لم يعد المأزق السياسي الحالي يتعلق بتغيير قائد للجيش وبتعيين بديل له، ولا بتشريع الضرورة أو فتح دورة استثنائية للمجلس النيابي. ما يحصل اليوم وما وصلت إليه الأمور منذ أن بدأت الأزمة السياسية، بات يتعلق بأزمة نظام الدولة الموحدة القائمة منذ عام 1920.


يقول أحد السياسيين إن «ما يجري يضع جمهورية البطريرك الياس الحويك على المحك، والخطاب السياسي الذي قيل على طاولة مجلس الوزراء لا يعني إلا أمراً واحداً، هو أن فلسفة النظام الحالي باتت في خطر».
فالكلام الذي قاله رئيس الحكومة تمام سلام في جلسة مجلس الوزراء لم يمر مرور الكرام أمس في الوسط المسيحي، وخصوصاً أنه صدر على طاولة مجلس الوزراء ومن سلام نفسه. تفاعل هذا الكلام، لأنه مسّ بأمرين جوهريين: الخصوصية المسيحية ووضع المسيحيين وعلاقتهم بالنظام ودورهم في مؤسساته؛ وصلاحيات رئيس الجمهورية الذي أراد سلام القفز فوقها ــ إن لم يكن تعدى عليها ــ في ظل الشغور الرئاسي.
ما قاله رئيس الحكومة وما دار من حوارات في مجلس الوزراء وما يقال يومياً، إن لجهة إصرار الرئيس نبيه بري على عقد جلسة تشريعية، ولو في غياب مكونات مسيحية أساسية، أو الحملة التي يشنّها تيار المستقبل على الفريق المسيحي الذي يريد أن يعوض عن غياب رئيس الجمهورية بآلية توافقية، تخطى المشكلة القائمة على تعيين قائد جديد للجيش. لأن سقف الكلام قارب المحرمات التي كانت محيَّدة حتى الآن، تحت سقف الهدنة السياسية والأمنية والاستقرار في وقت تنفجر فيه الساحات العربية المجاورة.


