تعرفنا في الحلقة السابقة على الصنم «مجاوز الريح» الذي كان منصوباً على الصفا، وتبينا أن اسمه يعني «ساقي الخمر». أما الصنم الذي نصب على المروة، فكان اسمه «مطعم الطير»، وهو اسم لا غموض فيه من حيث المبدأ. إذ هو يشير إلى إطعام الطير. بذا فنحن مع الشراب والطعام، بل وربما حتى مع السقاية والرفادة الجاهليتين. ذلك أنّ الرفادة هي إطعام الحجاج.


لكن السؤال هو: ألا يمكن لهذه الاستخلاصات أن تكون قسرية؟ ألسنا نحمّل هذه الأسماء حمولة ليست فيها؟ للرد على مثل هذه الأسئلة المتشككة، ربما نكون ملزمين بالذهاب إلى قصة يوسف وسجينيه الشهيرة في القرآن وفي التوراة. أما في القرآن، فجاء عن يوسف وصاحبيه: «ودخل معه السجن فتيان؛ قال أحدهما إني أراني أعصر خمراً، وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه، نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين» (سورة يوسف، 36).
وكما نرى، فلدينا سجينان حلم كل واحد منهما حلماً. أما الأول فرأى أنه «يعصر خمراً»، وأما الثاني فرأى أنه: «يحمل فوق رأسه خبزاً تأكل الطير منه». لكن السورة لا تتركنا هنا فقط، بل تعطينا بعض التوضيحات عبر تفسير يوسف للحلمين:
«يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمراً، وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه» (سورة يوسف 41).
وهكذا، فقد تبين أن الذي رأى نفسه يعصر خمراً سوف «يسقي ربه خمراً». أي أنه «ساقي خمر» مثله مثل «مجاوز الريح- ساقي الخمر». أما الثاني، فسوف يقتل و«تأكل الطير من رأسه». أي أنه «مطعم طير» مثل الصنم «مطعم الطير». الفارق الوحيد أن اسم الصنم «مطعم الطير» لا يحدثنا عن أن إطعام الطير يجري عن طريق الصلب. بذا فالنسخة القرآنية تضيف تفصيلاً غير موجود في اسم الصنم. بناء على هذا الشبه، ألا يحق لنا أن ندعي بأن تفسيرنا لاسم الصنمين المكيين تفسير سليم؟
ثم لنذهب إلى التوراة حيث سنجد القصة ذاتها، ولكن بشكل أكثر تفصيلاً، لذا فالمقتبس سيكون أطول: «وحدث بعد هذه الأمور أن ساقي ملك مصر والخباز أذنبا إلى سيدهما ملك مصر. فسخط فرعون على خصييه رئيس السقاة ورئيس الخبازين. فوضعهما في حبس رئيس بيت الشرط في بيت السجن، المكان الذي كان يوسف محبوساً فيه... [فحلما حلمين] فقالا له: حلمنا حلماً وليس من يعبره. فقال لهما يوسف: أليست لله التعابير. قصا علي، فقص رئيس السقاة حلمه على يوسف، وقال له: كنت في حلمي وإذا كرمة أمامي. وفي الكرمة ثلاثة قضبان. وهي إذا أفرخت، طلع زهرها وأنضجت عناقيد عنب. وكانت كأس فرعون في يدي. فأخذت العنب وعصرته في كأس فرعون وأعطيت الكأس في يد الفرعون. فقال له يوسف هذا تعبيره. الثلاثة قضبان هي ثلاثة أيام. في ثلاثة أيام، يرفع فرعون رأسك ويردك إلى مقامك. فتعطي كأس فرعون في يده كالعادة الأولى حين كنت ساقيه... فلما رأى رئيس الخبازين أنه عبر جيداً، قال ليوسف: كنت أنا أيضاً في حلمي وإذا ثلاثة سلال حوارى على رأسي. وفي السل الأعلى من جميع طعام فرعون من صنعة الخباز. والطيور تأكله من السل عن رأسي. فأجاب يوسف وقال هذا تعبيره. الثلاثة سلال هي ثلاثة أيام. في ثلاثة أيام أيضاً، يرفع فرعون رأسك عنك ويعلقك على خشبة وتأكل الطيور لحمك عنك. فحدث في اليوم الثالث، يوم ميلاد فرعون أنه صنع وليمة لجميع عبيده ورفع رأس رئيس السقاة ورأس رئيس الخبازين بين عبيده. ورد رئيس السقاة إلى سقيه. فأعطى الكأس في يد فرعون. وأما رئيس الخبازين فعلقه كما عبر لهما يوسف» (تكوين: 40: 1-23 ).


