يفتح النقاش حول قصيدة الزجل في المغرب، أو ما يسمى عربياً الشعر العامي، أسئلة كثيرة يبدو أن كلاً من الدرس الجامعي والنقد الأدبي موجود على مسافة بعيدة منها. الجامعة المغربية لم تفتح أبوابها ورفوفها لهذه التجربة الإبداعية بما يليق وفرادتها. كما أن نقّاد الأدب مشغولون بمختلف الأصناف الأدبية إلا بالزجل.


فربما يرون فيه أدباً من الدرجة الثانية، وربما لا يملكون أدوات خاصة لمقاربته، فقد اعتادوا ممارسة النقد بشقّيه النظري والتطبيقي فقط حين يكون موضوع المقاربة هو الشعر المكتوب باللغة العربية الفصحى، وقد استوردوا لذلك مناهج ومفاهيم يبدو أن تطبيقها على الشعر العامي سيكون ضرباً من المغامرة.
تفتح «الأخبار» قضية الشعر العامي في المغرب مع أحد أبرز كتّابه وأبرز الباحثين فيه، مراد القادري الذي خصص أطروحة الدكتوراه لجماليات الكتابة في القصيدة الزجلية المغربية الحديثة، مشتغلاً على المتن الشعري العامي للزجال أحمد لمسيح، أحد رواد هذا الجنس الأدبي والفني. ولد مراد القادري سنة 1965 في مدينة سلا الواقعة على الضفة الشمالية لنهر أبي رقراق، غير بعيد عن العاصمة. انشغل منذ شبابه بالعمل الثقافي ضمن جمعيات وهيئات عديدة، وأصدر مجموعة من الأعمال الزجلية؛ من بينها «حروف الكف»، «غزيل البنات»، «طير الله»، «طرامواي» وغيرها. تُرجم بعضها إلى اللغات الأوروبية. وقد انكبّ في هذه المجاميع على كتابة قصيدة زجلية حداثية وفق تصور واعٍ للكتابة، وبدأب وجدية، في سياق مشروع شعري تجديدي يعرف صاحبه منبع الكتابة ومصبّها. في المؤتمر الأخير لـ«بيت الشعر» الذي انعقد قبل أيام، انتخب مراد القادري رئيساً له بعدما كان لسنوات عضواً في مكتبه المسيّر. فرصة لمساءلته عن أداء هذه الهيئة الثقافية، وتصوراته الجديدة بخصوص عملها، وما قدمته للشعر وللشعراء في المغرب


■ دعنا نتفق أولاً على الجنس الأدبي الذي تكتبه؟ يسمّى في المغرب زجلاً، وفي المشرق الشعر العامي، وهو شعر مكتوب باللهجة المحلية. هل ثمة فرق بين الزجل والشعر الشعبي؟
المغاربة درجوا على تسْمية كلِّ شِعْرهم المكتُوب بالعامية زجلاً. حتى أُوضّح قليلاً، كلمة «زجل» في المغرب لا تعني أبداً ذلك النّظْم البسيط والعفْوي الذي يجري بالبديهة على الألسُن، ويعتمدُ على الذاكرة، كما هي الحال في بعض بلدان الشّام، بل هو ممارسةٌ نصّيّة؛ فيها الكثير من الجُهد والكدّ الشّعريين. إنه كتابة شِعرية تقفُ في مستوى ما يكتبه شعراء الفصحى أو غيرها من لغات العالم. طموحُها الاندماج في أفق الشّعر الكوني. اللغة في قصيدة الزجل الحديث تكتسب هويّةً شعرية حديثة، لم يعدْ معها يُنظر إلى العامّية، بما هي وسيلةٌ للتخاطب اليومي والتواصل بين الناس في الشارع فحسب، بل بما هي أداة قادرة على شحْن الألفاظ والجمل بدلالات إيحائية وتأمُّلية، لم تعهدها من قبل.
