تعرّفت إليه في الجامعة اللبنانية قبل أن تتفرع طائفياً ومناطقياً عام 1977. هو كان أستاذاً محاضراً في الفلسفة الغربية، وأنا كنت طالباً غير مواظب على الحضور في الجامعة لابتعادي، بابتعاد بلدتي النائية، عن بيروت والتحاقي باكراً بالتعليم الرسمي في منطقة بعلبك.

لم أحضر دروسه كما لم أحضر دروس غيره من الأساتذة باستثناء، مرة واحدة، صدف أن حضرت فيها درساً عن «الفلسفة اليونانية» كان يُعطيه الدكتور حسين القوتلي، مدير دار الفتوة، حينذاك، واختلفت معه حول هويّة زينون الرواقي: هل هو سوري الهوية كما كنت (وما أزال) أعتقد أم يوناني الهوية كما كان هو يعتقد.

ولما لم يقتنع بجوابي، اقترحت عليه أن أعدّ بحثاً عن زينون فقبل، فكتبت بحثاً من اثنتي عشرة صفحة فولسكاب (خط اليد) وأرسلته إليه، ومضى حسين القوتلي، في طريقه، إلى ربّه وذهب بحثي معه. ولا يزال زينون الرواقي، حتى اليوم، يُثير أسئلة كثيرة حول هويته ورواقيته!
كان حالي مع موسى وهبة، في تلك الأثناء، كحال معظم طلاب الجامعة اللبنانية، من سكان الأرياف: اقتصرت معرفتي به على تبادل كلمات عابرة في فترة الامتحانات حيث كنت أواظب على إجرائها، فقد كان، كغيره من أساتذة الجامعة، يمرّ على القاعات المكتظّة بالطلاب ليردّ على استفسار من طالب أو ليشرح لطالب آخر ما يبدو له غير مفهوم من الأسئلة.
في المرحلة التالية - وكنت قد التحقت بالتدريس في الجامعة - بدأت أتعرف أكثر على موسى وهبة، وإن لم ترتقِ معرفتي به حدّ الصداقة. السبب، ربما، كان في اعتقادي، حتى لا أقول في اعتقاد كلينا نحن الاثنين، بأننا ننتمي، هو وأنا، إلى منظومتين فكريتين متناقضتين، أو، على الأقل، كما كانتا تبدوان لي أو لكلينا في تلك المرحلة. غير أن الأيام والسنين التي تلاحقت بسرعة القطار، أسقطت الكثير من الاعتقادات الزائفة، وصرنا ننظر إلى حالنا، هو وأنا وأمثالنا، كأننا، جميعاً، في مركب واحد، وسط هذا البحر الهائج الذي ما انفكّ يرغي ويزبد، متوعداً ومهدداً أمثالنا، في محيطنا القومي وعالمنا العربي، بالويل والثبور!
قبل عام 2000، وبمبادرة من الصديق الدكتور ناصيف قزي، أستاذ الفلسفة في الفروع الثانية، والزميلين وليد الخوري ووليد مسلم، ومني شخصياً وزملائي في الفروع الرابعة: الدكتور محمد العريبي وبتول يحفوفي وفارس ساسين، بدأنا، بالتعاون مع طلاب الفلسفة في الفروع المذكورة، نمدّ جسور الانفتاح والتعارف والتعاون بين فروع الجامعة قاطبة، وأنشأنا «اللقاء الفلسفي» و«الجمعية التعاونية الفلسفية» ومجلة «فلسفة»، وقد كانت الجمعية والمجلة فكرة الدكتور وهبة. وتابعنا، قدماً إلى الأمام، هذه الاندفاعة التي كانت لبعضهم مجنونة، ورحنا ننظم الرحلات الفلسفية ولقاءات التعارف بين أساتذة وطلاب الجامعة ونعقد الندوات والمؤتمرات التخصصية والتي كان أهمها اليوم الفلسفي في الفرع الثاني، في الفنار، في تشرين الثاني1997 «دفاعاً عن الفلسفة». لم تمضِ أشهر معدودة حتى انضمّ الفرع الأول إلى المسيرة «المجنونة» وهو الفرع- الأم في الجامعة وكان موسى وهبة وسعاد الحكيم وإلهام منصور أعمدة الفلسفة فيه. ثم التحق الفرع الثالث (الشمال) بالركب الفلسفي بهمة كل من الدكتور أدونيس العكرة وريمون غوش ووفاء شعراني وأحمد الأمين، ثم الفرع الخامس (صيدا)، وإن متأخراً. ولن أنسى، هنا، أن أذكر نايلة أبي نادر وباسكال لحود و... آخرين.
كنا نلتقي، أساتذة وطلاباً، في زحلة، والفنار، وبيروت جارة اليونسكو، وطرابلس، وصيدا و.. في بعلبك، أيضاً، وعلى ضفاف العاصي. وكان موسى وهبة حاضراً بيننا بشخصه وأفكاره ونظرياته الجديدة في ترجمة أمهات المؤلفات الفلسفية وتوحيد المصطلحات والقول الفلسفي بالعربية وأهلية لغة الضاد للتفلسف الخلاق.
في غمرة هذا المدّ الفلسفي، انضمّ معظمنا إلى «الاتحاد الفلسفي العربي» الذي تأسّس في بغداد في مطلع الألفية الثالثة، وشاركنا، كمشتغلين في الفلسفة، في مؤتمرات «بيت الحكمة» إلى أن أحرقته قوات الغزو الأميركي سنة 2003.
في آخر لقاء لنا، على ضفاف دجلة، قبل الغزو بأسبوعين: موسى وهبة وصديقه - صديقي أيضاً- وليد الخوري، وأدونيس العكرة وعفيف عثمان، أمضينا أياماً لا تُنسى في عاصمة الرشيد، حيث انضممنا - لبعض الوقت- إلى صفوف المحتشدين دروعاً بشرية على جسور دجلة وأمام المتاحف والمباني الحكومية.
في هذه الرحلة الأخيرة إلى بغداد، حيث كنا نُمضي النهار، في الدرس والنقاش، في بيت الحكمة، ونقضي الأماسي في المقاهي التي تتربع على ضفاف دجلة، تعرّفت إلى موسى وهبة الشخص.. أيضاً. موسى وهبة المرح، موسى وهبة الفرح، صاحب النكتة والمحبّ للحياة.
مات موسى وهبة، وكنا، أصدقاؤه وزملاؤه وتلامذته، في وداعه!
وداعاً موسى وهبة! مثلك لا ينتهي بمأتم!

* مستشار التحرير في مجلة «اتجاه» وأستاذ الفكر العربي الحديث والمعاصر في الجامعة اللبنانية