عبد المطلب وقومه في الجاهلية، أي بني هاشم، كانوا من عباد مطعم الطير

إذن، فلدينا هنا في سفر التكوين 40 «ساقي ملك مصر» و«الخباز»، أو «رئيس السقاة» و«رئيس الخبازين». الأول منهما انتهى حلمه إلى أنه سيسقي الفرعون خمرة، أي أنه «ساقي خمر» مثل «مجاوز الريح= ساقي الخمرة»، والثاني انتهى إلى أنه صلب وأكلت الطيور من رأسه ولحمه، أي أنه «مطعم طير». عليه، فالتوراة أيضاً تؤيد ما توصلنا إليه بشأن الصنمين المنصوبين على الصفا والمروة. إنهما صنمان كونيان: أحدهما يمثل الخمر، والآخر القمح- الخبز. أحدهما يمثل السقاية، والآخر الطعام، أي الرفادة.
لكن حاذروا، فالأسطورة المكية، المختصرة عبر الأسماء، ليست بأي حال نسخاً للقصة التوراتية. إنها تعرض الأسطورة ذاتها، لكنها نسخة عربية فريدة منها، وليس لها علاقة مباشرة بالنسخة التوراتية. أي أنها ليست مأخوذة عن النسخة التوراتية. لا شك أن النسخة القرآنية على علاقة بالنسخة التوراتية. هذا لا يمكن المماراة فيه. لكن النسخة الجاهلية نسخة أصيلة، ولا تنسخ التوراة. ولأن النسختين القرآنية - التوراتية والمكية الجاهلية متمايزتان تماماً، فلم يربط أحد في المصادر العربية القديمة بينهما. لم يتحدث أحد مطلقاً عن علاقة ما للصنمين المكيين بسجيني يوسف. وهو ما يعني أنه لم يخطر على بال أحد وجود علاقة بين الأمرين. وربما ما كان لأحد أن يكتشف هذه العلاقة أصلاً. إذ كيف يكون لأصنام جاهلية علاقة بيوسف التوحيدي؟
مع ذلك، فها نحن نتوصل، وعبر المقارنة، إلى أن قصة يوسف التوراتية - القرآنية تعرض لمثل القصة التي يشير إليها الصنمان- الإلهيان المكيان. لكن القصة التوراتية حُررت وعُدلت كي تتواءم مع التوحيد، وكي لا يظل بها أثر وثني. أي حررت كي تزاح الأصنام منها. أما النسخة العربية، فلم تُحرّر وظلت على حالها، أي كقصة عن أصنام- آلهة لا عن بشر مسجونين. ومن هنا قيمتها الكبيرة.

