العام 1989.

الشعار: استعادة الدولة من الميليشيات المسلحة التي سيطرت على البلاد بفعل الحرب الأهلية.
الاتهام: سعي إلى رئاسة الجمهورية وبقاء سلطته على الجيش الذي كان يشغل منصب قائده.
الحلفاء: جمهور من اللبنانيين، الظاهر منهم شباب مسيحي أقام "قصر الشعب" في بعبدا. وتضامن صامت لقسم من اللبنانيين الآخرين، وخصوصاً، من موظفي الدولة وعناصر المؤسسات العسكرية والأمنية.

الخصوم: تجمع القوى النافذة على الأرض في المحورين المتنازعين. أبرزهم الكنيسة وسمير جعجع وأمين الجميل والشخصيات المستقلة مسيحياً، ونبيه بري ووليد جنبلاط إسلامياً.
الوضع الإقليمي: نزاع أميركي ــ أوروبي ـــ سوري ــــ سعودي على الوضع في لبنان.
بعد ربع قرن.
الشعار: استعادة الدولة من الناهبين المسيطرين عليها. وهم تحالف الميليشيات التي اندمجت في الدولة، وراعيها الأبرز رفيق الحريري ثم ورثته.
الاتهام: السعي إلى رئاسة الجمهورية والسعي إلى الامساك بالجيش من خلال تعيين قائد جديد يدين له بالولاء.
الحلفاء: جمهور من الشباب المسيحي الذي لا تظهر عليه الحماسة ذاتها، التي كانت قبل ربع قرن. لكنه يمثل كتلة وازنة في الشارع المسيحي. وحشد معلن من الحلفاء المسلمين، لكن حركتهم رهن قرار قيادتهم، وأبرز هؤلاء حزب الله.


مطالب عون بقيت وكذلك خصومه،
لكن حصانته باتت أكبر


الخصوم: تحالف الميليشيات السابق، مع تكوينه الجديد داخل الدولة: الحريري وبري وجنبلاط والجماعات الاسلامية، 14 اذار مسيحيا.
الوضع الإقليمي: مواجهات سورية ـــ سعودية ـــ أميركية ــــ أوروبية ــــ وسط غياب المؤشرات على توافق إقليمي ـــ دولي بشأن مستقبل الوضع في لبنان.
في عام 1989، ذهبت الأمور نحو المواجهة الشاملة. انتهت الجولة بهزيمة ميشال عون وابعاده إلى خارج لبنان. لكن 15 سنة من النفي، لم تجعله يتراجع عن موقعه كأبرز القادة المسيحيين. وعندما عاد إلى لبنان، اكتسح الشارع المسيحي انتخابياً، ولا يزال الأكثر شعبية بين قادته.
في عام 1989، شُغل المسلمون في تحصين ما حققوه خلال سنوات الحرب الأهلية، ثم ما لبثوا أن استولوا على الحكم كله دفعة واحدة. تولى الحريري ارضاء المسيحيين اقتصادياً، لكنه تبنى خيار تهميشهم سياسياً.
الآن، أين نحن؟
خصوم عون ليسوا ضعفاء. وهم لا يزالون عند موقفهم إياه: ممنوع أن يتولى عون أي مسؤولية تتيح له تعديل قوانين اللعبة الداخلية، لكنّ خصوم عون، ليسوا على الدرجة نفسها من الوئام. لديهم الكثير من المشاكل بينهم. تعود بغالبيتها إلى ضمور شعبي، وتراجع النفوذ على الأرض، وتآكل مقدرات الدولة.
لكن هؤلاء الخصوم لا يزالون يمسكون بمفاصل أساسية في تركيبة الدولة اللبنانية، في المؤسسات العامة المدنية والعسكرية. اما وجه "رجال الأعمال" فيهم، فهو يتيح لهم حلفاء كثرا بين القوى الاقتصادية النافذة محلياً. وهؤلاء لا يتوقع منهم الاستسلام أمام هجوم عون الجديد، لكنهم غير قادرين على اطاحته. هم يريدون تسوية معه، لكن بشروطهم، لا تحت سقف مطالبه، الأمر الذي يجعل المواجهة أكثر حدة.
في المقلب الآخر، يعدل موازين القوى حلفاء عون. إقليمياً، لا يكفي التوافق الأميركي ـــ السعودي لإطاحة عون لبنانياً. داخلياً، يوفر "حزب الله" الحصانة التي تمنع اسقاط عون. وعلى الصعيد المسيحي. لم تعد الكنيسة كما في السابق، وخصمه الأبرز سمير جعجع، في مناخ أقرب إلى التهدئة منه إلى مواجهة يعرف ان خراجها لن يعود إليه في أي حال من الأحوال.
ربما لا ينجح عون بحشد المسيحيين حوله كما فعل قبل ربع قرن، لكنه سيجد تعاطفاً فعلياً، لا شكلياً، من جانب فئات لبنانية كثيرة، وخصوصاً جمهور حزب الله والمقاومة، هذا الجمهور الذي يلتزم الحياد في المسائل الداخلية، ربطاً بأولويات المقاومة في مواجهة إسرائيل والتكفيريين، لكنه لا يخفي امتعاضه من مسار الأمور الداخلية، وهو جمهور متعطش لتغييرات حقيقية داخلياً، في مواجهة الفساد والاهمال والتمييز.
إلى أين يقدر أن يصل العماد عون؟
ليس واضحاً تماماً، حجم المشكلة اليوم، كما أنه ليس منطقياً توقع انقلابات كبيرة، لكنّ الأكيد، ان ما قد نشهده في الفترة المقبلة، سوف يكون جولة أولى في معركة جديدة، يكون هدفها الفعلي تغيير الصيغة الناظمة للحكم في لبنان. وفي هذا الإطار، يمكن القول، ان التغيير الوحيد المنطقي، هو إعادة تنظيم الصلاحيات، على قاعدة تغيير آليات الانتخابات، النيابية منها أو الرئاسية، لكن، أي محاولة لتغيير أشمل، سوف تقود حتماً إلى انفجار اهلي جديد.
وفي هذه النقطة، من المفيد لفت انتباه العماد عون إلى الملاحظة الآتية:
صحيح ان الاحباط والغضب يقودان إلى خيارات قاسية، لكن، ليس أقسى من المواجهة الشاملة، إلا الانكفاء على الذات. وإذا كان البعض يرى في الفدرالية علاجاً، فهذا حال غير مطابق للمواصفات اليوم. وحالة المسيحيين في المنطقة عموماً، وفي بلاد الشام خصوصاً، لا يشجع على الذهاب نحو أفكار كهذه. أما في ما خص لبنان، فمن المفيد، القول بصدق اكبر: إذا قرر المسيحيون التخلي عن اتفاق الطائف، فإن المسلمين لن يذرفوا الدمع عليه، لكن البديل، سوف يكون أكثر سوءاً إذا قام على أساس طائفي ومذهبي ومناطقي...
إنه الكيان المسخ، ولا أمل منه!