وردت كلمة «دودييم» דודאים dûdã›im مرة واحدة في التوراة. الاتجاه السائد يترجمها على أنها تعني: لفّاح. واللفاح هو اليبروح، وهو تفّاح الجن، والشجّاع: «ومضى رأوبين في أيام حصاد الحنطة، فوجد لفاحاً في الحقل، وجاء به إلى ليئة أمه. فقالت راحيل لليئة: أعطيني من لفاح ابنك.


فقالت لها: أقليل أنك أخذت رجلي، فتأخذين لفاح ابني أيضاً؟ فقالت راحيل: إذاً يضطجع معك الليلة عوضاً عن لفاح ابنك. فلما أتى يعقوب من الحقل في المساء، خرجت ليئة لملاقاته وقالت: إليّ تجيء لأني قد استأجرتك بلفاح ابني. فاضطجع معها تلك الليلة. وسمع الله لليئة فحبلت وولدت ليعقوب ابناً خامساً. فقالت ليئة: قد أعطاني الله أجرتي، لأني أعطيت جاريتي لرجلي. فدعت اسمه يساكر» (تكوين 30: 14-20).
وكما نرى، فزوجتا يعقوب، الضرتان ليئة وراحيل، اختلفتا حول دودييم رأوبين، الذي يبدو كنبتة أو ثمرة حمل. فمن حصلت عليه، حصلت في الواقع على الحمل. لكن مشكلة ترجمة الكلمة على أنها «لفّاح»، تكمن في أن اللفاح لا يرتبط بالحمل في التقاليد. فالفكرة الأساسية السائدة عنه أنه نبتة تصيب من أكلها بطراز من الهلوسة، وأنه مرتبط بالكلاب حسب التقليد الأوروبي. وكانت جذور هذه النبتة تستخدم في العصور الوسطى الأوروبية كمخدّر في الجراحة. وعدم وجود علاقة لهذه النبتة وثمرتها بالحمل والولادة، يثير الشك حول صحة ترجمة «دودييم» إلى لفاح. وقد وردت في نشيد الإنشاد كلمة «دوده»، التي أفترض أنّها مفرد دودييم، وترجمت على أنها لفّاح: «اللفاح يفوح رائحته، وعند أبوابنا كل النفائس من جديدة وقديمة ذكرتها لك يا حبيبي» (نشيد الإنشاد 7: 13). وارتباط «دوده» هذه بالرائحة، هو الذي في ما يبدو أدى إلى افتراض أن «دودييم» سفر التكوين، لا بد من أن يكون لفاحاً. وجود الرائحة في نص نشيد الإنشاد، هو الذي أدى إلى افتراض أن دودييم هو اللفاح. من دون رائحة «دوده» في النشيد، لم يكن سهلاً الحديث عن دودييم كلفّاح. ذلك أن ميزة اللفاح في رائحته الذكية النفاذة، التي تجعله ثمرة شمّ بامتياز. عليه، فترجمة كلمة سفر التكوين نابعة من ربط «دوده» بـ «دودييم». ذلك أن الرائحة لا تلعب أي دور في قصة سفر التكوين. لكن العلاقة بين الكلمتين غير مؤكدة، كما سنرى تالياً. ولأن دودييم في القصة التوراتية على علاقة بالحمل، فقد افترض أن اسمها من جذر «دود» الذي يعني الحب والمودة. واعتُقد بناء على ذلك أن معناها «نبتة الحب». وكل هذا يدخل في باب الافتراضات، لا باب الحقائق الصلبة.
على أي حال، ليس هناك إجماع بين المختصين على أن «دودييم» تعني اللفاح، فهناك مقترحات أخرى عديدة حول النبتة المقصودة. لكن الغالبية تسير مع أن دودييم هو اللفاح mandrake.

صمغ شجرة السّمُر

والحال أننا نريد ـــــ واستناداً إلى اللغة العربية ــــ أن نقدم اقتراحاً بديلاً ربما كان من شأنه أن يحل لغز «دودييم» التوراتية.
