غاب موسى وهبة (1941 ــ 2017)، الأستاذ الجامعي الألمعي، والأكاديمي العريق...

غاب الفيلسوف المختلف، والثائر الذي أعاد تموضعه على إيقاع كانط وميتافيزيقاه...

رحل «اللامنتمي» الذي قدَّم كرامة الإنسان على أي اعتبار آخر...
رحل مترجم أمهات النصوص ونحَّات الأفاهيم... كي تكون العربيَّة، كما بشَّر دائماً، لغة فلسفة.

■ ■ ■


طفح وعيي في حضرة الغياب، يا أستاذي وصديقي، وأنا أنظر إلى نعشك المسجّى في كنيسة القديس نيقولاوس، بدفءِ المشاهد والصور التي جمعتنا منذ ذاك الزمن الجميل في سبعينات القرن الماضي... مذ كنت طالباً في كلية الآداب، انتظرك بشغف مع رفاق لي. كان بينهم وليد!؟
فكم كنت رائعاً يا موسى في كلِّ شيء: في حضورك وهدوئك وتعبيريَّتك ومنهجيَتك وابتسامتك وإصغائك... وحتى في أشيائك، من شنطتك الجلدية وقلمك والدفتر والغليون!؟
أجل، كنت رائعاً... وما تبدلت يوماً.
لحيتك السوداء، التي تخليت عنها فترة لتعود إليها بعد حين، لم تكن تخيفنا. كانت تغمر وجهك البهيّ لنرى فيه كل الفلاسفة.
كنا نرى في ملامحك، في بداية مشوارنا مع الفلسفة، مزايا سقراط ودقة ديكارت وتميّزه، ومبدئيَّة كانط وغيرهم من القامات التي قدَّمت للبشريَّة ما يفترض أن تستوي عليه...
أشهد يا موسى، أني من الجيل الأول الذي كان على خطاك...
أشهد أني حملت توجيهاتك وإرشاداتك، يوم يممت شطر باريس، لأعود متدكتراً في بداية الثمانينات...

■ ■ ■


أجل يا موسى، لقد تحلَّقنا حولك على مدى عقود، معلماً ومرشداً وصديقاً منذ ذاك الزمن الجميل. وسنبقى، نحن طلابك وزملاءك وسائر الأصدقاء حلقتك الدائمة... كي يبقى للفلسفة في ربوعنا مذاق.
في زمن الحرب، كنا معاً ضد الحرب ونظامها. الحرب التي كادت أن تودي بك في بداياتها، وعلى غفلة منك. ثم كنا معاً في زمن السلم من أجل إعادة بناء إنساننا... فكان «اللقاء الفلسفي» إطارنا الجامع... اللقاء الذي أعاد ما انقطع بين أهل الجامعة من أواصر صداقة...
واليوم، ونحن في وداعك، نعدك يا شيخ الفلاسفة، بأننا سنبقى على العهد...
وداعاً يا موسى... وداعاً يا صديقي...

* كاتب وباحث وأستاذ الفكر العربي الحديث والمعاصر والأخلاقيّات في الجامعة اللبنانيّة

شهادات أخرى على الموقع