعة بالحكّام إلى الفجيعة بالأهل»، وسمّى نفسه ذات مرة «مراسل الهزائم»، حين جُنّد كمراسل حربي في حرب تشرين 1973، لأنهم منيوا بالهزيمة في كل المعارك التي غطّاها. استهواه دائماً الاستفزاز والتحدّي، ولذّ له أن يعنون روايته «أعدائي» بأناه وعداواتها، وراء أقنعة تاريخية آتية من فترة انهيار الحكم العثماني. كان وهج المائدة ونجم الحانة الصغيرة، الصاخب الصارخ، مَن لا يوفّر مزاحه أصغر سانحة وخزينه من النكات لا ينضب، فيعصف مرَحُه بالجلسة و«يتجلّى» في السهرة. في معمعة تلك الحياة الجامحة، توارى القارئ النهم والمترجم الذي لا يكلّ مثل نجم بعيد يتفجّر ولا يُسمَع دويّه. ميّزه دائماً علو الطموح والدأب والتمرغ في الحياة وتفاصيلها اليومية وأحداثها الساخنة. لا ننسى أنه بدأ كتابة الشعر بهجاء الرجال الذين يضطهدون النساء في قريته. كان هوميروس أحد رفاق سنواته الأخيرة، متذكراً زميله في تراجيديات المسرح وأخاه في السرطان سعد الله ونوس، حتى تساقطت الغرّة واختفى الشعر الأبيض كلُّه وانتفخت الجفون أرقاً كمناقير البجع، وخبا رنين الضحكة وصارت سعالاً. لم يكمل ترجمة الأوديسة التي لا تتوافر لها حتى الآن ترجمة عربية دقيقة شافية، لكنه ترجم مسرحية ديريك والكوت «عودة أوليس»، وسخر من القوميين الذي يتغنّون بأصالة الجذور حين عدُّوا أوليس [أوديسيوس] فينيقياً. لم تكن الروح اليونانية غريبة عنه، بعدما أنجز ترجمة باهرة لمذكرات نيكوس كازانتزاكيس «تقرير إلى غريكو». روى كازانتزاكيس الأوديسة بطريقته، أوديسيوس في روايته الشعرية رحّالة يبحث عن معرفة الذات، إنه ملك وجنديّ وعاشق ومؤسس تعس لمدينة فاضلة في أفريقيا، وتنتهي أيامه على السواحل المتجمّدة للقطب الشمالي، دون أن يفلح في إتمام أي من مشاريعه، مدركاً أن التجربة أهمُّ من الفشل أو النجاح. كنا سنسمع قهقهة ممدوح عدوان، تجلجل كضحك هوميروس، حين يقرأ هذين البيتين في الكتاب الثامن من «قصص أوديسيوس» (هذا هو المعنى الحرفي لكلمة «أوديسة»)، ولعله فنياً أبدَع فصولها: «الآلهةُ حبكت كلَّ هذا، فأنزلتِ المصائبَ بالإغريق لكي تجدَ الأجيالُ المقبلة ما تغنّيه».