تربطني مع صنع الله ابراهيم صداقة عميقة ذات نكهة خاصة جداً. صداقة تقوم على « ذرى» من التماس المطلق تارة؛ والانقطاع التام طوراً. هكذا هي منذ أن نشأت ومضت في مسارها الطويل؛ الممتد من عام 1972 حتى اليوم. لكنها بقيت تحتفظ دائماً بخصوصية شديدة من المودة؛ وتفوح بتلك الرائحة من الفضول الشخصي والإبداعي وتظللها نجمة من نجوم أغسطس.


التماس المطلق أن تعيش حياتك الكلية معه في غرفة واحدة؛ فيرى كل منا الآخر؛ ويعايشه؛ ويتأمله؛ ويتابعه في كل لحظة من لحظات يومه وليله؛ على مدى يقارب ثلاث سنوات من مرحلة هامة وحاسمة من حياتك وحياته. أي تلك السنوات التي كانت تضع كلاً منا أمام تحديات مستقبله الشخصي والإبداعي.
كان ذلك في موسكو، حيث جاء صنع الله وهو يرهص بتجربة السجن الطويلة؛ والغربة عن مصر الكامنة في سراديب روحه؛ ليدق أبواب السينما بعدما قدّم تجربته الروائية الأولى في «تلك الرائحة» التي هزّت عالم الرواية العربية آنذاك؛ واختار الرواية مصيراً. حينها كنت في السنوات الأخيرة لدراسة السينما؛ دون أن أتخلى نهائياً عن عادتي اليومية في كتابة اليوميات كلما أتيح لي ذلك، في تلك المرحلة من العواصف السينمائية التي كانت تحتل زمني وحياتي اليومية. أيامها، كان صنع الله في الصباح يحب أن يستمع لباخ؛ وكنت أحب الاستماع لهايدن. فنجلس وقد ارتضى كل منا أن يتنازل للآخر. نبدو في تلك الغرفة «الموسكوفية» أشبه بـ «تكوين» مسرحي على منصة جدارها الرابع هو الغابة. الغابة التي كانت المتفرج الوحيد لعروضنا اليومية هذه. فيتخلل الموسيقى المنبعثة دوس باسوس أو غراهام غرين، و فرويد، دوستويفسكي، السجن، الحب، المرأة. وفي ختام العرض، كان يروي كل منا للآخر منام الليلة الفائتة. أما مائدة العشاء «السري»، فقد كانت الغابة المقابلة؛ تبعث لنا كل ليلة أحداً ليساهرنا؛ فيظهر على منصتنا أحد ما من ماضي أي منا، أو مكانٍ ما من أمكنتنا كـ «الواحات» أو «أبو زعبل» أو «القنيطرة». وحين كان يظهر أحد من ثوارنا، كان يبدو لنا صامتاً وأشبه بعسس يتلصص على عرضنا. فنختتم السهر ويعود كل منا إلى صمته. فيتناول صنع الله صحيفة مصرية قديمة ويتصفحها ويتأملها؛ ثم يمسك بمقصه ويقص شيئاً ما منها ويرصف القصاصة مع غيرها من القصاصات.
في أحد أيامنا هذه؛ زارتنا طالبة الإخراج السينمائية الأذربيجانية غيولا آزيم زاده ورسمت بورتريه وردي اللون لصنع الله. فبدت لي وهي ترسمه؛ كأنها تبحث في وجهه عن لحظة معينة. حين تأملت صنع الله في بورتريه غيولا؛ عثرت على الشفافية العذبة التي تغور في أعماقه، ورأيت أن عينيه تبوحان بحزن بلا حدود. فألصقته على زجاج المكتبة. (لأسفي الشديد فقدت هذا البورتريه الوردي الذي احتفظت به لسنوات). ثم رسمت غيولا بورتريهاً آخر بلون أزرق، فبدا صنع الله على ألمه؛ لكنه كان هنا يبعث على العالم نظرة مشبعة باللاجدوى. في معايشة على هذا النحو؛ في ذاك الزمن لا بدّ من التساؤل:
- ترى من كان منا «صيداً» للآخر؟! سنتان أو ثلاث، كان كل يوم منها أكثر غنى عمّا قبله. وأكثر ثمار هذا التماس وضوحاً؛ كان فيلم «الكل في مكانه وكل شيء على ما يرام سيدي الضابط» الذي حققته عن تجربة السجن الذي كتبناه معاً؛ وقام صنع الله بنفسه بأداء أحد أدواره الرئيسية. خلال هذه التجربة كنا معاً. وكان صنع الله إلى جانبي دائماً. وكم وقعنا معاً في غواية التعبير عن كل ما يخطر في البال. وكم تشهينا الحذف والإضافة كأننا نكتب ونصنع الفيلم «الأخير». ففي دوامة طرقاته على أبواب السينما؛ كان كل منا يوقع الآخر في مصيدة القلق، والبحث، التجريب، وتخيّل الشكل الأكثر جدة؛ والأكثر تأثيراً... كأننا نكتب «رواية» مشتركة. وفي هذا الحماس أوقعته معي في مغامرة اجتذابه كـ «ممثل» أيضاً . هذا الإغراء بحثاً عن الحميمية السينمائية؛ ما لبث أن صار قراراً يخصني بأن يغطس معي تحت مظلة العلاقة مع السينما بشكل كلي وكامل؛ بدلاً من الوقوف والطرق على بابها.... أما ما أسميته الانقطاع التام؛ فهو في حقيقته لم يكن إلا صمتاً متبادلاً ريثما نلتقي مع جديد ما. جاء صنع الله إلى دمشق للمشاركة معنا في كتابة سيناريو «القرامطة» كفيلم لعمر أميرالاي.
والتقيته في القاهرة عام 85 مع «أحلام المدينة» وبدا كأن الزمن لا معنى له؛ فصدقت ابن حزم في قوله إنّ «الألفة أوسع من الحب». في قاهرة الـ 85، كنا نمضي معاً في بقايا شارع محمد علي وهو يبحث عن مساراته مع أبيه، حيث تشق السكة الحديدية الجميلة الاسفلت لتقوم فوقها عربة «الكبدة»، فيبدو الشارع ببقايا أقواسه وحركته وكثافته وازدحامه، كأني سقطت فجأة وسط لوحة من لوحات بريغيل ... وصوت صنع الله لا يغيب وهو يحدثني عن طفولته وأبيه. في «باب الحديد»، نتمشى على الكوبري المنتصب فوق ساحة رمسيس، لينتصب فوقه كوبري آخر يشق خاصرة المدينة ويصعد إلى السماء كسكين. فتختلط لدي صورة يوسف شاهين بصوت صنع الله وهو يحكي لي عن رواية «ذات». فتتحول حكاية «ذات» في داخلي إلى «أماركورد» جديد. تصطخب القاهرة في شارع المعز؛ فنتذكر مشهد ظل المعز لدين الله الفاطمي الذي يظلل القاهرة في سيناريو «القرامطة».
لعله ليس غريباً أننا لم نستعض عن الغياب المتبادل باللجوء إلى الرسائل؛ فقد نشر كل منا ما يريد أن يقوله عن الآخر.
* سينمائي سوري

