بخلاف ما يظن كثيرون، لم تكن جمهوريّة أفلاطون (أو سقراط فعلياً) تُقصي جميع الشعراء والفنّانين، بل كانت تُقصي فنّانين بعينهم. إن كنتَ تكتب في مديح الآلهة والحكّام - الآلهة فأهلاً وسهلاً بك، أما كلّ ما تبقّى من مواضيع فمرفوضة. كان الرفض، إذاً، للموضوع. وما غاب عن ذهن أنصار الجمهوريّة وأنصار الفن على السواء هو أنّ تلك الجمهوريّة لم تُخلَق للفنانين، ولا تعنيهم أساساً. كانت تلك جمهوريّة الواقع، أما عالم الفن فهو في مكان آخر تماماً. أن تخلق واقعاً قد لا يرضي أحداً، بل ربما كان من الأفضل أن لا يرضي أحداً. بكلمات أخرى، أول شروط الفن هو هدم الشروط كلها.
وإنْ كانت الحياة/ الواقع تبدأ بصرخة وتنتهي بزفرة أخيرة، كان من «الطبيعيّ» أن تبدأ رواية نسرين أكرم خوري «وادي قنديل» (منشورات المتوسط) كما يفرض عليها واقعها هي، لا الواقع القائم. تبدأ الرواية من المقبرة، من الزفرة الأخيرة، لتنتهي بـ «البداية». حتى البداية هنا ليست إلا رحيلاً آخر، من المطار إلى المجهول. دائرة الرحيل تلك لا ترسم حياة ثريا لوكاس فقط، بل تحكم مسار الرواية بأكملها.

الشخوص كلها تولد لترحل إلى بداية جديدة، بعد أن يترك رحيل كلٍّ منها أثراً في مسار حياة الآخر، وهكذا إلى حين انفتاح الدوائر كلها.
وكيلا تبدو تلك الدوائر خانقة، كانت اللعبة الذكيّة في تغيير الأمكنة والأزمنة. ينتقل القارئ بسلاسة بين المستقبل والماضي، ومن قبرص إلى اللاذقيّة وحمص وبيروت كأماكن أساسيّة، بينما تكون الأماكن الأخرى محفورةً داخل الشخوص الأخرى. كلّ شخصيّة تحمل مكانها داخلها. قد يبدو الأمر أقرب إلى نمطيّةٍ على نحوٍ ما، أرخت بثقلها قليلاً على الرواية، ولكنّ سلاسة السرد وتنوّع الشخوص بذاتهم أعادت شدّ الإيقاع مرةً أخرى.
تبدأ جدليّة الإنسان والمكان من أول الرواية إلى آخرها. بين مستقبل وماضٍ ثابتين، نجد الحاضر رجراجاً متقلّباً ضبابياً، وكأنّ المكان بذاته (وهو جوهر الحاضر) يئنّ دوماً بين ذاكرتين، ذاكرة الماضي الجارحة وذاكرة المستقبل المجهولة، ولذا كانت اللعبة الماكرة في جعل المكان وهماً لا يمكن إمساكه إلا من خلال الكلام. وحتى العنوان الذي يشير صراحةً إلى مكان ليس إلا إيهاماً لأنّ وادي قنديل نفسه كان غائباً، أو – عملياً – لم يكن يحضر إلا ليغيب حين يُزيحه مكان آخر من الماضي أو المستقبل. لم تقتصر لعبة التواطؤ التي خطّطت لها غيم حدّاد على جمع شخوص متنوّعة في مكان واحد لكتابة روايتها، بل أيضاً جلبت أمكنتهم معهم ليجتمع خليط الهويّات والأزمنة والأمكنة واللهجات والطوائف على شاطئٍ يتغيّر بتغيّر الرياح والأمواج، وبوطأة الحرب الثقيلة التي كبّلت الهواء نفسه. تطرح الرواية وجهات نظر عديدة، تبدأ بالحرب وتنتهي بها، ولكن من دون التخلّي عن الحياة وهمومها «الصغيرة» في الحب والجنس والتسلّط والقلق والغيرة والزّيف، بل وثمة رواية تُكتَب داخل الرواية. ولكنّ هدف نسرين خوري لم يكن كتابة رواية داخل رواية، أو تشريح حياة شخوصها، بقدر ما كان كتابة المكان، أو بالأحرى ذاكرة المكان.


ينتقل القارئ بين المستقبل والماضي، ومن قبرص إلى اللاذقيّة

لذا كانت حمص بهذه القوة في الرواية. لا لأنّها مدينة الكاتبة وبطلتها فحسب، بل لأنّها كانت، لأسباب كثيرة، صاحبة الحصة الأكبر في الحضور داخل الحرب السوريّة. وأن تحضر مدينة في الحرب بهذه القوة، يعني أنّها ستصبح مدينة الجميع بهذه الدرجة أو تلك. ربما كانت المدن والأمكنة ملك الجميع، ولكنّ الذاكرة، ذاكرة المكان، فرديّة بالضرورة. ولذا أرادت نسرين (وغيم) كتابة حمص. قد لا تشبه حمص الرواية حمص الحقيقيّة، بل ربما لم يتبقّ الكثير من حمص الحقيقيّة لأنّها حضرت كثيراً في الحرب، والحضور هنا يعني الغياب، يعني الغموض وآلاف الخيوط العصيّة على الأرشفة والكتابة، وربما لأنّ غيم «لا تُغرَم بالآخرين، بل تفاصيل تخصّهم، أو بما رغبت أن تراه فيهم»، كانت حمص غيم متوتّرةً قلقةً مثل صوت أغنيةٍ في راديو توشك بطاريّته على الانتهاء. تظهر الشخوص الحمصيّة بسرعةٍ وتختفي كما ظهرت. تحاول قول ما تستطيع، ما يتيحه لها الوقت بدل الضائع، لذا لا تقول الكثير، بل تُبقي أطراف الكلام مفتوحةً على احتمالات شتّى. كانت الفصول التي تؤرشف لحظات حمص أقرب إلى لوحات قصصيّة تنوّع إيقاع السرد، وحتى مع كونها لوحات تخص غيم وحدها، كما التقطتها ذاكرتها، إلا أنّ اختلاف الشخصيات الحمصيّة بقي مرسوماً ببراعة.
لا نعلم مستقبل الرواية السورية، لكنّها ستكون رواية أمكنة على الأرجح. سيختفي السوريّ ويبقى مكانه. ربما هي لعنة أخرى، وربما هي الوسيلة الوحيدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. ليس الفن مُنقِذاً بكل تأكيد، ولن يكون، ولكنّه يملك ما لا يملكه غيره. يملك الخيال. وفي متاهة الوقائع، ليس للراغب في الهرب إلا التشبّث بالخيال، والذكرى والحلم. وهذا ما فعلته نسرين أكرم خوري في «وادي قنديل». رسمت بطلتها غيم حدّاد وتركتها تُفرغ ذاكرتها وأحلامها بمدينتها البعيدة. لا وادي قنديل ولا بحر في حمص. هناك حرب وسياسة وجدالات وسجالات فقط. ولكن تمكّنت غيم من فعل ما عجز عنه الحماصنة كلهم، كما تقول النكتة الدارجة. لم تنقل البحر إلى حمص، بل أخذت حمص إلى البحر. هذا ما يفعله الخيال والفن، ويعجز عنه الواقع.