حققت استخبارات الجيش، في 2016، إنجازات نوعية غير مسبوقة على صعيد مكافحة الإرهاب. كرّس الجيش نفسه خط دفاعٍ أوّل في مواجهة الجماعات التكفيرية، وأوقفت استخباراته مئات المطلوبين المتورطين في أعمال إرهابية، وأحبطت وحداته عمليات انتحارية عدة كانت تستهدف الداخل اللبناني. ولعلّ العمل الأمني الأكثر احترافية كان عملية الكوماندوس التي اصطادت أمير تنظيم «داعش» في عين الحلوة عماد ياسين من عقر داره. العملية النظيفة التي أُنجِزت باحترافية عالية، تبعتها عملية أكثر جرأة في عمق الجرود العرسالية لاقتناص «أمير» من عالم الإرهاب هو أحمد يوسف أمون. العمليتان اللتان لاقتا صدى استثنائياً نقلتا صراع الجيش مع الارهاب التكفيري إلى مرحلة متقدمة، لا سيما أنّهما جاءتا بعد قرارٍ واضح اتّخذته القيادة بالضرب خلف خطوط العدو، وتفعيل الأمن الاستباقي عبر الذهاب إلى العدو لضربه، بدلاً من انتظاره ريثما يضرب. وإلى حرب الإرهاب المستعرة ضده، واجه الجيش دعوات مشايخ متشددين لعناصره الى الانشقاق أو الفرار من «الجيش الكافر». غير أنّ هذه الدعوات لم تلقَ صدى يُذكر، باستثناء عمليات فردية لم تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.


ولعلّ أبرز العمليات الأمنية للجيش، العام الجاري، دخول وحدات من الجيش ومديرية المخابرات، في ٢٣ آذار ٢٠١٦، إلى خربة داوود (عكار) حيث اشتبكت مع «خلية إرهابية»، ما أدى إلى مقتل الجندي الفار عاطف سعد الدين. وكان سعد الدين (مواليد ١٩٩١) قد انشقّ في تموز 2014 ونسّق مع مجموعة إرهابيين للتسلل إلى نقطة خدمته في مركز الحماية والمراقبة في تلة عين الشعب في عرسال، التابع للواء المشاة الثامن، وفرّ معهم الى الجرود حيث التحق بـ«جبهة النصرة» وبايع أميرها في القلمون «أبو مالك التلّي»، ثم تكنّى بلقب «أبو مالك»، ليقاتل عناصر الجيش في تموز ٢٠١٤. وشارك سعد الدين في معركة عرسال حيث أصيب في عينه ويده، وبقي بعيداً عن الأنظار ثمانية أشهر قبل أن ترصده استخبارات الجيش داخل الشقة التي دوهمت في خربة داوود، ما أدى الى مقتله في تبادل لإطلاق النار. وبيّنت المعلومات الأمنية أنّ سعد الدين كان قد ارتبط بمجموعة أسامة منصور بوصفه «أميراً عسكرياً لولاية طرابلس». كذلك فإنّ شقيقه الأكبر جاسم، الملقّب بـ«أبو عص» (مواليد ١٩٨٣)، ناشط في أكثر التنظيمات تطرفاً، وشكّل خلية أمنية في بلدته خربة داوود لاستهداف دوريات الجيش والحافلات التي تقلّ عسكرييه. كذلك شارك مع السوري محمد السلوم في قتل بدر عيد، شقيق النائب السابق علي عيد، والجندي جان الهاشم وعسكريين آخرين. وبعد ثلاثة أشهر على مقتل شقيقه، وقع في قبضة استخبارات الجيش في ٢ حزيران الماضي، مع معظم أفراد خليته. أيضاً أوقف يوسف الخلف، الملقّب بـ«أبو وضاح»، لارتباطه بالإرهابي أسامة العكاري وتجهيز مجموعات لتنفيذ أعمال إرهابية في سوريا انطلاقاً من لبنان.