إذاً، كلمة «زجل» يختلفُ معناها في المشرق عن المغرب. والظاهر أنّ المغاربة اختاروا أن يُسمّوا شِعرهم المكتـوب باللّهجة المحليّة «الزّجل»، ولم يختاروا تسميةً من التّسميات الأخرى الرائجة غرب العالم العربي وشرقه، مثل «الشعر المحكي» أو «الشّعر العامّي» لأنهم وجدُوا في هذه الكلمة (الزجل) مُتكئاً ثقافياً وسَنداً شعرياً يَصِلُهم بحضارتهم العربية الإسلامية في الأندلس. ذلك أنّ الزجل وُلد في هذه الديار، ومنها هاجر إلى دول المغرب العربي حيث انتشر وذاع، وأقبل عليه الشعراء المغاربة يكتبُون في أغْراضِه. إنها تسميةٌ قادِمة من الماضي، لكنها تحمِلُ في طيّاتها الكثيرَ من الوعْد بالمستقبل، إذا علمنا أنّ أول ثورة مسّت شِعرنا العربي كانت في الأندلس مع ميلاد الموشّح والزّجل وسِواهما من الأشْكال الشّعرية التي تحرّرت من قيُود البحْر الخليلي.
مع مرُور الوقت، ستكتسِبُ هذه التّسْمية (الزجل) قوَّة اصْطلاحية بسببِ اقْترابها من الفنّ والطرب، بينما التّسميات الأخرى تحملُ معانيها الكثير من الالتباس الإيديولوجي.
حتى أعود إلى سُؤالك، ليس هناك اخْتلاف سِوى في التّسميات. أما المسمّى، فهُو شيءٌ واحد. إنه الشّعر الذي اخْتار أصحابُه أنْ يكْتبُوه باللّسان الدارج، وأنْ يطرّزُوا معانيَه من تلك اللغة التي تُوصف بأنها لغة الحُلم و الأمّ. والواقع أنّ أوّل جُرحٍ يلتصِقُ بهذا الشّعر، هو جُرْح التّسمية. فسواءٌ في المغرب أو في سِواه من الأقطار الأخرى، اعْتُبر هذا الشّعر قصيدةً عمُومية أو شعْبية، غيرَ قادرةٍ على أنْ تنْتسِب إلى حقْل الأدب الرفيع، المكتوب باللغة العربية المدرسية. لقد استكثر عليه بعضهم صِفة الشّعر، فيما كان هذا الأخير يلبسُ طاقية الإخفاء، ويتستّر، مُكْرهاً، وراء تسميات مختلفة، حتى لا يُضايق جمْهُور المحافظين الذين رأوا فيه تشْويشاً على كلّ ما هو مُقدّس، وتهْديداً للغة التي نزل بها القرآن.

■ ربما سئلت كثيراً عما إذا كانت اللهجة تقف عائقاً أمام انتشار الزجل؟ لكن لنأخذ تجربتك على سبيل المثال، فقد ترجم عدد من نصوصك إلى لغات أخرى، فصار بإمكان القارئ في عدد من بلدان أوروبا الاطلاع على نصوصك وفهمها، وهو أمر غير متاح ربما لقارئ عربي من بلدان الشرق.
اتّفقُ معك. انتشارُ الزّجل المغربي في المنطقة العربية محدُود. وربما يعودُ ذلك إلى لهجتنا الدارجة التي يجدُها بعضُ إخوتِنا في المشرق صعْبة، ولو أننا لاحظنا، أخيراً، كيف استطاعت هذه اللهجة أنْ تجِد، عبر الأغنية، مسارِبَ لها في وجْدان المشارقة من خلال ما غنّاه سعْد المجرد وأسماء لمنوّر اللذان صدحا بشِعرٍ عامّي مغربي، تجاوب معه الجميع شرْقاً وغرْباً.


تراجع صوت الشّعر أمام
التهافت على امتلاك الحقيقة الدينيّة وتحول التفاهة والبلاهة إلى سُلطة يَوميّة

مع ذلك، اسمحْ لي القول إنّ الأمر أكبرُ من ذلك، فالقصيدةُ الزّجلية الحديثة، اليوم في المغرب، (وربما نفسُ الشيء يقال عن الشّعر العامي الحديث في مصر ولبنان وسواهما من الأقطار العربية الأخرى)، ما فتِئت توسِّعُ وتُعمِّق المسافة بينها وبين مُتلقّيها، ولو كان من أهْلها وذويها، ما يحدّ من «خرافة» الذيُوع والانتشار. ذلك أنّ تلقّي هذه القصيدة صار مشروطاً بامْتلاك المتلقي خلفية شِعرية وثقافية لها القُدرة على النّفاذ إلى الطبقات السفلى للقـوْل الشعري، بعدما صار، هذا القول، غير معنيّ بالنبوءة والتحريض، بل بالإدهاش والحيرة والانتِصار للغةٍ مُوحِية تتماسُّ مع الدّواخِل.