مطعم الطير

حسن جداً، لدينا «مجاوز الريح»، وقد فهمنا أنه على علاقة بالخمرة، لكن ما شأن «مطعم الطير»؟ وهل لدينا في المصادر العربية ما يوضح طابعه؟
والجواب يحيلنا إلى عبد المطلب جد النبي، الذي عاش على دين الجاهلية، ومات على دين الجاهلية. فنحن نعلم أنه كان يلقب بـ «مطعم الطير». لكنّ أحداً لم يتساءل في المصادر العربية عن هذه المصادفة الغريبة، مصادفة أن يكون لقب عبد المطلب مماثلاً لاسم الصنم المنصوب على المروة. فكلاهما يدعى «مطعم الطير». لقد اعتبر تلاقي الأسماء هذا مصادفة لا تحتاج حتى إلى تعليق، في ما يبدو. أو أنه، إذا افترضنا القصدية، فإن تجوهلت العلاقة بين الاسمين، وجرى القفز عنها.
أما نحن فنظن أن التشابه بين الاسمين مفتاح من مفاتيح ديانة مكة قبل الإسلام. ومن دون الإمساك بهذا المفتاح، ووضعه في القفل، لن نتمكن من فهم هذه الديانة. ونعتقد بقوة أن عبد المطلب أخذ لقب «مطعم الطير» من كونه كان كاهناً للصنم «مطعم الطير»، أي كاهناً للإله الذي يمثله هذا الصنم. وهو أخذ اسم الصنم- الإله لأنه ممثله على الأرض. فكما يكون الإله يكون ممثله.
بناء على ذلك، فإذا قسمنا ديانة مكة بين ساقي الخمر ومطعم الطير، فإنه يمكن الافتراض أن عبد المطلب وقومه في الجاهلية، أي بني هاشم، كانوا من عباد مطعم الطير. وهذا يعني أنهم كانوا مرتبطين بالمروة لا بالصفا، بالتصدية، لا بالمكاء. وقد تحدثنا عن المكاء والتصدية في المادة السابقة.
ونحن نعرف المناسبة التي حصل من خلالها عبد المطلب على لقبه «مطعم الطير». أما المناسبة فهي قصة ذبح ولده عبد الله الشهيرة. بالتالي، نستطيع أن نحكم بأن اللقب على علاقة بطقس الذبيح:
«سمي [عبد المطلب] مطعم طير السماء؛ لأنه حين أخذ في حفر زمزم، وكانت قد اندفنت، جعلت قريش تهزأ به، فقال: اللهم إن سقيت الحجيج ذبحت لك بعض ولدي؛ فأسقى الحجيج منها؛ فأقرع بين ولده، فخرجت القرعة على ابنه عبد الله. فقالت أخواله بنو مخزوم: أرض ربك وافد ابنك، فجاء بعشر من الإبل فخرجت القرعة على ابنه، فلم يزل يزيد عشراً عشراً، وكانت القرعة تخرج على ابنه، إلى أن بلغها المائة فخرجت على الإبل، فنحرها بمكة في رؤوس الجبال؛ فسمي مُطعم الطير» (الزمخشري، الفائق).
وهكذا، فقد ذبح عبد المطلب ولده عبد الله. لكنه كان ذبحاً رمزياً. إذ فدي الابن بحيوانات ذبحت، ثم وزع لحمها لتأكله الطيور في رؤوس الجبال. بذا فهذه الطيور أكلت رمزياً من لحم عبد الله الذبيح. وهذا يعني أن عبد الله هو الذبيح الذي أكلت الطير من رأسه. إنه هو «مَطْعَم الطير»، أي طعام الطير. أما والده عبد المطلب، فهو «مُطْعِم الطير»، أي الذي قدم لها ولده ليكون طعامها. وهذا هو الذي جعل عبد المطلب يحصل لقب «مطعم الطير» الذي امتلكه عبد المطلب. ومن هذا نستنتج أن كاهن الإله مطعم الطير يجب أن يذبح ابنه، رمزياً، ويقدم لحمه طعاماً للطير.
وبما أن الأمر يتعلق بالطيور، فلنتذكر أن جبل الصفا على علاقة بطائر المكاء. لكن طائر المكاء ليس طائراً كاسراً حتى يذبح له ويطعم. فدور المكاء هنا تمثيلي. إنه يمثل الكون في نغمته الصيفية الخمرية العالية. لذا فهو مرتبط بالصفا، الجبل الأعلى بين الجبلين. عليه، فلا بد أنّ طيوراً أخرى مربوطة بالصفا هي التي قدمت لها الذبيحة. والإشارات كلها تشير إلى أن الغراب أحد هذا الطيور. أو أنه الطائر الأساسي هناك. إنه الطائر الذي يحصل على اللحم- الخبز.

