انكمش اليوم حتى صار طوله ثلاث ساعات. ولما استيقظ السكّان، أدركوا على الفور بأن اليوم بات قصيراً للغاية. يبدأ من الثانية عشرة صباحاً وينتهي في الثانية ليلاً وبينهما الواحدة ظهراً - منتصف اليوم - ما عادت ساعات اليد أو الحائط دائرية، صار لها شكل المخروط. لا أثر للسادسة صباحاً ولا الرابعة عصراً ولا الثامنة مساءً ولا.. اختفت كلها دفعةً واحدة - ٢١ ساعة بالضبط - ولا أحد يدري كيف ولماذا.


خرجوا جميعاً للبحث عن الساعات المفقودة، ومن لم يخرج بقي لحراسة الساعات الثلاث. لم يجدوا شيئاً، زعم أحدهم أنه عثر على العاشرة ليلاً ملقاة بالقرب من الشاطئ مثل حوتٍ أبيض. لم يستطع حملها وحده ولم يصدقه أحدٌ بالطبع. متى كانت الساعة العاشرة حوتاً أبيض؟ صار اليوم ثلاث ساعات. ساعة للنوم - لا تكفي - ومثلها للعمل - تبدو أكثر من كافية - وساعة فقط لممارسة الحياة. بات عليهم أن يضاعفوا من سرعة كل شيء، المشي، الأكل، الكلام والصمت أيضاً، الجنس... ومع ذلك لم يستطيعوا التأقلم. يصاب أحدهم بالإمساك فيفوته نصف اليوم أو يستغرق في النوم، فيفوته نصف الأسبوع. كان على الآباء أن يضحّوا أسوةً بالأمهات وينفقوا على أبنائهم بعضاً من ساعاتهم الشخصية. أما الأيتام، فعاشوا على المساعدات الشحيحة لفاعلي الخير. اجتاح العوز والفاقة أرجاء المدينة فكثُر اللصوصُ والمتسولون حتى غدا من المألوف أن ترى أحدهم يركض سارقاً خمس دقائق من امرأةٍ عجوز أو ثلث ساعةٍ من شيخٍ كفيف. ما حاجة الكبار في السنّ إلى الوقت؟ ما حاجة الأطفال أيضاً إذا كانوا سينسون كل شيء حالما يكبرون قليلاً؟ وبعد سنةٍ أو أقل، تقلصت الساعات الثلاث إلى ساعة واحدة. مات نصفهم بالسكتة وراح ثلثهم في الجلطة ونجا التعساء. كيف يمكن العيش في يومٍ لا يتجاوز ساعةً واحدة. ترحموا على الساعات الثلاث، كم كانت كافية وطويلة، بل مضجرة في بعض الأحيان. تدافعت الأيام، فاختلطت عليهم مثل رجال الكهف، وليس هناك كلبٌ ينبح، فيبدد الفزع ولو قليلاً.
* كاتب سعودي