لذنا أنا و«ليز» إلى ظلال أشجار المُران المخملي المصفوفة على جانبي جادة «نورذرن»، حيث تقع مكتبة «بوكمان» العريقة. بالأمس ملأت ليز، بدلاً مني، استمارةَ التقدم للعمل في هذه المكتبة، فهي مقتنعةٌ تماماً أني أحتار حيال أسئلةٍ مثل: اذكر أسماء خمسة كتبٍ مفضلة لديك، أو: ما هي الإنجازات التي حققتها؟ تعمل ليز في منظمة إعادة التوطين وهي مسؤولةٌ عن إيجاد فرص عمل للوافدين الذين لم يجدوا عملاً منذ وصولهم إلى هنا.


حين سألتني، على سبيل تمضية الوقت، عن مدى تأقلمي مع الحياة هنا، ترددتُ قليلاً قبل أن أجيب بكل الفظاظة الهادئة التي اعتدتها مؤخراً: «مرت ثمانية أشهر وعشرون يوماً لي هنا، لم أفرغ حقائبي بعد، وأستعمل غياراً واحداً اشتريته حين وصلت. هل يعطيكِ هذا فكرةً واضحةً عن مدى تأقلمي؟».
صمتتْ كما توقعتُ. ثم بعد دقائق، سألتْ: «هل من سببٍ معين؟». «لا تسيئي فهمي يا عزيزتي، هذا لا يعني أني أكره المكان، أنا فقط بطيءٌ جداً». كان من الممكن أن يصبح الموقف محرجاً للغاية للانا لولا العصبة المكسيكية السكرى في قيظ الظهيرة، التي صاح أحد أفرادها: «يا هذا، هلّا أعرتني كرسيك، قدماي لا تكادان تحملاني». كان شاباً لطيفاً لم يُرد سوى المزاح، وضحكنا جميعاً بمجاملةٍ واضحة.
ليز في أوائل العشرينات، نحيلةٌ شقراء لوّحتها شمس أريزونا، وقد تكون من أرقّ ما قد يصادفه المرء في حياته. أما بالنسبة لي، فلم تذكرني سوى بمشهدٍ من رواية «بحر الخصوبة» ليوكيو ميشيما، حيث تلذذ البطل بألم صديقته التي علق شعرها بغصنٍ ناتئ، وتمنيتُ أن أراها تتألم، ولم أعرف أبداً لمَ ساورتني تلك الرغبة.
تابعنا الطريق صامتين معظم الوقت، لكنها ظلت باسمةً، تلك الابتسامة ذاتها التي تمنحها لكل العجائز والمتسولين الذين تحييهم بلغاتٍ شتى حسب أعراقهم. تذكرتُ عشاء الأمس، رباعي الجاز الذي كان يعزف مقطوعاتٍ مختارة بعناية لبوني جيمس، «أولغا» المكسيكية التي حدثتني طوال السهرة عن الحقوق الضائعة للمهاجرين المكسيكيين غير الشرعيين المقيمين هنا. الزوجان التركيان اللذان كانا غاضبين من نتيجة الاستفتاء في تركيا، و«فيدوشي» التي كانت تشرح لـ «دون» ما يحدث في أقاليم الجنوب في الهند. ثمة حياتان لكل من وفد حديثاً إلى هذه البلاد، ستتلاشى الحياة الأولى بمرور الزمن، وسيبقى هذا الخواء العظيم حياةً أخيرة يملأها رباعي الجاز الآن بمقطوعةٍ لديفيد سانبورن.
لم تفقد ليز ذرةً من حماسها رغم كل شيء. تثب فوق كل دفقةِ ماء ترسلها المرشّات باتجاه الرصيف الأحمر، وتشير إليّ أن أبتعد: «حاذر أن تكون مبتلاً في مقابلة العمل»، «لا أعتقد أن هذا ينطبق على مقابلة العمل فقط يا عزيزتي».
«هناك»، ومضينا باتجاه يدها.
* كاتب سوري