ضِمن هذا السّياق الشّعري والثقافي، يمكنُ أنْ نفهم عبُور القصيدة الزجلية المغربية الحديثة إلى اللغات الأجنبية: الفرنسية والإيطالية والإسبانية والإنكليزية وغيرها. ويمكنُ، هنا، الإشارة إلى ترجمة ديوانَيّ «غــزيل البنات» و«طير الله» إلى الإسبانية، وكذا ديواني «طرامْواي» إلى الفرنسية. كلّ ذلك، يكْشِفُ، برأيي، جَدارة هذه القصيدة وعدمَ إحْساسِها بأيِّ مركّب نقصٍ قد يحُدّ من تواصُلها مع العالم.

■ هل الفرق بين الزجل والشعر المكتوب بالفصحى هو فرق لغوي فقط؟ هل يقف اختيار اللغة كعنصر حاسم بين الشكلين؟ أم أن ثمة ضوابط وخصائص أخرى هي التي يمكن اعتمادها لتمييز الزجل عما سواه من شعر؟
لا أحِبّ التمييز في الشّعر. الشّعر إما أنْ يكون أو لا يكون. لا فرق في ذلك بين فصِيحِه وعاميّه، عِلماً بأنّ الدارجة التي يُكتبُ بها الشّعر الزّجلي هي سليلةُ اللغة العربية، وهما معاً يشتركان في العديد من الخصائص التركيبية والدلالية والمعجمية.
لقد اهتمت الأطروحة التي أنجزتها عن الشّاعر أحمد لمسيّح بهذه القضية. أيْ هل الفرق بين الشّعر الفصيح والعامّي لغويٌّ فقط، أم أنّ هناك تمايزات أخْرى بينهما؟ وأحمد لمسيح؛ بالمناسبة، هو واحدٌ من شُعراء جيل السبعينيات في المغرب، الذي لم يتمّ الانتباهُ إلى مُنْجزه الشّعري، كما هي الحال بالنّسبة إلى شعراء الفصيح محمد بنطلحة، ومحمد الأشعري، ومحمد بنيس، وعبدالله راجع، سِوى لكوْنه كتب بالعامية بدل الفصحى. وجدتُ أنّ ثمة سرياناً وتفاعلاً قويّاً بين الزّجل والشّعر المغربي المعاصر، وأنَّ ما يَشغلُ الشاعر المغربي المعاصر في البناء هو عينُه ما وجّه اهتمامَ أحمد لمسيّح بقصيدته، من غير أنْ تتخلّى هذه القصيدةُ عن ملْمَحِها الذي تبْني به اختلافَها من داخل هذا التفاعلِ نفسه. فما يُميزُ القصيدة الزجلية المغربية الحديثة هو صوْنُها لهويّتها الخاصة وقلقِها المتفرّد، ما يجعلُها تبْنِي، منْ داخِل اختِلافِها، صِلاتِ التّواشج والتّقاطع بينها وبين القصيدة المغربية الفصيحة.
برأيي، فإنّ المشكلة الأساس، سواء في الشّعر الفصيح أو العامّي، لا تكمنُ في طبيعة اللغة؛ من حيث انتسابُها إلى الفُصحى أو العامّية، بل في مدى استِطاعة الشّاعر أنْ يستنطقَ هذه اللغة ويُـقـوّلها ما لم يسْبِقْ لها قولَه، بنقلها من حال الوُضُوح إلى حال الإشارة والغُمُوض.