وفي العربية، فإن «الدُّوَدِم» Duwadim هو الصمغ الأحمر لشجرة السّمُر Acacia tortilis: «الدّوِدِم: صمغ السَّمُر. والنساء يستعملنه في الطرار [جمع طرة، وهي قصة شعر على الجبين]، ويسمينه دُمَيْدِماً. وبعضهم يسميه دُمادماً، وهو خطأ، إنما هو دُوَدِم، ودُوادِم» (أدب الكتاب، ابن قتيبة الدينوري). يضيف ابن البيطار لكن من دون أن يربطه بالسمر: «دوادم: ويقال دودم، وهو شيء يخرج من أجواف الخشب مثل الصمغ، أسود في حمرته يشبه الدم، وأكثر نباته بأرض الشام بجبل بيروت، يخرج من شجر يسمونه العرعر، ويستعمل أهل الجبل المذكور هذه الصميغة فيما يستعمل فيها الموميا، مجرب عندهم» (ابن البيطار، الجامع لمفردات الودية والأغذية). وهذا يعني أن الدودم ربما أُطلق على صمغ بعض الأشجار الأخرى، القريبة بشكل ما من شجرة السمر. ويبدو أنّ للدودم أسماء أخرى: «وقد عرفت جزيرة العرب بتصديرها بعض أنواع الصمغ واللثى، وهو شيء يسقط من شجر السمر، أو هو ماء يسيل من الشجر كالصمغ، فإذا جمد، فهو صعرور» (جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام). وكما نرى، فليس هناك من شك في التواصل اللفظي الكبير بين «دودييم» التوراتية و«دُوَدِم، دُوَادِم» العربية. إنهما متشابهان حد أنه يجعل من السهل افتراض أنهما الكلمة ذاتها.


كان العرب إذا ولدت المرأة، أخذوا من دم السمر ينقّطونه بين عيني النفساء
لكن الأهم أن الدودم على علاقة بالحيض عند العرب، أي أنه في الواقع على علاقة بالحمل والولادة، كما في قصة سفر التكوين. إذ يعتبر صمغ شجرة السمر دم حيضها الخاص. بالتالي، فهي شجرة تحيض كما تحيض الأنثى، وحيضها هو هذا الصمغ الذي ينزّ من جذعها: «أبو عبيد عن الفراء: الدُّوَدِمُ شبه الدَّم يخرج من السَّمرة... يقال: قد حاضت السَّمرة: إذا خرج ذلك منها» (الأزهري، تهذيب اللغة). يضيف اللسان: «وحاضَت السَّمُرة: خرج منها الدُّوَدِمُ، وهو شيءٌ شبه الدم» (لسان العرب). عليه، فالدودم هو حيض السمرة. والحيض هو ما يحدد مواعيد الحمل، ووجوده يؤكد على أنّ المرأة ما زالت مخصبة.
أكثر من ذلك، فالدودم يوضع بين عيني المرأة النّفاس، أي التي وضعت مولودها حديثاً، وهو ما يعني أنه مرتبط بالولادة مباشرة. ويبدو أنه يوضع كما توضع النقطة الحمراء بين أعين النساء الهنديات: «كانت العرب إذا ولدت المرأة، أخذوا من دم السمر- وهو صمغه الذي يسيل منه- ينقطونه بين عيني النفساء، وخطوا على وجه الصبي خطاً، ويسمى هذا الصمغ السائل من السمر: الدودم» (ابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة). ويبدو أنه كان يجري في بعض الأحيان جرح الشجرة كي يسيل منها السائل، ويوضع منه بين عيني النفاس وعلى خد الوليد. أي أن الصمغ يستحثّ بالجرح على الخروج، ولا ينتظر حتى يتكون وحده. بذا، فالدودم من كل النواحي على علاقة بالحمل والولادة، فهو:
1- حيض شجرة السمر
2- أحمر كدم الحيض
3- يستخدم كعلامة ما للنساء عند الولادة. كما أنه يستخدم لمواليدهن أيضاً، مع أننا لا ندري معنى هذه العلامة بشكل دقيق.
