بدأت معركة جرود عرسال وانتهت إلى الشكل الذي انتهت عليه، من غير أن تبدو طرابلس معنية بها، على غير جاري عادتها. فلم تشهد تحركات واعتصامات كما كان يحصل سابقاً، عندما كانت عاصمة الشمال في لبنان تتفاعل مع أي حدث متصل بالمعارضة السورية، وتتعامل معه كأنها «أم الصبي».


هذا المشهد المألوف عن طرابلس عرفته جيداً في السنوات الأخيرة، بدءاً من أحداث 7 أيار 2008، ومع اندلاع أحداث سوريا، وبلغ ذروته في محطتين: الأولى في يوم الغضب بعدما أُسقطت حكومة الرئيس سعد الحريري عام 2011؛ والثانية يوم القبض على المطلوب شادي مولوي بتهمة التواصل مع تنظيم إرهابي، قبل إطلاق سراحه. في كلتا المحطتين شهدت المدينة غلياناً شعبياً خطيراً، تعبيراً عن تضامنها مع المعارضة السورية، وإعلانها وقوفها إلى جانب الفريق الداعم لهذه المعارضة، كائناً من كان.
ولكن، منذ بدء تطبيق الخطة الأمنية في عاصمة الشمال مطلع نيسان 2014، بعد 22 جولة عنف سقط فيها عشرات القتلى ومئات الجرحى، تراجعت كل مشاهد التفاعل مع أحداث لبنان والمنطقة، إلا بشكل نادر، وكان آخرها اعتصامات رمزية نظمت في المدينة تضامناً مع المسجد الأقصى بعدما أغلقه الإسرائيليون أياماً أمام المصلين، وسط غياب تام لمعركة جرود عرسال عن واجهة الاهتمام.
بعد أسبوع من الرصد للمواقف والتحركات السياسية والشعبية لتداعيات معركة جرود عرسال في طرابلس، تبين أن الحراك الشعبي في الشارع الطرابلسي والشمالي كان صفراً، وأن المواقف السياسية تراجعت على نحو لافت، فضلاً عن أن الإسلاميين الذين تصدروا واجهة الأحداث في طرابلس طويلاً، وعلى رأسهم هيئة العلماء المسلمين، أيام مولوي والشيخ أحمد الأسير، ذابوا كالملح تماماً في ماء التطورات المتلاحقة.
وفيما غابت مواقف كل من الرئيس نجيب ميقاتي والنائب محمد الصفدي والوزير السابق فيصل كرامي حيال معركة جرود عرسال، بدت مواقف نواب تيار المستقبل ومسؤوليه أشبه بلزوم ما لا يلزم، وأسيرة خطاب سياسي جامد.
فعضو الكتلة الزرقاء النائب سمير الجسر رأى أن «ما يقوم به حزب الله غير مقبول ويمسّ بالسيادة لجهة مصادرة القرارين السياسي والعسكري»، معتبراً أن «أكثرية القوى السياسية غير راضية عمّا يقوم به حتى لو اعتصمت بالصمت». بينما أوضح عضو المكتب السياسي في تيار المستقبل مصطفى علوش أن تياره «لا يستطيع تغطية ميليشيات، لذلك هو يتحدث عن ميليشيات مسلّحة تتقاتل مع ميليشيات أخرى على أراض لبنانية، وكل واحدة باتجاه معيّن».
موقف علوش سار على منواله وزير العمل محمد كبارة، الذي اعتبر أن «ما يحصل في جرود عرسال لا يعنينا، كون المعركة بين إرهابَين: إرهاب إيراني وآخر تكفيري»، ما جعله أول من أمس السبت، لتأكيد موقفه غير المبالي بما يجري هناك، يترأس اجتماعاً في مكتب محافظ الشمال رمزي نهرا، حضره الجسر وممثلون عن ميقاتي والصفدي ومراجع أمنية، لـ«وضع خطة من أجل إزالة المخالفات والفوضى في المدينة وعدم تغطية أحد سياسياً».
غير أن المفاجأة الكبرى جاءت من الوزير السابق أشرف ريفي، الذي لم يصدر عنه أي موقف جدي يتعلق بتلك المعركة، رغم أنه لم يتوقف عن مهاجمة وانتقاد سلاح حزب الله «غير الشرعي» و«مشروعه الإيراني»، إذ أعلن يوم الجمعة الماضي، بعد أسبوع على بدء معركة جرود عرسال، إطلاق ماكينته الانتخابية للانتخابات الفرعية التي لم يحدد موعدها بعد، والتي لا يزال مصيرها مجهولاً!
مصادر سياسية تحدّثت لـ«الأخبار»، ردّت أسباب الصمت المطبق في طرابلس إزاء معركة جرود عرسال إلى «غياب عنصر التحريض السياسي والشعبي في المدينة، المرتبط بأجندات داخلية وخارجية، وتراجع التأييد لوجود النازحين السوريين في لبنان على خلفية الأزمات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية التي يسبّبها وجودهم، والتهاء معظم المواطنين بتأمين قوت يومهم، بعد تجاربهم السابقة التي أثبتت لهم أن أي تحرّك سيقومون به لن يقدم أو يؤخر».
غير أن مصادر أمنية تضيف أن الجيش اللبناني والقوى الأمنية «اتخذت تدابير أمنية مشددة في طرابلس، منذ اليوم الأول لبدء المعركة، وأبلغت من يعنيهم الأمر مباشرة أو بشكل غير مباشر، أن أي تحرّك لضرب الاستقرار في طرابلس غير مسموح به على الإطلاق، وسيضرب بيد من حديد كل من يسعى إلى عودة دورة العنف والفلتان مجدداً إليها»، ويبدو أن من يعنيهم الأمر فهموا الرسالة جيداً.