■ نلمس في تجربتك الزجلية أثر الإفادة من معطيات الحداثة الأدبية، واستثماراً لتحولات القصيدة العربية. هل الكتابة بوعي كهذا ضرورة؟ إلى أي حد تخدم المعرفة النظرية الشعر الشعبي؟ وماذا عن الذين يرون أن الدخول إلى القصيدة الزجلية بخلفية نظرية جامعية، قد يسلبها نضارتها وعفويتها؟
أؤكّـدُ مرّة أخرى، أنّ الزجل، على الأقل ذاك الذي أنا معْنيٌّ بكتابته؛ ليس شِعْراً عفْوياً؛ حتى أخافَ عليه من المعرفة أو الفكر، بل هو شِعرٌ واعٍ بدوره في التأكيد على قيمة اللهجة المغربية، ودورِها في التعبير الشّعري عن الذات والوجود، وبناءِ هويّة لغوية تُثري القصيدة المغربية وترفدُها بعناصرَ فنيّةٍ وجمالية جديدة. عندما نتفقُ على أنّ الزجل الذي نكتبُه، ينتمي إلى أفُق الكتابة لا الشّفوية، التي سيّجت هذا الشعر ورهَنت مُعجَمه ومتخيّله الشّعري واستنزفت طاقاته الجمالية والرؤيوية، آنئذ سيصيرُ بمقدورنا أنْ نسْتوْعب طبيعة وخصوصية هذه النص ورهانَه من أجْل الانْفلات من لغةِ الوقائع والظواهر والإيضاح إلى لغة الإشارة والتلميح، وهو ما يستتبعُ بالضرورة التسلّح بالفكر والمعرفة؛ ضِدّاً على العفوية التي تسمُ قصيدة الزجل، كما هو متعارفٌ عليها.
لا أريد أنْ أصْدر أحكاماً، لكن أتصوّرُ أنّ الشعراء الذين يمشُون إلى قصيدتهم مُسلّحين بالمعرفة أهمّ من الشّعراء الذين يكتفُون بالفطرة، ويتّكئُون على الذاكرة والارتجال. الشعر كدٌّ وجُهد معرفي وثقافي. وشاعر الزّجل مدْعوٌّ أنْ ينتميَ إلى زمَنِه الشّعري ويتفاعلَ مع مجموع المعارف والخِبرات والفنون، ويعمل على استدعائها من مختلف مرجعياتها وأزمنتها الثقافية.

■ في الصدد ذاته، أشرتَ إلى أنك أنجزت بحثاً لنيل شهادة الدكتوراه حول التجربة الزجلية للشاعر أحمد لمسيح، وهو بحث في غاية الأهمية. ما مدى حضور شعر الزجل في الجامعة المغربية؟ وهل يحظى هذا النوع الأدبي بالتقدير اللازم من قبل الأكاديميين المغاربة؟ هل تحسّ أنهم مثلاً ينظرون إليه ككتابة من الدرجة الثانية؟
الواقع أنّ قصيدة الزجل المغربية حظِيت بأوّل اسْتضافةٍ أكاديمية لها سنة 1969، عندما أقدم الأستاذ عباس الجيراري، إحدى قامات الأدب المغربي الحديث، على مناقشة أطروحته الجامعية حول قصيدة الزجل التقليدية المسمّاة «الملحون». الاسْتضافة لم تتم، للأسف، بين رحاب الجامعة المغربية، بل في «جامعة عين شمس» في القاهرة. وكيفما كان الأمر، فقد أكْسب هذا الحدث قصيدةَ الزجل شرعيةً كانت في مَسيس الحاجة إليها، وبخاصّة أنها تصدرُ من جامعة مشرقية، في فترة ازدهار الثقافة المصرية وإشْعاعها.