رسالتان بعثهما ملص إلى صنع الله ابراهيم حول ما كان يشغله خلال كتابة مشروع فيلم «سينما الدنيا»

الرسالة الأولى:

30 \ 6 \ 96
«ما يقلقني في الفيلم الذي أكتبه يا صنع الله العزيز! محاولتي في غربلة الأسئلة الكثيرة التي تعتلج في داخلي؛ وصعوبة اختيار أكثرها ألماً بالنسبة لجيلنا. وأقصد الأسئلة التي جثمت على روحي خلال تجربة التماس مع الموت؛ التي عشتها مع حادث السيارة أثناء تصوير «الليل». وأقصد الأسئلة التي أخذتني بعيداً عن معنى الموت ؛ بل تلمسه.
لا أريد في هذه الرسالة الحديث عن هذه التجربة ؛ بقدر ما أسعى إلى أن أضعك في عالم الفيلم الذي أعتزم كتابته. لست أنا الذي اختار التزامن بين ما حدث لي والأحداث العامة التي حدثت وتحدث في المنطقة العربية منذ احتلال العراق للكويت. هذا التزامن ولّد لدي تساؤلات عديدة أطمح إلى صياغتها بصريا في فيلم بعنوان «سينما الدنيا». هل الخيبة فخ يمسك بكعابنا؟! هل الخوف مستنقع لا يمكن الفكاك منه؟ ما هو كنه هذا العجز الذي نحن فيه؟ أهو قدرنا؟!. تغرقـني الأسئلة في بحورها يا صديقي؛ قبيل أن تضع لنفسها إشارة الاستفهام أو التعجب؛ فأحس الأشياء وكأنها كابوس كنت قد عشته لكني نسيت صوره؛ ولم يبق منه إلا شيء من طعمه ورائحته. ينتابني أحياناً شعور غريب وغامض بالعار للانحطاط الذي نحن عليه؛ كما أحس أن الدنيا كان لها توهج ما قـد فقدته. وأن الحياة قد غدت أقـل ضوءاً. وأني أعيش تحت وطأة انقباض في الصدر؛ وسخونة تشبه تلك التي تنتابك حين تكتشف إثما قد ارتكبته. أحكي عن ذلك لأضعك في تلك اللحظات التي تعبّر عن فضاء المشروع الذي يشغلني حالياً. فأعيش بها صوراً وأسئلة عنها وحولها. وتتجسد في كثير من المرات ؛ بصورة امرأة أعشقها كلما تقربت من صورتها؛ كان ينفر دمعها ويسيل على صفحة الصورة. كثيرا ما تساءلت: ماذا تريد أن تقول في هذا الفيلم؟ فلم أحصل في داخلي إلا على إجابات من الكلمات العامة والعناوين والأفكار المتداخلة. ومرات أخرى كنت أضع الأحداث والمشاهد والصور أمامي؛ لأكتشف ماذا تقــول هي؟ وعن ماذا تحكي هي بذاتها! ما يشغلني على الصعيد العام يا صديقي؛ أكثر تعقيداً وصعوبة بسبب القمع والاستبداد السائد حتى اليوم. بحيث يبدو لي أن الهدف الفعلي لهذه الأنظمة السائدة ولممارساتها الدؤوبة هو حرمان الناس من أنفسهم؛ من ذاتهم؛ وزجهم في عالم القطيع.
هذا ما سأسعى أن يتسرب إلى الفضاء العام للفيلم بالصور التي أرسمها. وبهذه العجالة أشعر بالأسف أني لم أتمكن من تغطيسك في عالم ما يشغلني ويؤرقني. ربما لأني ما زلت غريق بحورها.