الذريعة التي كانت تقدّم زمن الوجود السوري كانت حاضرة في مجلس الوزراء


ومشكلة ما يحصل أن ثمة فريقاً أو بالأحرى ثنائية، تتجاهل خطورة الوضع الداخلي والمسيحي تحديداً، وتقزمه إلى حد اعتباره محصوراً بالتعيينات الأمنية. لكن ما يقوله رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون، يتعدى موضوع التعيينات. لأول مرة منذ تعاطيه الشأن السياسي المباشر، يقول عون «كلاماً مسيحياً»، يصفه خصومه بأنه يقارب الطائفية والخطاب المسيحي خلال الحرب، إن لجهة تبشيره مجدداً بالفيدرالية، أو برفعه شعار حقوق المسيحيين. لكن المشكلة ليست في ما يقوله عون ويردده للتأكيد مرة تلو أخرى. الخطورة أنه هو من يقوله، إذ يُسجل لعون ـ مهما اتهمه خصومه بارتكابه أخطاءً سياسية ـ أنه لم يقل يوماً كلاماً طائفياً ولا مسيحياً بالمعنى الطائفي، لا بل حاربه بعض مجتمعه المسيحي حين ذهب إلى ورقة التفاهم مع حزب الله.
يكفي ذلك للدلالة على أن وصول عون إلى حد الكفر بهذا النظام القائم على العيش المشترك والوحدة الوطنية، وبأن الشركاء في الوطن والحكومة لا يريدون المسيحيين في الحكم، لا عند نقاش التعيينات الأمنية أو القضائية أو قانون الانتخابات، يعني أن ثمة موجبات كثيرة حتمت وصوله إلى هذا الحد من السقف العالي.
ثمة مشاهد عدة سجلت أُخيراً، لا بد من التوقف عندها في سياق المحاولة السياسية لفهم ردّ فعل عون وارتدادت ذلك على الوضع الداخلي.
تزامنت مطالب عون بالتعيينات الأمنية مع نضج ورقة إعلان النوايا بين عون ورئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، ومن ثم توقف أعمال مجلس الوزراء. في هذه المرحلة، التقى عون وجعجع. لقاء «إعلان النوايا» كشف نوايا خصوم عون وحلفائه كما خصوم جعجع وحلفائه. حاول الخصوم والحلفاء التبرؤ من ردود فعل على الورقة، لكن الخطوات التدريجية أثبتت أن صورة لقاء الرابية، أعطت مردوداً عكسياً. قال الرئيس فؤاد السنيورة كلاماً كثيراً في الورقة وتوقيتها، ولا يزال يردد معارضته لها في لقاءات تشمل شخصيات من قوى 14 آذار. بالنسبة إليه وإلى المستقبل عموماً ومن دون استثناء، هي ورقة «مسيحية». يقال اليوم في صالونات المستقبل، عن لقاء عون وجعجع، وعن جعجع أحد أركان قوى 14 آذار، ما لم يقل حتى عند وقوف جعجع إلى جانب مشروع اللقاء الأرثوذكسي. لكن ما لا يريد أن يصدقه المستقبل، أن تفاهم عون وجعجع هو الأكثر جدية في تاريخ العلاقات المسيحية الداخلية، وأن ما يجري بينهما نهائي ولا عودة عنه.
في الجانب الآخر، كان بري أكثر وضوحاً، وقال ما يريده بوضوح: لا للتعيينات الأمنية؛ ولا لتشريع الضرورة؛ ولفتح دورة استثنائية لمجلس النواب. يعبّر بري بوضوح عمّا يريده من دون تردد. حلفه مع المستقبل بات أقوى من أي وقت مضى.
ما وصل إلى المسيحيين المعترضين، من كل ذلك أمران: أولاً إن ما كان يمارس أيام الوجود السوري لا يزال على حاله. حتى بعض الوجوه لم تتغير، بما فيها وجوه مسيحية، التي تقف اليوم إلى جانب الدورة الاستثنائية وتقف ضد آلية التوافق في مجلس الوزراء. والحجة التي كانت تعطى في زمن الوجود السوري على طاولة مجلس الوزراء، كانت بالأمس حاضرة بقوة في السرايا الحكومية، حيث قيل كلام حاد يُستشف منه أن ما وصل إلى المسيحيين من الحكم حتى الآن، يكفيهم وزيادة.
ثانيا، إذا كان مجرد لقاء عون وجعجع من أجل تهدئة الشارع المسيحي وتصفية الأحقاد الماضية، أدى إلى كمٍّ من ردود الفعل الاعتراضية، فهذا يعني أن الحلفاء مصرون على أن يكون حلفاؤهم من المسيحيين، بمرتبة موظفين، كما بعض الشخصيات المسيحية، وليس حلفاء من الند للند. وهذا يؤدي في نهاية المطاف إلى أن يقال كلام عالي النبرة في وجه الطرفين المعنيين.
إلى أين يؤدي المشهد بعد جلسة مجلس الوزراء؟
لم يعد مهماً كيف يمكن أن ينتهي دستورياً وقانونياً فتح دورة استثنائية أو صدور القرارات عن مجلس الوزراء، لأن ثمة شيئاً أساسياً انكسر في «الثقة بين السياسيين وبينهم وبين الجمهورية الحالية».
فريقان يعرفان خطورة ما ستؤدي إليه الأوضاع، حزب الله، حتى لو وقع مرسوم فتح دورة استثنائية لأسباب تتعلق بخصوصية العلاقة مع بري فحسب. إذ يصر سياسيون مرة تلو أخرى على التأكيد أن ما بينه وبين بري ليس توزيع أدوار، وأن وقوفه إلى جانب عون هو وقوف جاد وإلى أقصى حد، وأنه لا يرى موجباً لحشر عون في الزاوية. أما الطرف الآخر، فهو النائب وليد جنبلاط. وهو بحسب عارفيه كان يقرأ جيداً خطورة ما يمكن أن تذهب إليه الأمور، في ظل التطورات الإقليمية المتدحرجة يوماً بعد آخر نحو الأسوأ، حين حاول عبثاً تفادي المأزق الحالي بالسعي إلى إيجاد حل مسبق للتعينات الأمنية، بدل فتح باب النظام الذي يصر على التمسك به من خلال دعوته المستمرة إلى الحفاظ على الطائف.
في ظل خطورة الوضع الإقليمي وما يجري في سوريا والعراق، ثمة إصرار على جرّ الأوضاع نحو نقطة اللاعودة، تحت ستار صلاحيات رئيس الحكومة أو رئاسة المجلس النيابي. يقول عون في المقابل هناك حقوق للمسيحيين وهناك استهداف لدورهم. القضية لم تعد قضية تعيينات، بل أزمة ثقة. وهذا أمر يعني المسيحيين... وليس الموظفين.