وربّما لم يكن بمقدُور الدّكتور عباس الجيراري أنْ يناقِش أطروحة الدكتوراه في إحدى الجامعات المغربية، خوْفاً من المواقف التقليدية والنظرات المحافظة التي كانت تترصّد هذه القصيدة وتتهجّمُ عليها وعلى شِعريتها، وتنعتُها بالقصور عن التعبير عن الذات في علاقاتها بالكون والعالم. تِلك لحظة أولى، دالّة ورمزية، كونها تكْشفُ أنّ الاعتراف بشِعرية قصيدة الزجل تكرّس في المشرق لا في المغرب، قبل أنْ تتهيّأ ظروفٌ ثقافية ومعرفية مختلفة، أتاحت لي، سنة 2012، أن أناقش أطروحة الدكتوراه حول القصيدة الزجلية المغربية الحديثة. ستحضرُ للمرة الأولى هذه القصيدة في المحفل الأكاديمي المغربي لتخضع للأسئلة النظرية والمعرفية التي تضيءُ جوْهرها الشّعري، وتكشف عن العلاقة التي تربطها بالحداثة الشعرية المغربية وجدّيةِ انخراطها في أفق الكتابة بدل انحباسها في دائرة الشفوية. بين اللحظة الأولى (1969) واللحظة الثانية (2012)، جرت مياهٌ كثيرة تحت الجسر، ما جعل النظرة المتعالية التي كان يرمقُ بها بعض الأكاديميين وحتى بعض النقاد المغاربة قصيدة الزجل، تتغيّر وتعدِّل زاوية نظرها. ويرجعُ السبب في ذلك إلى معطيات عدة. كما تعلم، خلال عقد السّبعينيات المنصرم، سيزدهرُ الإبداع المغربي باللّهجة الدارجة، في الشّعر الموجّه للغناء، حيث اكتسب العديد من الأغاني المغربية الذيوع والانتشار في المشرق العربي مثل أغنية «مرسول الحب» للفنان عبد الوهاب الدكالي، و«ياك أجرحي» للمطربة نعيمة سميح، علاوة على انتشار الزجل الغنائي الذي ذاع مع الفرق الموسيقية الشبابية، وبخاصة مجموعتي «ناس الغـيوان» و«جيل جيلالة».
كذلك، يمكنُ الإلماحُ في هذا الصدد، إلى تنظيم اتحاد كتاب المغرب ــ أهمّ مؤسسة ثقافية مدنية مستقلة في ذلك الوقت ـــ «المهرجان الأول لشعر الزجل في مدينة مكناس» الذي ستنتجُ منه مبادرة ثقافية أخرى لا تقلّ أهمية، وهي تخصيصُ مجلة «آفاق» لسان حال اتحاد كتاب المغرب، لأحد أعدادها لشعر الزجل، ما يعدّ اعترافاً صريحاً من هذه المنظمة الثقافية بقيمة هذا الشّعر ومدى إسهامه في حيوية المتن الشّعري المغربي وتنوع روافده اللغوية ومرجعياته وحساسياته الثقافية.
تلك الأحداث هي ما صنع، في نظري، جُزءاً من الانعطافة الثقافية المهمة لدى قطاع واسع من الأساتذة والنقاد الجامعيين المغاربة. إذ لم يعودوا ينظرون إلى قصيدة الزجل ككتابة من الدرجة الثانية.
هكذا، لن يعود الزّجل خلف الشعر، بل سيأخذُ مكانه الطّبيعي كضلعٍ من أضلاع القصيدة المغربية الحديثة والمعاصرة وركنٍ من أركانها، لا يمكنُ التغافل عن مُنْجزه أو تجاهل تراكماته الجمالية والفنيّة التي تُغذّي المتخيّل الشّعري المغربي والعربي على حدّ سواء.
ويمكن القول إنه منذ تسعينيات القرن المُنصرم، برهنت قصيدة الزجل عن هُويتها ككِتابةٍ شعرية، وكرافدٍ يغذي المتن الشعري المغربي المعاصر، وخاصّة في اللحظة التي ينجحُ خلالها في بناءِ ممارسة نصّية لها الغواية وقلقُ السؤال بعيداً عن التراتُبيات اللغوية والتصوّرات النّقدية التي كانت حول هذه القصيدة.

