يهوى أمير «جبهة النصرة» في القلمون الغربي، جمال حسين زينية، فنّ الرسم. الملقّب بـ«أبو مالك التلّي» كان يوصي زوّاره بجلب أدوات الرسم من أقلام فحم وتلوين لتهريبها له إلى الجرود. وفي مقرّ سكنه، يجد وقتاً للرسم. لكن هذا «الفنان» يُصدر أوامر بخطف جنود، وذبح عدد منهم، وصلب مدنيين، وتفجير سيارات مفخخة في المدن، وخطف راهبات! الرجل الذي قلّما يتنقل من دون حزامٍ ناسفٍ إلى وسطه، هادئ، لكنه حادّ الطباع إذا غضب.


يجمع صفات متناقضة في شخصيته. فقد ضرب مرة بيديه شقيقَي مُصوِّر، بعدما اتهمه بتسريب صورته الأولى التي نشرتها «الأخبار»، ثم عمد إلى سجنهما من دون أي ذنب. الشيخ العقائدي الذي يحفظ القرآن بعدة قراءات، كان يعمل مقاول بناء أيام السلم، فضلاً عن امتلاكه مكتبة ورثها عن والده.
في آب 2014، احتلّ مسلّحو تنظيمي «داعش» و«جبهة النصرة» بلدة عرسال. منذ ذلك الحين، تسلّم «أمير النصرة» في القلمون أبو مالك التلّي دفة حكم جرود عرسال والمواجهة مع الدولة اللبنانية.
و«أبو مالك» قياديٌّ شرعي وعسكري في العقد الخامس من العمر. إسلامي منذ ما قبل الحرب السورية. وبسبب نشاطه «الجهادي»، سُجِن فترة طويلة (يقول مقرّبون منه إنه قضى 13 عاماً في السجون السورية). في سجن صيدنايا، تعرّف إلى «أبو محمد الجولاني»، أمير «جبهة النصرة» (تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الشام)، وخرج من السجن بموجب العفو العام الذي أصدره الرئيس السوري بشار الأسد عام 2011. في القلمون، اشتدّ عود «الجبهة». أمسكت القيادة الجديدة بإمرة «أبو مالك» بمفاصل باقي التنظيمات، بعدما احتلت كامل منطقة القلمون، ووصلتها بالزبداني، مروراً بمعلولا. وشرقاً، تجاوزت طريق دمشق ـــ حمص الدولية، لتصل إلى بلدة مهين السورية، حيث المستودعات الكبرى للجيش السوري. الرجل الذي بدأ مشواره العسكري كقنّاص، سيُصبح الرقم الصعب في المواجهة الشاملة.
«أبو مالك» كان من بين ستة موفدين أرسلهم «أبو محمد الجولاني»، بتكليف من «أبو بكر البغدادي»، بإمرة شخص يلقّب بـ«أبو العيناء»، اتّخذوا من مدينة القصير مركزاً لهم، ثم بدأوا بدعوة المسلّحين إلى مبايعة التنظيم. قُتِل «أبو العيناء» بعد وقت قصير، ليولّى «أبو البراء الشامي» إمارة «النصرة» في حمص، وإلى جانبه كان «أبو مالك». كان هذا الثلاثي العصب الأساس الذي غرس «البذرة الأولى» لـ«القاعدة» في محافظة حمص (إلى جانب الشيخ «أبو جندل الحمصي» الذي قُتل في مطار الضبعة في ريف القصير عام 2013).
كان معظم المسلّحين في حمص منضوين في صفوف «كتيبة الفاروق»، التابعة صورياً لـ«الجيش السوري الحر»، والتي كانت تحكم هذه البقعة من سوريا. استمر الأمر على حاله حتى تنفيذ أحد عناصر «النصرة» أكبر عملية انتحارية «في تاريخ سوريا»: في 23 كانون الثاني عام 2013، قاد السوري «أبو إسلام الشامي» شاحنة مجهّزة بعشرين طناً من المتفجرات، استهدف بها ثكنة المشتل في القصير. في أعقاب هذه العملية، ارتفعت أعداد المنضوين في صفوف «الجبهة».
في ١٩ أيار من العام نفسه انطلقت معركة القصير. انهزم مسلّحو المعارضة في المدينة وريفها بعد أكثر من أسبوعين من المواجهة مع مقاتلي حزب الله.
بعد القصير التي شهدت بدايات «النصرة» في المنطقة، بدأت مرحلة جديدة من عمر التنظيم. تراجع مقاتلوها باتجاه القلمون، وتمكنوا من السيطرة على قراه من دون مقاومة تُذكر، باستثناء معركة وحيدة في رنكوس.
بدأت «النصرة» ببناء قوتها. انسحب عناصرها نحو يبرود، حيث أُنشئت معظم المقارّ. في تلك الفترة، نُحِّي «أبو البراء»، ليتسلم التلّي زمام القيادة على رأس «النصرة».
راكم التنظيم فوق عتاده غنائم من الأسلحة النوعية، كصواريخ كونكورس المضادة للدروع وصواريخ غراد من مستودعات الجيش السوري التي سيطروا عليها (وخاصة مستودعات بلدة مهين السورية).
أجبر التلّي باقي الفصائل على الالتزام بأوقات محددة للمواجهة مع الجيش السوري، وفرض على آخرين شروطاً للقتال تحت رايته ولاقتسام «الغنائم». هكذا، وفي مقابل صعود التنظيم، انطمس دور «الكتائب» المحلية. بدأت مع التلّي مرحلة استهداف المدنيين اللبنانيين بسيارات مفخخة. لم يكن تنظيمه الوحيد الذي يُرسل سيارات تنفجر في شوارع الضاحية والهرمل وغيرهما. شاركه في ذلك تنظيما «داعش» و«كتائب عبدالله عزام». لكن التلّي تمكّن من اسخدام العمليات الانتحارية في لبنان وقصف القرى بالصواريخ، ليشدّ من عصب تنظيمه، فاستقطب أفراداً من فصائل أخرى، كـ«كتائب عبدالله عزام» و«فتح الإسلام».


