ما يليق قوله في موسى وهبة أنه أحيا المأدبة الفلسفية في أحلك أيام بيروت واستمر بها إلى نهايته المبكرة والأليمة والجريئة، كريماً في دعواته، موسّعاً رقعتها، منوّعاً أطباقها. دارت مأدبة أفلاطون كما نعلم حول الحب، وبخلاف معظم كتاباته توالى فيها جميل الأراء دون التشابك في حوار أو الانصهار في وحدة. وجاء موسى يتمّم الحرص على الحب والتنوع والتفكير رافضاً اليأس منشّطاً الأمل.
عرفتُ موسى في مطلع سبعينات القرن الماضي في البيت اللبناني في باريس. كان وقتُه كله مكرّساً لمهمات الالتزام الشيوعي من نشر قصاصات جرائد وتوزيع بيانات وإقامة ندوات، إلى كسب رفاق جدد إلى القضية وتشكيل لوائح للهيئات النقابية الطالبية حتى بدا لي تفرغه للعمل السياسي عائقاً مهماً دون دراسته وأبحاثه. وما لفتني في سلوكه عندذاك نزعتُه الأبوية الجامعة، ومسعاه الدائم للاهتمام بالوافدين الجدد في معاناتهم اليومية وبحلّ الإشكالات بين الرفاق وبينهم وبين الطلاب الآخرين.
جمع الثبات على العقيدة البولشفية إلى تفهّم إنساني عميق. وليلة اكتشفت صدفة حب موسى للحياة في مترو باريسي متأخر، بدا الأمر لي غريباً لما كنتُ أعرفه فيه من جدّية تُداني التقشّف.

كنّا على طرفين سياسيين متباعدين ولو من لون واحد، لذا بقينا على «مسافة طيبة» يشوبها الحذر.
بعد ذلك التقينا، عند العودة إلى بيروت، في مقاهٍ وندوات ومناقشة أطروحات...أذكر أنه بين المرّات الأول كان اللقاء في «الإكسبرس» (الحمرا)، وكان موسى نشر مقالاً تميّز بالرفض والرغبة والغموض، وبدا مقاله قطيعةً مع ما سبق من آرائه مع مسعى لإعادة تكوينها، وإدخالاً لتيارات حديثة (فرويدية، نيتشوية،لاكانية، دولوزية...) إلى صميم المُعاش وتأويله، ونقد جذري معلن وغير معلن للميليشوية السائدة والمقيتة.


جعل من التفلسف بالعربية اعتماداً على مفاهيم الحداثة

ارتبط اسم موسى وهبة بترجمة «نقد العقل المحض» لكانط، وآمل أن يسجل التاريخ ما لهذه الترجمة من وقع في الوسط التعليمي ومن دور في إحياء الفلسفة، بصرف النظر عن خياراتها التفصيلية القابلة للتبرير وللمناقشة والرفض. أعطى موسى كانط أهميته المحورية في تاريخ الفكر الغربي، وجعل من التفلسف بالعربية اعتماداً على مفاهيم الحداثة، وبدون المرور بالتيارات الدينية وبالفلسفة العربية الوسيطة على أهمية الكندي والفارابي وابن رشد وغيرهم، مهمة قابلة للتنفيذ هنا والآن. ما جذب موسى في كانط، وما شكّل ويشكل درساً استفاد منه طلاب موسى وزملاؤه ومحاوروه، هو بالضبط ما أعابه عليه نيتشه عندما أطلق على كانط اسم «إسكافي الفلسفة» أي العامل الحرفي الحريص على كل تفصيل، الملمّ بدقائق الأمور. الفلسفة حرفة صارمة، وهذا ما لا يتعلمه المريد إلا عبر المرور بالنقد الكانطي، وهذا ما أخذه طلاب موسى عنه، فكان للمأدبة هيكلها وقوامها. وما وجده موسى في كانط، ضد هيغل وماركس وآخرين، هو إبراز الثنائيات وبلورة المفارقات وكشف الالتباسات، فكان للمأدبة بهجتها ودوامها. لا أدخل هنا في قلب المسائل، أكتفي بالبعدين التعليميين: موسى وهبة كمربٍّ! وكأس مُترَعة لمأدبة لن تنتهي!
* كاتب وباحث وأستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة في الجامعة اللبنانيّة