■ بخصوص النقد، هل هناك تناول مختلف للتجارب الراهنة؟ أم أن المقاربة النقدية لنص الزجل تتم بالأدوات نفسها المعتمدة في تحليل الشعر الفصيح ونقده؟
اسْتبعاد قصيدة الزّجل من دائرة الاهتمام النظري والنّقدي، كان من نتائجه غياب ذاكرة قرائية خاصّة بها، ما أدّى إلى اعتماد المقاربات النقدية ــ على قلّتها ــ على استعمال الأدوات المنهجية التي تأسّست في تُربة الشّعر الفصيح في اسْتجلاء العناصر الجمالية في الممارسة النصّية لهذه القصيدة. أمر لم يصُن لهذه القصيدة هويّتها وتمايزاتِها، وخاصّة إذا علمنا أنها ظلت دوْماً منظوراً إليها كنصٍّ شفوي. وقد كان من جرّاء ذلك، أنّ غالبية الدّراسات النّقدية التي أُنجزت حول قصيدة الزّجل، نجدُها تتشابهُ مع تلك التي نقرأها في كتب النقد الخاصّة بالشّعر الفصيح. فالنّقاد، للأسف، لم يُولوا اهتماماً للأسئلة الخاصة التي يمكنُ أنْ تولّدها هذه القصيدة. أسئلة يمكنُ في حال اسْتنباطها واستثمار أفُقِها المعرفي والثقافي والشّعري أن تحقّق التراكم النّقدي الكفيل بالكشْف عن القوانين الكلّية المُؤطّرة لجمالية قصيدة الزّجل وشعريتها. غايةٌ ومطمحٌ يمكنُ بلوغهما، متى توافرت مثل هذه القراءات النقدية الواعية بطبيعة المتن الزجلي المغربي الحديث.

ما يُميزُ القصيدة
الزجلية المغربية الحديثة
هو صوْنُها لهويّتها الخاصة وقلقِها المتفرّد


■ تم انتخابك قبل أيام رئيساً لـ«بيت الشعر» في المغرب. ما الذي يمكن أن يضيفه مراد القادري للشعر المغربي في المرحلة الراهنة والمقبلة، وخصوصاً أن الزمن قد يبدو للناس زمناً غير شعري، وأن لدى الكثير نوعاً من التحفظ وأحياناً النفور من المؤسسة الثقافية في بلادنا؟
أولاً، لنْ أكون وحِيداً في هذه التّجربة، ذلك أنّني مُحاطٌ بنُخبة من الكفاءات الثقافية الجديرة بالتّقدير والمتوفّرة على خِبرة في العمل الثقافي، من بينهم ثلاثة رُؤساء سابقين لبيت الشّعر في المغرب؛ وهم الناقد عبد الرحمن طنكول والشّاعران حسن نجمي ونجيب خداري. ومن المؤكد أنّ حضورهم إلى جانبي سيمثّل سنداً ودعْماً لعملي على رأس هذه المنظمة التي أعِي؛ شخصياً؛ أنها مُطالبة بتطوير أدائها والارتقاء به حتى تتحقّق اسْتِدامة العمل الثقافي والشّعري. أتّفق معك على أنّ المرحلة التي نعيشُها، داخلياً؛ عربياً وعالمياً؛ دقيقة جِداً. من جهة، هناك تراجعٌ لصوت الشّعر أمام حِدّة نبرات الكراهية والحِقد وارتفاع صوت العُنف، والتهافتُ على امتلاك الحقيقة الدينيّة واستثمارها السياسيّ. من ناحية أخرى، هناك اسْتحكامُ التفاهة والبلاهة وتحوّلُهُما إلى سُلطة يَوميّة، والتراجُع المَهُول لِمَنظومة القِيَم، والخفُوتُ البيِّن للسؤال الثقافي لا في السياسات العامّة فحسب، بل أيضاً في النّقاش العموميّ. مع ذلك، ورغماً عنّي، أنا متفائل. في هذه الظروف، تزداد الحاجة إلى الشعر، إذ لا يمكن لنا كمؤسسة ثقافية مدنية ومستقلة إلا أنْ نتحمّل مسؤوليتنا في ترسيخ هذه الحاجة وتعميقِ الوعي بحَيَويتها التي لا تقاسُ بالجماهيريّ وبالذيوع الإعلاميّ، بل بما يُسمِع صوت الشعر في اللحظة التي ينتصرُ فيها للإنسان وللمستقبل.
ضِمن هذا المنظور، سنشْرعُ في تنْفيذ التّوصيات الصادرة عن المؤتمر الأخير لـ«بيت الشعر» في المغرب، بما يخدُم الحركة الشّعرية في المغرب، ويقوّي مُشاركة الشّعراء المغاربة ليس بما يُثري الرّصيد الفني والجمالي للقصيدة المغربية فحسب، بل بما يقوّي، كذلك، انخراطهم ويعزّز ارتباطهم العضوي بالقضايا المُجتمعيّة، وبالدفاع عن الحريّة والكرامة والعدالة، وبالانتصار للخيال والحُلم والجمال، وبنقد أيّ تراجُع في ما تحقّق من مكاسبَ في مسار الدفاع عن حقوق الإنسان.