رغم التركيز على مكافحة الإرهاب، لم تغفل مديرية الاستخبارت نشاط استخبارات العدو الإسرائيلي


أوّلى العمليات التي سجّلت تحوّلاً نوعياً وكرّست استراتيجية الضرب خلف خطوط العدو كانت توقيف القيادي في «داعش» طارق الفليطي وقتل القيادي الآخر سامح سلطان المشهور بـ«سامح البريدي»، أثناء محاولة توقيفهما في آب ٢٠١٦. والاثنان من مجموعة عمر الأطرش المتورطة في إرسال سيارات مفخخة إلى الضاحية الجنوبية وزرع عبوات ناسفة استهدفت دوريات الجيش. وقد اعترف الفليطي بأنهما كانا يخططان لتفجير كنيسة سيدة التلّة في بلدة القاع، وأنّ سلطان كان يخطط لاستهداف الضاحية الجنوبية بواسطة فان مفخخ يقوده بنفسه.
وفي سياق «الضرب خلف خطوط العدو»، سُجِّلت عملية نوعية لاصطياد القيادي البارز في «داعش» نايف فايز حديد (يُعرف بـ«أبو الفوز» و«فايز الشعلان») الذي كان يتنقل مع محمد موصللي (١٩٧٨)، وهو عنصر أمني ناشط في «داعش». والاثنان متورطان مباشرة في قتل الرائد بيار بشعلاني والمؤهل إبراهيم زهرمان في عرسال في شباط ٢٠١٣. ويعتبر موصللي المسؤول اللوجستي للتنظيم في عرسال، وقد رُصِد مع «أبو الفوز» في ثلاثة مواقع في المنطقة الجردية، وقد ساهمت سيارة الأخير في فضح مكانه. وبعد تحديد التوقيت المناسب وتوافر معلومات مؤكدة عن وجود «أبو الفوز»، دُهِم المنزل في محلة وادي الحصن في عرسال في ٢٨ نيسان ٢٠١٦. وبحسب المعطيات، فإنّ العملية كادت تُلغى لاستخدام «أبو الفوز» أطفالاً كدروع بشرية. وقد أُصيب جرّاء حرص القوّة المهاجمة على عدم فتح النار، بسبب وجود الأطفال، أربعة عناصر من فرع مكافحة الإرهاب والتجسس، إثر إلقاء الإرهابي قنبلة يدوية عليهم. وقد حافظ أفراد المجموعة المهاجمة على الطوق من دون أن يكون هناك استهداف مباشر له، إلى أن عُزِل عن الأطفال. وقُتل «أبو الفوز» مع شخصين آخرين خلال الاشتباك، فيما أُوقف موصللي. وعمد الجيش إلى سحب جثث القتلى الثلاثة.
كذلك سُجِّلت لاستخبارات الجيش عملية نوعية تمثّلت في توقيف معظم عناصر «مجموعة المقنَّع» الذين بلغ عددهم ١٤ شخصاً، في عمليات دهم متفرقة. والمقنَّع هو لقب قائد المجموعة عبدالله بكّار الذي شارك في معركة عرسال ضد الجيش في ٢ آب ٢٠١٤ وأسر عدداً من عناصره، ثم سلّمهم لتنظيم «داعش». والمقنّع كان يوالي «الجيش السوري الحر» قبل أن يبايع تنظيم «داعش».
وفي خانة «الأمن الاستباقي» الذي جنّب لبنان تفجيرين انتحاريين كبيرين، برزت عملية توقيف القيادي في «داعش» عبدالسلام محمود العزّو، الملقّب بـ«أبو محمود تدمر»، في الفرزل (البقاع) في حزيران ٢٠١٦، قبل أيام من تنفيذ مخططه، وضُبطت في حوزته خرائط تفصيلية للكازينو. وبحسب المعلومات الأمنية، خطّط العزّو لتنفيذ عمليتين إرهابيتين كبيرتين، الأولى كان يخطط أن تكون عملية انغماسية تستهدف الكازينو، فيما كان يُعدّ سيارة إسعاف محمّلة بطن ونصف طن من المتفجرات لدخول الضاحية الجنوبية. وهو يُعدّ أحد أخطر الشخصيات المرتبطة بمسؤولي التنظيم في الرقة. وبعد يومين، أوقف ثلاثة أشخاص مرتبطين به، هم السوريون سليم الخطيب الملقّب بـ«الإعصار» (خبير متفجرات في طرابلس)، وعبدالسلام رحمون (أعار عزّو أوراقه الثبوتية)، وحسام الحمود (التخطيط لإنشاء مجموعة مسلحة في وادي خالد).