أرسل التلّي السيارات المفخخة والانتحاريين من الجرود
التي يحكمها


سطع اسم «أمير النصرة» بعد خطفه راهبات معلولا، ومفاوضته لإطلاقهن مقابل مبلغ ماليّ كبير. جيّر الرجل الصفقة لمصلحته. بعدها بأسابيع (2014)، وقعت معركة القلمون في مواجهة الجيش السوري وحزب الله. لم تصمد الكتائب المقاتلة تحت إمرته طويلاً. سقطت يبرود في يومين، بعد أسبوعين على اندلاع المعارك في المنطقة. انسحب المسلّحون إلى الجرود. ومن هناك، بدأوا باستجماع القوى لخوض معركة «تحرير قرى القلمون»، وهي المهمة التي لم ينجحوا، حتى الآن، في تنفيذ ولو جزء منها. على العكس من ذلك، خاض حزب الله معركة في وجهه عام 2015، أدت إلى طرد «النصرة» من الجزء الأكبر من السلسلة الشرقية لجبال لبنان.
تميّزت «النصرة» في معظم المناطق السورية، عن تنظيم «داعش»، بالتكتيك. ورغم أن عقيدة واحدة تجمع التنظيمين، إلا أن عناصر الأولى أخذوا بـ«فقه الواقع»، أي أقاموا اعتباراً للظرف والوقائع. وقد جعل منهم ذلك أكثر ليونة من غيرهم. انتبهوا متأخرين إلى سلبيات عرض مشاهد القتل والذبح، فاتخذ المجلس الشرعي في «النصرة» قراراً بمنع نشر صور لعمليات الإعدام التي ينفّذها التنظيم وبإخفائها، وإذ أكّدوا شرعيتها، إلا أنهم اقتنعوا بأن نشر صورها يؤدي إلى تنفير المسلمين وغير المسلمين من الدين.
ومنذ بدء الشقاق بين «النصرة» و«داعش» في الميدان السوري، تميّز الفرع القلموني لتنظيم القاعدة عن أشقائه. ومع وصول أعمال القتل والتصفية المتبادلة إلى مستوى غير مسبوق، خرج «أبو مالك التلّي» ببيان يرى فيه أن «كل من يعتدي على أحد من إخواننا في الدولة كأنما يعتدي علينا». أعطى ذلك انطباعاً بأنه يتمتع بهامش حرية مستقل عن القيادة المركزية، لجهة العلاقة مع تنظيم «داعش». وعززت ذلك علاقة الصداقة التي تربطه بـ«أمير الدولة» السابق في القلمون أبو عبدالله العراقي.
يعيش أبو مالك التلّي أيامه الأخيرة كأمير على الجرود وحاكمٍ لعرسال. الرجل الذي يقود بين ٣٠٠ و٥٠٠ مقاتل بات محاصراً، وباتت خياراته محدودة. الموت أو الاستسلام أو الهرب.





رفض استقبال الأسير

صيف عام ٢٠١٣، فرّ إمام مسجد بلال بن رباح، الشيخ أحمد الأسير، إثر معارك عبرا ليتوارى عن الأنظار. اختفى من أشعل شرارة المواجهة مع الجيش أكثر من سنتين متنقلاً من منزلٍ إلى آخر هرباً من التوقيف. خلال تلك الفترة، كان الأسير يحاول إيجاد منفذ لمغادرة لبنان باتجاه سوريا. كلّف مقرّبين منه التوسّط لدى أبو مالك التلّي لضمان انتقالٍ آمن عبر عرسال، لكن المفاجأة أنّ «أمير الجرود» رفض استقباله. تذرّع الرجل بأكثر من سبب أمام الوسطاء لتبرير رفض وفود الأسير إليه، لكنها لم تكن مقنعة. حاول بعدها الأسير السفر بجواز سفر مزوّر عبر مطار بيروت، فأُلقي القبض عليه في منتصف آب ٢٠١٥. التفسير الوحيد الذي أقنع المطّلعين على المفاوضات لم يقله التلّي: كان الأخير يخشى أن يأتي الأسير إلى الجرود، فينافسه على الزعامة.