يعود ممدوح عدوان في روايته «أعدائي» (2000) إلى زمن قلق وصاخب، ومليء بأسئلة الانتماء. يجعل الوثيقة التاريخية أداةً سرديّة، لتكون «أعدائي» روايةً عن الغفلة العربية، عن التيه العبثي الذي تجري وفقاً لهُ أيام العرب، حتى باتت ثوراتهم تمضي بهم من مُستغلٍ إلى آخر، وينتقل قادتهم من مُشغلٍ إلى آخر.


تعالج الرواية التي صدرت بطبعة ثالثة أخيراً عن «دار ممدوح عدوان»، فترة بالغة الحساسية في الحياة السورية، هي السنوات الأخيرة لحكم الرجل المريض. تشير إلى نزعات الاستقلال وتياراتهِ، ما اقتضى غنىً في الشخصيات وتنوعاً فريداً في المقولات التي حملتها الرواية، لا سيما أنّ عدوان قد أعطى لشخصياتهِ المدى الحر في التطور والوفاء لمنطق كلّ شخصية منها حتى نهاياتها الملفتة باتساقها.


تصير «أعدائي» هلوساتنا
السورية ببناء هوية جامعة
أراد عدوان من روايتهِ أن تكون تطبيقاً تجريبياً لنظرياتهِ التي قدمها في كتابيه «حيونة الإنسان» و«دفاعاً عن الجنون»، وبدرجة أقل كتابه «جنون آخر». سنجد في شخصياتهِ الكثير من منطق ممدوح في التعاطي مع الحياة والشأن العام. إنه لا ينفك يتسلل من خلال الراوي كي يحدثنا عن ثنائية الحاكم والمحكوم، والجلاد والضحية، ومسؤولية الضحايا أنفسهم، والدين، ومجتمع المقموعين، وحاشية السلطان.
يُسلّم عدوان النساء مفاتيح نصهِ، مثلما يُسلّمهن رجال الدولة أسرار الحكم، ومثلما يُسلّمهن قادة الجيش الخطط العسكرية، ومثلما يسلّمهن الرجال مصائرهم في الرواية. تتنازع السلطة النسويّة على الرجال سيدتان، هما نهال التي تعمل لحساب الدولة العثمانية، وسارة التي تعمل لحساب جمعية يهودية. وبين بيروت ودمشق والقدس، تحيك السيدتان مؤامراتهما، وعلى أساسها راح عدوان يبني الحبكات الدراميّة.
تتشابه الشخصيتان اللتان تعملان لصالح جهتين متصارعتين في سمات مشتركة كثيرة. كلاهما، تسخّر جسدها لخدمة قضية عليا. إن كانت نهال امرأة ناضجة، فإنّ سارة ستنضج خلال صفحات الرواية الستمائة، لتصير في النهاية، مناضلة محددة المصير. وهي النهاية التي دُفعت إليها نهال على نحو غامض ومؤسٍ، في حين كانت نهاية سارة صاخبة ومحطمة لقاتلها ومشغليها. لقد اشتركت السيدتان بالمصير ذاته، بعدما ساعدتا ممدوح على موازنة النص عبر عوالم مختلفة بين الألمان والإنكليز واليهود والسوريين والأتراك. كان إغواء السيدتين، هو اللغة المشتركة التي طور عدوان مكائد نصهِ من خلالها.
تُعنى الرواية بالهواجس التي رافقت انهيار الدولة العثمانية، وتطرح مصير سوريا ضمن التحالفات الناشئة آنذاك. تصور الحالة العربيّة بشكل يدمي القلب. يشتغل عدوان على شخصية جمال باشا وتفاصيل أيامهِ، وينقل الحفلات الماجنة التي أعقبت إعدام الأحرار في بيروت ودمشق. يعرضه سكيراً وزير نساء، سطوته قاسمة ومستغفل من حاشيتهِ في الوقت ذاتهِ. يؤسس عدوان حكايته في بيئة تشبه تلك الأزمنة، حيث الموت الهادر، الجوع والفساد والأمراض. يوزع الحكاية على عدد كبير من الشخصيات التي يغيب جلّها في النهايات، ليتبقى رمزاً الثنائية المؤرقة، عارف وألتر، الضابط الأخلاقي والمنضبط مقابل الجاسوس الداهية والخطير. وقد حمّل عدوان هذا الخط في الرواية، معظم أفكاره عن الصراع العربي الإسرائيلي. وبصورة نقدية لاذعة، راح يطلق أحكاماً ولّدها التاريخ الطويل لهذا الصراع. سيمرّ عارف بصراعات متنوعة، أشدها مع ابنه إبراهيم، الذي يسجن مراراً في نضاله مع زملائه من أجل الاستقلال. يحاور والده كثيراً حول ضرورة الالتفات إلى الهوية العربية الجامعة. إلا أنّ ولاء عارف يبقى راسخاً للوظيفة التي يؤديها. حتى بات رهينة للدولة العلية وللباسه العسكري دون أن يرغب عارف ودون أن يفكر ممدوح بدفعه خارج ذاتهِ. وإنما راح يعمّق ولاءه وفق أسلوب حياة متقشف، ثم بملاحقته الجنونية لألتر التي خسر في سبيلها كلّ شيء، لكنه سيكسب معركته الذاتية والرمزية في آن.
لممدوح عدوان روايتان فقط، والروايتان تحملان هماً عاماً. أخذ عدوان من رواية «الأبتر» (1969) شخصية عارف عن شخصية إدريس في الأصل، إذ إنّ الرجلين يتحدثان بالخطاب ذاتهِ. بل إنّ القارئ قد يقع على حوارات متشابهة حول خسارة الجميع للحرب وانتصارهما الفردي فيها كونهما كانا وفيين لمبادئهما. إدريس الذي بقي وحيداً في قرية المنصورة مع بقرته، وعارف الوحيد في السلطنة الذي بقي وفياً لفكرة الواجب الوظيفي. لا تجيء أهمية «أعدائي» من الفترة التي تتحدث عنها فحسب، بل أيضاً من المقاربات التي تشي بواقع سوريا اليوم. تستفز الرواية قارئها وتدفعه للتأمل في الواقع العجائبي لهذا البلد. تصير «أعدائي» هلوساتنا السورية ببناء هوية جامعة لناس هذا البلد، إلى جانب كونها تذكيراً مريراً لنا بعدوٍ لطالما أجاد التخفّي في أعداء آخرين.