خلية مجدل عنجر لم تكن أقل أهمية عن باقي الخلايا الإرهابية. فقد تبين أنّها مرتبطة بتنظيم «كتائب عبدالله عزام». سُجّل هذا الإنجاز في خانة «الأمن الاستباقي» بعدما كشفت كمية المتفجرات المضبوطة حجم المخطط التفجيري، لا سيما أنّ أفراد الخلية الذين أوقفوا بلغ عددهم تسعة أشخاص، معظمهم من مجدل عنجر، في ٣٠ تشرين الثاني. وكان الرأس المدبّر للخلية عمر حسن خروب الذي كان يحتفظ بمخزن للمتفجرات تحت الأرض داخل خزانات بلاستيكية، وصاروخ أرض جو ــــ صيني الصنع متطور جداً، و٢٨٠ لفة متفجرات اعترف بأنّه اشتراها من مختار بلدة عربصاليم مصطفى م. وابنه.
وبالعودة إلى أبرز عمليتين سُجّلتا هذا العام (عماد ياسين وأحمد يوسف أمون)، فقد أوقف ياسين في ٢٢ أيلول ٢٠١٦ في عملية أمنية خاطفة نُفّذت في أقل من دقيقة، سُحِب خلالها خارج مخيم عين الحلوة، ليتبيّن أنّه متورط في أعمال أمنية عدة داخل المخيم، من تصفية أشخاص وتفجير محال إلى إرسال جهاديين إلى العراق. وكشفت اعترافاته أنّه بايع تنظيم «داعش» أواخر عام ٢٠١٤، ثم عُيِّن أميراً له داخل المخيم لتأسيس خلايا أمنية ووضع لائحة أهداف لضرب البنى التحتية في الداخل اللبناني عبر عمليات تفجير. وبحسب المصادر العسكرية، كان ياسين يخطط للقيام بعمليات إرهابية تستهدف مصفاة الزهراني والجية وقناة الجديد وكازينو لبنان وبعض المطاعم السياحية. أما عملية توقيف أمون، فقد أُنجِزت بالاحترافية نفسها. رُصِد الهدف بدقة لأسابيع قبل تحديد الساعة الصفر. تسللت عندها مجموعة خاصة فجراً لمحاصرة المخيم الذي يختبئ فيه «أمير عرسال» المشهور بـ«الشيخ أبو يوسف». وفي عملية خاطفة في ٢٥ تشرين الثاني، سُحِب أمون بعد إصابته في قدميه، فيما أوقف أفراد مجموعته في الهجوم المباغت. وقد أُخرج «الأمير» الجريح على متن طوافة عسكرية من عرسال. وبحسب المعلومات، فإنّ أمون شارك في كافة الاعتداءات التي استهدفت الجيش والقوى الأمنية في عرسال. كذلك تولّى تصفية عدد من العسكريين والمدنيين بتهمة التعامل مع الدولة اللبنانية، إضافة إلى إطلاق صواريخ على منطقة الهرمل.
ختام الإنجازات النوعية التي سُجِّلت هذا العام كان توقيف أفراد خلية تابعة لتنظيم «داعش» اعتدت على أحد مراكز الجيش، قتلت عسكرياً وجرحت آخر في بقاعصفرين. وقد تمكن الجيش من توقيف أفراد الخلية المهاجمة خلال أقل من يومين، ليتبيّن أنّهم تلقّوا أوامر الهجوم من الرقة.
ورغم التركيز على مكافحة الإرهاب، لم تغفل مديرية الاستخبارات في الجيش نشاط أجهزة استخبارات العدو الإسرائيلي على الساحة اللبنانية. فقد أوقف عناصرها س. ق. بتاريخ ٩ تشرين الثاني ٢٠١٦ للاشتباه في عمله لحساب الاستخبارات الإسرائيلية، ومقابلته ضباطاً إسرائيليين خارج لبنان لتسلّم معدات إلكترونية للتواصل معهم.
بَرَعت استخبارات الجيش ووحداته في مواجهة الإرهاب عام ٢٠١٦. أحبطت عمليات انتحارية وقضت على إرهابيين أمعنوا في القتل والإجرام. اجتازت حدوداً كانت ممنوعة عليها سابقاً، بقرار أو اختياراً. غيّرت في استراتيجية المواجهة لتختار الضرب في عقر دار الإرهاب أينما وُجِد، في مغامرة أظهرت نتائجها أنها كانت محسوبة جيداً. هكذا يستحقّ عام ٢٠١٦ على المستوى الأمني أن يكون «عام الأمن الاستباقي».