■ ■ ■


في رسالة ثانية كتبت له كنت واهماً بأني أمسك بالأسئلة... وكنت أظن أن الماضي في سينماي بصيرة لرؤية الحاضر. لكن هذا الماضي أحاطني بعالم من الحنين والاستلاب؛ إلى الحد الذي أخذ فيه ينغّص رؤية الحاضر. اليوم أتساءل لماذا أبكاك أبوك؛ وأنت تتذكره وتستعيده وتحدثني عنه؛ خلال تأملاتك للشوارع التي كان يمشي بها ؛ حين كنا نسير معاً في القاهرة؟ هل يعيد الماضي فرض نفسه في لحظة الخيبة ؟! الحيرة التي نشأت لدي؛ بعدما قطعت خطوات في تأملي وتخطيطي لمشروعي الجديد؛ تساءلت مع نفسي ما الذي أريده لهذا السينمائي الذي أقدمه في هذا الفيلم أن يعانيه؟ ولماذا أريد أن أتحدث عنه الآن في خاتمة ما يمكن أن أسميه ثلاثية سينمائية؛ تتصدى لرسم «بورتريه» لسوريا خلال الخمسين عاماً الماضية. تلك الثلاثية التي تمتد من انكسار المجتمع المدني؛ واستيلاء الجيش على السلطة؛ كما في فيلم «الليل»؛ مروراً باللحظة الديمقراطية الوحيدة؛ واللجوء إلى الوحدة مع مصر عبد الناصر؛ بما مثله من ألق وطني واجتماعي، كما في «أحلام المدينة». ثم وصولاً إلى اليوم حيث الهيمنة المطلقة واستلاب الذات؛ كما يطمح إليه هذا المشروع الذي أسعى لكتابته وتحقيقه. ثمة لحظات أريد فيها أن أستعيد شخصيات من أفلامي. شخصيات لم تعد اليوم واقعاً بل سينما. فتخرج شخصيات أفلامي من السينما إلى الواقع لتفعل ما كانت قد عجزت التعبير عنه! تخرج من أفلامها باحثة عن مؤلفها لتضيف للهزيمة هزيمة جديدة. في هذه الاستعادة للشخصيات؛ أريد للجد في «أحلام المدينة»؛ أن يخرج من الفيلم الذي تركته فيه حياً يتابع شروره ليموت. وأن يخرج الأعمى في الفيلم ذاته؛ ليقول الكلمة التي لم يتجرأ أن يقولها لمن يقودهم في معركة من معارك الإنقاذ في فلسطين 48 وفقد عينيه؛ فظل بعدها يعيش حياته نادماً على أنه لم يقلها. فأخذ يردد في الفيلم أن الشيء الأكثر صعوبة من فقدان البصر هو فقدان الشجاعة لقول: لا! ربما الأسئلة التي طرحت وتنوعت الإجابات حولها؛ في المراحل التاريخية السابقة؛ قد انطفأت اليوم؛ لكن الأسئلة الراهنة أكثر بعداً وعمقاً وأكثر تبلوراً. الصور التي أحدثك عنها ليست هي الحكاية؛ بل هي التفاصيل التي تتسرب إلى الفيلم في أجواء القمع السياسي والاجتماعي والأخلاقي السائد اليوم. أقول تتسرب لأنها ستظهر في الفيلم أشبه بالوثيقة لأشرطة سينمائية يتم العثور عليها؛ وقد أخذت بالتحلل والتـفسخ؛ فتهرهر بين أيدينا كمسحوق أو شظايا للصور. لدي جموح للتعبير عن اللحظة التي تتكسر فيها الأوهام ويتبدد الخوف. بالمناسبة أشتهي؛ وربما لن أفعل؛ أن أبدأ الفيلم بالحديث النبوي الذي يقول: سئل رسول الله ما هو الإثم يا رسول الله؟! فأجاب: «الإثم هو ما حاك في صدرك وخشيت أن يطلع عليه الناس». آه يا صديقي! ما أحلى سينما «الإثم» هذه!