الماء، الماء

لكن السؤال هو: لماذا كان على عبد المطلب أن يضحي بابنه رمزياً، كي يطعم الطير، أي كي يطعم الغراب في الحقيقة؟ الإجابة على هذا السؤال واضحة في المقتبس أعلاه: «إنْ تدفقَ ماءُ زمزم وسقيت منها الحجيج، ذبحت لك بعض ولدي». الذبح، ومن ثم إطعام الطير، مرتبط بالماء، بحفر بئر زمزم، وظهور مائها. تدفق الماء السفلي من عين زمزم يستلزم تدفق دم الذبيح. أي أن عبد المطلب يذبح ابنه رمزياً ويطعمه للطير، مقابل حصوله على الماء من تحت الأرض. وهذا يعني أنه كان يدفع ثمن الماء، ماء زمزم. وماء زمزم هو الماء السفلي. وهو ما يعني أن هذا الماء لا يخص عبد المطلب، ولا يخص إلهه. الماء السفلي يخص إله الماء السفلي، الذي يمثله الصنم (مجاوز الريح= ساقي الخمر) في ما يبدو. من أجل هذا كان الغراب، الذي هو على علاقة بهذا الصنم، هو الذي دل عبد المطلب على مكان حفر بئر زمزم، حين إذ أتاه هاتف يأمره بحفر البئر: «فلما كان الغد أتاه، فقال: أحفر زمزم. قال: وما زمزم؟ قال: لا تنزح ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم قال وكان غراب أعصم لا يبرح عند الذبائح مكان الفرث والدم» (ابن سعد، الطبقات الكبرى). يضيف الأزرقي أن عبد المطلب سأل الهاتف عن زمزم، فقيل له: «عند قرية النمل حيث ينقر الغراب غداً، قال فغدا عبد المطلب ومعه ابنه الحارث وليس له يومئذ ولد غيره فوجد قرية النمل ووجد الغراب ينقر عندها» (الأزرقي، أخبار مكة). وهكذا، فقد قرر الغراب بنقرته مكان بئر زمزم. أي أنه أشار لعبد المطلب: هنا احفر، هنا يحق لك أن تحفر. وبذا حصل عبد المطلب على الماء الذي يطلبه. ومقابل الحصول على ماء زمزم، صار عبد الله بن عبد المطلب ذبيحاً تأكل الطير من رأسه. أي أنه كان عليه أن يطعم الغراب ممثل إله الماء السفلي وحيوانه من لحم ابنه رمزياً.
ونحن نعلم أن بني هاشم كانوا يملكون السقاية والرفادة. أما السقاية فقد حصلوا عليها بدفع الثمن. الماء ليس لهم في الأصل، بل للإله مجاوز الريح وتابعيه. وحين دفع عبد المطلب الثمن، ملك بنو هاشم السقاية. أما الرفادة فآتية من أنهم ذبحوا كي يطعموا الغربان. إنهم مطعمو طيور. بذا فالإله مجاوز الريح هو الذي يملك السقاية في الأصل: سقاية الماء وسقاية الخمرة. لكنه تخلى عن سقاية الماء، سقاية الحجاج، لصالح جماعة مطعم الطير، واحتفظ هو بسقاية الخمرة. لذا ففي حج الحمس الصيفي تكون سقاية الخمرة، وفي حج الحلة الخريفية - الشتوية تكون سقاية الماء. الأمر كله يتعلق بطائفتين اثنتين وبطقوسهما.
وفي وقت آخر سنتحدث عن هاتين الطائفتين.
* شاعر فلسطيني