■ هل سينفتح بيت الشعر على المزيد من الأسماء؟ فقد لاحظ كثيرون أنه حين تم فتح باب العضوية الذي كان مغلقاً لسنوات، أصبح الدخول إليه يخضع لنظام التقطير، أي إضافة أسماء محدودة وغض الطرف عن أسماء أخرى. ما الذي يقدمه بيت الشعر لأعضائه؟ هل سيكون بيتاً للجميع، وخصوصاً في ظل انهيار مؤسسات ثقافية أخرى أو تراجعها؟
«بيت الشعر» في المغرب تأسّس، منذ البداية، وفْق رُؤْية تنظيمية مُعيّنة. فهو ليس جمْعية جماهيريّة بالمعنى المُتعارف عليه، بل هو أشْبه بأكاديمية مَعْنيّة بتعْزيز حُضُور الشّعر المغربي، وتوْفير فُرص له للوجود في مُختلف المِنصّات التعليمية والجامعية والإعلامية وفي الحياة بشكل عام، عِلاوة على تقوية علاقاته مع الجغرافيات الشعرية في العالم؛ والنهوض بمجال نشر الكتاب الشّعري وتحْسِين توْزيعه، واتّخاذ كل التدابـير لدى القطاعات الحكومية والجهات المنتخبة والخاصّة من أجل ترْسيخ الحاجة إلى الشّعر في حياتنا اليومية، وضمان حقّ الشّعراء المغاربة في التّعبير والإبداع. ويمكنُ القول إنّه منذ تأسيس بيت الشعر في المغرب، وهو يعملُ وفق تصوّر معيّن للعُضوية. مفادُ هذا التّصور أن بيت الشّعر مُنفتح على الشّعراء والنّقاد والمُترجمين والفنّانين كافّة الذين يُدْرجُون الشّعر ضِمن أفُق اشْتغالهم. انْفتاحٌ يتمُّ وفْق آليات عدة، ليست العُضوية سِوى واحدة منها. للتّوضيح أكثر، أسْتعينُ بالأرقام، إذْ ليس هناك أقوى من بلاغة الأرقام. خِلال المرحلة الماضية من عُمر بيت الشعر التي أدارها الشاعر نجيب خداري (مارس 2013 / يوليو 2017)، شارك في الأنشطة الثقافيّة والشعرية لبيت الشعر ما يناهز 258 فرداً، من بينهم 130 ليسوا من أعضاء البيت، أي بنسبة 51%.
بخصُوص النشر، أصدرَ بيت الشّعر في المغرب، خِلال الفترة نفسها، 62 كتاباً، حظِي منها أعْضاء البيت بنسبة 27%، فيما استفاد مَن هُم خارج البيت بنسبة 73%. أما المساهمُون في مواد الأعداد الثمانية (8) من مجلة «البيت»، فقد بلغ عددهم 43 ناقداً وشاعراً، 35 منهم من خارج البيت، أي بنسبة 81%، و18 من أعضاء البيت، أي بنسبة 19%.
معنى هذا الكلام أنّ بيت الشعر في المغرب له أكثر من آلية لإدْماج الشّعراء المغاربة في برامِجه الثقافية والشّعرية، وأنّ عدم الانتساب إليه بصفة نظامية، أي من خِلال العُضوية، لا يعْني أبداً عدم المشاركة في الفعاليات التي يُنظّمها أو عدم الاسفادة من فُرص النشر التي يتيحها، سواء في مجلة «البيت» أو ضمن منشوراته. على أنّ هذا الكلام لا يعني أنّ آلية العضوية مُعطلة، فتكفي الإشارة إلى أنه خلال المؤتمر الأخير المنعقد بتاريخ 9 يوليو 2017، التحق 20 عضواً جديداً ببيت الشعر، من مختلف الحساسيات الشعرية واللغوية والنقدية في المغرب.