كان قد اشترى قلم حبر. بعدما رسم بالقلم توقيعه، وكتب الأحرف الأولى من اسمه، وعنوانه، وشخبط به راسماً خطوط متموجة، تبعها بكتابة عنوان والديه على الورقة. تناول ورقة جديدة، وطواها بعناية وكتب: «أشعر هنا بالبرد»، ثم خط عليها: «أنا ذاهب لأميركا الجنوبية». توقف عن الكتابة، أدار الغطاء في القلم، تأمل الورقة ونظر كيف جفّ الحبر وأصبح قاتماً (كان البائع قد أكد له بأن الحبر سيصير أسود على الورق).


تناول قلمه مرة أخرى، وأعاد التوقيع باسمه «بول». ثم جلس أمام المنضدة. مر بعينيه على إعلانات السينما، وهو يزيح الصحف من على المنضدة. دار بخلده شيء ما. زحزح طفاية السجائر جانباً. مزق الورقة بالخطوط المموجة. أفرغ قلمه ثم ملأه مرة أخرى.
كان الوقت حينها، قد تأخر كثيراً عن موعد العرض السينمائي. ستستمر بروفة الترتيل الكنسي حتى التاسعة، وفي التاسعة والنصف ستكون «هيلدغراد» قد عادت. كان في انتظار هيلدغراد. وكانت موسيقى مزعجة تنبعث من الراديو، فأغلقه.
في منتصف المنضدة، تقبع الورقة المطوية، مكتوب عليها بخط لونه أسود مُزرق اسمه «بول» ومكتوب عليها أيضاً «أشعر هنا بالبرد». ستصل هيلدغراد في التاسعة والنصف. الساعة الآن التاسعة. ستقرأ رسالته، وسينتابها الفزع، ربما لن تفكر في أميركا الجنوبية، ولكنها ستعد القمصان التي في الخزانة. ستتصل بخمارة «لوفا». «لوفا» يكون مغلقاً يوم الأربعاء. ستبتسم وستيأس وسترضى بالأمر الواقع، ربما. ستزيح الشعر عن وجهها عدة مرات، وستمر ببنصر يدها اليسرى على وجنتيها، ثم ستفكك أزرار معطفها ببطء.
جلس هناك، فكر لمن يمكن أن يكتب خطابه. قرأ إرشادات استخدام قلم الحبر مرة أخرى، أمال القلم قليلاً جهة اليمين، قرأ أيضاً النص الفرنسي، وقارن بين النص الإنكليزي والألماني. نظر مرة أخرى لورقته، تذكّر النخل، وتذكّر زوجته. جلس هناك. وفي تمام التاسعة والنصف، وصلت هيلدغراد وسألت: «هل نام الأولاد؟». ثم أزاحت الشعر عن وجنتيها.

* ولد بيتر بيكسل Peter Bichsel في سويسرا عام 1935. عمل في التدريس، قبل أن ينتقل إلى الأدب والصحافة. يعدّ أحد أدباء «مجموعة أولتن» الأدبية السويسرية. اشتهر في بادئ الأمر بقصائده الشعرية. وتعد مجموعته القصصية «وحقاً كانت السيدة بلوم ترغب في لقاء بائع اللبن» أشهر مجموعاته القصصية. كما اشتهر بأدب الأطفال. حصل بيكسل على «جائزة جماعة 47»، و«جائزة كتاب الشباب الألماني» و«جائزة كسل»، و9 جوائز أخرى. وعلى الرغم من إصداره 24 كتاباً متنوعاً، إلا أنّ الاهتمام به كان ضعيفاً من جانب العرب، ونادراً ما تمت ترجمة عمل له. عنوان القصة الأصلية التي ترجمناها هنا، هو San Salvador، وهو اسم مدينة سان سلفادور عاصمة السلفادور الواقعة في أميركا الوسطى. والترجمة الحرفية للعنوان، المكتوب بالإسبانية، تعني «المنقذ المقدس». هذه القصة من مجموعة «وحقاً كانت السيدة بلوم ترغب في لقاء بائع اللبن» التي نشرت للمرة الأولى في مجلة Neuen Züricher عام 1963.