للحقيقة يا دكتور أنت الفيلسوف الوحيد في هذه البلاد. لذا، يتلبّك الجميع في التعامل معك لأنّك تفضح الجميع بنشاطك ورؤيتك للفلسفة. كلّنا، وحتى أنا واحدٌ منهم، يتعامل مع الفلسفة كدعاة ، كمثقفين، وليس كفلاسفة. كلّ واحد فينا يريد أن يغيّر المجتمع بالفلسفة أو بغيرها ويرى نفسه نبيّاً أو أكثر من ذلك.


والنّاس تنظر الى الفيلسوف كقائد للتغيير، وتنظر اليه بوصفه نبيّ العصور الحديثة. إنّ نشاطك الفلسفيّ المحض هو الذي يؤرّق الجميع ويفضح أعمالنا جميعاً. لذا، ترى هذا الارتباك في التعامل معك. نحن متعجّلون جدّاً، لكنّ الفلسفة تتطلّب تأمّلاً وتفكّراً طويلين. الفيلسوف كالهضبة لا يتحرّك، يخاف على الأفكار من أن تهرب منه. نحن نريد الوجاهة والألمعيّة في المجتمع وأنت تريد الفلسفة. أنت بقيت عاشقاً للحكمة، تكدّ وتتعب من أجل التشرُّف بالاقتراب منها، ويكفيك ذلك شرفاً، أمّا نحن فندعي امتلاكها منذ الولادة. ولو ألقيتَ نظرةً على ما يكتب على الفيسبوك لوجدت كيف أنّ الكل يتعامل بخفّة شديدة مع الفلاسفة والموضوعات الفلسفيّة، وكيف يدعي الجميع أنّهم أفهم من كل الفلاسفة، لا سيّما منهم من تعلم في الحوزات الدينيّة حيث يضع الحقيقة كاملةً في جيبه الصغرى. المهم قد أكون قد استطردت، لكن ما العمل اذا كانت الفلسفة تتطلّب كل هذا الجهد وكلّ هذا الصبر في الوقت الذي «خُلِق الإنسان عجولاً؟» هل بالامكان سلوك الدرب التي سلكتموها من جديد؟ أرى أنّ الأمر يزداد صعوبةً. فالحياة الرأسماليّة طغت على الجميع. والكل يبتغي الانتاج المادي ويريد أن يصل بأيّ ثمن. لا وقت للعقل والتعقّل. إنّ أساتذة الجامعة يطالبون الآن بمزيدٍ من زيادة الرواتب، لكن من دون أن ينتجوا شيئاً في العلم، علماً أنّ الوضع المالي للدولة يُدمي القلب ويبكي العين. لا اهتمام حقيقيّاً بالعلم والفلسفة لأجل العلم والفلسفة، بل من أجل الوجاهة فقط. والجميع يتعامل بخفة مع شؤون الحياة كافّة. فقط ما نلومه عليك هو أنّك كنت بطيئاً ومقلاً في الانتاج، لكن بعد أن تعرّفنا أكثر الى الحياة، نجد ربما أنّ معك الحق. لا شيء يستأهل أن يفني الإنسان عمره من أجله.

* أستاذ الفلسفة المعاصرة في الجامعة اللبنانيّة