عرسال ليست جغرافيا، ولا تنبع هويتها السياسية والاجتماعية من عقدة موقعها وخيط حدودها الرفيع مع سوريا ولبنان الآخر. للمدينة المحصنة بصلابة صخورها طقوسها الخاصة بها، قلة تتفهمها أو تعرف فك الغاز أحجياتها. لم تكن عرسال الجغرافية سوى امتداد لتاريخها السياسي.


وقفت بصخب وأحياناً بصمت مع قضايا تؤمن بها وتجد فيها نبضها اليومي. خبزها اليومي كان وسيبقى فلسطين، الإنسان والأرض. وملحها ليس بعيداً عنها سوى رمية حجر في ميادين الشام وحمص وحلب والقصير والزبداني وبلاد القلمون المنكوبة اليوم.
أن تكون عرسال في صدارة الدفاع عن فلسطين، فهذا موقعها الطبيعي. وأن تكون مع بغداد يوم قاومت الاحتلال الاميركي، فهذا أقل الواجب. وأن تكون مع الشام في حربي 1967 و1973، فهذا نبض روحها الثائر. وأن تكون في طليعة المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الإسرائيلي للبنان، فهذا لا يمكن أحداً أن يتجاهله أو يمعن في تزوير تاريخه. وأن يكون العراسلة مع أخوتهم السوريين في عام 2011، قبل أن يصبح أبناء جلدتهم وقوداً لحرب كونية ويأخذهم «أفيون» التطرف إلى المجهول، فهذا أيضاً خيارهم الطبيعي.
عرسال ليست جغرافيا وحسب. إنها مسار ومصير لا يعرفهما لبنان الآخر. فمن حقها اليوم أن تسأل من طرد اللص من منزله هناك إلى منزلها هنا ليعيث فساداً في الجرود وبساتين الكرز ومقالع الصخر، ومن حقها أن تسأل لماذا تأخرتم في طرد اللصوص إلى منازلهم هناك من دون حساب على ما اقترفوه من لصوصية بحق وجودنا؟ وحدهم أهل عرسال يعرفون حكايات الطرد والمطاردة ويدفعون أثمانهما. ووحدهم اليوم كما كانوا في الماضي وفي المستقبل الآتي على صهوة إفلاس، سيدفعون ثمن مواقفهم التاريخية وصون عزة منازلهم المشرعة أبوابها لكل ضيف فقير كحالهم. وحالهم يقول: «لسنا طريدة، بل فقراء مثلكم».