وكل هذا يلتقي مع قصة ليئة وراحيل والدودييم. ففعالية الدودم في سفر التكوين، تمثلت في أنه ساعد ليئة على الحمل. والصراع على الدودييم بين ليئة وراحيل، كان صراعاً حول الخصوبة والحمل. فمن تحصل منهما على الدودم، تحصل على الخصوبة. بذا يمكن القول باطمئنان بأنّ «دودييم» في سفر التكوين في التوراة، هو «الدودم» عند العرب، أي أنّه صمغ شجرة السمر، أو أشجار تطلع صمغاً مثلها. وانطلاقاً من هذا، يمكن الحكم بأن ترجمة «دودييم» باللفاح ترجمة خاطئة. وهذا يعني أن الربط بين «دوده» نشيد الإنشاد و«دودييم» سفر التكوين، ليس ربطاً صحيحاً. إذ أنّ «دودم» العربية توضح أن الميم في «دودييم» ليست ميم جمع، بل ميم أصلية. وهذا ما ينفي احتمال أنّ تكون «دوده» مفرد «دودييم». وحسب مقتبس ابن قتيبة أعلاه، فإن النساء يسمّين الدودم دميدم: «ويسمينه دُمَيْدِماً، وبعضهم يسميه دُمادماً». بذا فمن المحتمل أن الكلمة في الأصل تكرار لكلمة دم: (دمدم، دميدم، دمادم)، الذي هو دم الحيض. وهذا يوصل إلى أن دودييم التوراتية ليست من جذر ودد، وأنها لا تعني «نبتة الحب»، بل تعني «صمغ الحمل» أو «دم الحمل» أو «دم الحيض».
ويجب أن نشير هنا إلى أن معبد العزى العربي في بطن نخلة، كان مرتبطاً بالسمر. وهو ما يعني أنّ العزى ذاتها مرتبطة بالسمر. بل إنّ العزى تتبدى كشجرة سمر: «وذكر بعض أهل الأخبار أن العزى صنم كان لقريش وبني كنانة، أو سمرة عبدتها غطفان بن سعد بن قيس عيلان... فبعث اليها رسول الله خالد بن الوليد، عام الفتح، فهدم البيت، وقتل السادن وأحرق السمرة» (جواد علي، المفصل). أما ابن الكلبي، فيتحدث عن ثلاث سمرات في معبد العزى لا سمرة واحدة. لكن العزى، أو شيطانتها، كانت تقيم في شجرة واحدة منها: «يروي ابن الكلبي ان الرسول أمر بالقضاء على العزُى، وذلك عام الفتح، فلما افتتح النبي ... مكة بعث خالد بن الوليد فقال له: إيت بطن نخلة، فإنك تجد ثلاث سمرات، فاعضد الأولى، فأتاها فعضدها، فلما جاء اليه عليه السلام: هل رأيت شيئاً؟ قال لا، قال: فاعضد الثانية؟ فأتاها فعضدها. ثم أتى النبي عليه السلام، فقال: هل رأيت شيئا؟ قال: لا. قال: فاعضد الثالثة. فأتاها. فإذا هو بحبشية نافشة شعرها، واضعة يديها على عاتقها، تصرف بأنيابها» (جواد علي، المفصل). وهكذا، فالعزى السوداء كانت في شجرة السمر الثالثة. أما سوادها، فهو سواد إيزيس. بذا يمكن افتراض أن فعالية الخصوبة التي تنسب للدودييم- الدودم، نابعة من ارتباط هذا الصمغ بالإلهة العزى، التي هي مثيلة أفروديت وعشتار، وغيرهما من آلهة الخصب. ولست أستبعد أن يكون اسم سميراميس الآشورية ذاتها على علاقة بشجرة السمر، فهو يبدأ بـ «سمر». أعرف أن سميراميس ترتبط بيمامة حسب التقليد الذي وصلنا عبر الإغريق. لكن هذا لا يمنع أن اسمها يربطها بالسمر بشكل ما.
إذن، فما وجده رأوبين ابن ليئة في الحقل إنما كان في الحقيقة صمغ شجرة السمر، أو شجرة أخرى تماثلها. وقد اقتلع بكفه الصمغ من جذع الشجرة ذاهباً به إلى أمه. ونحن نعرف شجرة السمر لا تنمو فقط في الجزيرة العربية، بل وفي فلسطين، وفي المشرق العربي كله. وإذا كانت ليئة هي أم «رأوبين»، فإن شجرة السمر تدعى أم غيلان: «أم غيلان... اسم للسمر عند أهل الصحراء» (ابن البيطار، الجامع لمفردات الأغذية والأدوية). نعم، كلاهما يحيض ويلد.
* شاعر فلسطيني