منذ سنة أنهى لبنان سياسة الباب المفتوح أمام السوريين، وفي 5 كانون الثاني 2015 دخل قرار المديرية العامة للأمن العام حيز التنفيذ فارضاً شروطاً جديدة لعبور الحدود بهدف تخفيض عدد اللاجئين في لبنان. بات على اللاجئين الساكنين في البلاد تجديد إقاماتهم سنوياً ضمن شروط تقييدية صارمة وكلفة مرتفعة تبلغ 200 دولار للفرد (راجع موضوع "إقامة السوريين: إجراءات الامن العام تمهّد لنظام الكفيل"). فرضت هذه الشروط أعباء مرهقة على اللاجئين بحيث امتنعت الغالبية عن تجديد تصاريح الإقامة المطلوبة بسبب عدم القدرة على تسديد هذا المبلغ، إذ انّ 70% من اللاجئين يعيشون تحت خط الفقر، وتبيّن أنّ 2 فقط من أصل عينة تتألف من 40 لاجئا تمكنا من تجديد إقامتهما اعتمادا على وثائقهما الصادرة عن مفوضية شؤون اللاجئين، وفق تقرير صدر أمس عن منظمة "هيومن رايتس ووتش" تحت عنوان "أريد فقط أن أُعامَل كإنسانة: كيف تسهل شروط الإقامة في لبنان الإساءة ضد اللاجئين السوريين"



القوى الأمنية: اعتقالات عشوائية
منذ عام 2014 "أصبحت مداھمات مخيمات اللاجئين غير الرسمية واعتقال اللاجئين دون الوضع القانوني، وإقامة نقاط التفتيش من قبل قوى الأمن، أمرا شائعاً". تُعلن المنظمة أنّ من بين العينة التي تضم 40 لاجئاً جرى اعتقال 11 منهم لعدم تمتعهم بوضع قانوني وأُطلقوا بعد ايام من دون توجيه أي تهم إليهم. نصف المعتقلين "زعموا" بتعرضهم لسوء المعاملة مثل الضرب بخراطيم وأنابيب بلاستيكية من أجل الإدلاء بمعلومات أمنية. 5 لاجئين من الذين اعتقلوا حاولوا عدة مرات تجديد إقاماتهم من خلال تقديم جميع الوثائق المطلوبة والرسوم للأمن العام، ولكن طلباتهم رُفضت، ليتم اعتقالهم في وقت لاحق لغياب الوضع القانوني.
لم تكتف الأجهزة الأمنية بالاعتقال التعسفي والضرب، وإنما يتهمها التقرير بسرقة اللاجئين أيضاً إذ ينقل عن جبّار، أحد اللاجئين في البقاع، أنّ حاسوبه وهاتفه سرقا من قبل احد الجنود أثناء مداهمة المخيم ومن ثم تمّ نقله الى مركز مخابرات الجيش وأطلق في اليوم التالي من دون أن يستعيد حاجاته.
كما يتهم التقرير جهاز الأمن العام بمحاولة تجنيد اللاجئين للإبلاغ عمن لم يجدد أوراقه في المخيمات، وذلك بالضغط عليهم عبر رفض تجديد إقاماتهم، إذ يذكر أن "ضابط الأمن العام رفض تجديد تصريح إقامة أحد اللاجئين حتى يحضر له قائمة بكل الأشخاص (غير الشرعيين) الذين لديهم أوراق منتهية الصلاحية في المخيم الذي يعيش فيه".
يصنّف قرار الأمن العام السوريين إلى فئتين: المسجلين لدى المفوضية وغير المسجلين ويلزم الفئتين بدفع مبلغ 200 دولار لتجديد الإقامة على أن يقدم غير المسجلين لدى المفوضية تعهد بالمسؤولية من قبل شخص لبناني. إلا أن أكثر من نصف السوريين الذين تمت مقابلتهم من المسجَلين لدى مفوضية اللاجئين، رفض الأمن العام تجديد إقاماتهم من دون وجود كفيل بالرغم من تقديم الوثائق اللازمة ودفع الرسوم المطلوبة. يتحدث التقرير عن أنّ هذا الأمر "محاولة من السلطات اللبنانية لتمهيد الطريق لمعاملة اللاجئين كمهاجرين لأسباب اقتصادية، إذ انّ إجبار المهاجرين على العودة إلى سوريا مقبول أكثر من إعادة اللاجئين الفارين من الاضطهاد". يذكر أحد اللاجئين إنه عندما حاول تجديد إقامته اعتمادا على وثيقة مفوضية اللاجئين في بلدة حلبا، "اتهمني ضابط الأمن العام بالكذب، ومزّق شهادة المفوضية، وقال لي أن أعود مع كفيلي". كذلك يذكر التقرير ان إحدى المنظمات الدولية وثّقت قرابة 10 مكاتب للأمن العام رفضت التجديد للاجئين يحملون وثائق مفوضية اللاجئين، ووافقت فقط على من لديه كفيل.
يشير التقرير أيضاً الى أنّ الأمن العام أصدر في آذار 2015، تعميما داخليا يطلب من اللاجئين السوريين إظهار دليل على وجود المساعدة المالية كشرط للتجديد ولم يصدر التعميم علنا ولكن منظمات تساعد اللاجئين أكدت وجوده. وينقل عن أحد اللاجئين أنّ ضابط أمن عام احتجزه في مركز الأمن العام في السوديكو عندما قدم دليلا على المساعدة المالية، يقول "اعتقلني الضابط وبدأ بصفعي، وھو يسألني من أين حصلت على المال. سألني إذا تلقيت أموال من الجماعات المسلحة. ھل يمكنك تصديق ذلك؟ أتّبع القوانين ثم اُتهم بأني إرھابي. أطلِقت بعد 4 أيام ولكن لم يعيدوا إليّ جواز السفر بعد".

"أنا كفيلك، ووقتك لي"
يمارس الكفلاء سيطرة كبيرة على السوريين لأن نظام تجديد الإقامة التقييدي سهّل استغلالهم، فالعديد من اللاجئين "قالوا إن كفلاءھم هددوا بإلغاء الكفالة في حال رفضوا أي مهمات في العمل"، في حين أبلغت 5 نساء من ضمن العينة أن الكفلاء وأرباب العمل تحرشوا بهن أو حاولوا استغلالهن جنسيا ولكنهن لم يستطعن مواجهتهم خوفا من فقدان الإقامة. فأرباب العمل يمكنهم أن يدفعوا أجوراً قليلة ومضايقة العاملين وإجبارهم على العمل في ظروف سيئة لأن وضعهم غير قانوني. إضطر شريف أن يعمل "بالسخرة" في إحدى شركات البناء في جونيه قبل الحصول على كفالته، "أخبروني أن عليّ العمل 6 أشهر أخرى قبل أن يُنظر في كفالتي". و يخبر عمرو الذي يعيش في صيدا أنّ كفيله، وھو رب عمله، "يجبره على العمل أكثر من 12 ساعة في اليوم في متجره. أحيانا أشكو ولكنه يهدد بإلغاء كفالتي. ماذا يمكنني أن أفعل؟ عليّ القيام بكل ما يقول. أشعر أني عبد". أمّا حوّا، فقد دفعت 600 دولار لكفالة أسرتها ومن ثم أقدم الكفيل على التحرّش بها ثمناً لكفالته، تقول "بدأ يتصل بي ويطلب أن أذھب في نزهة معه وأن آكل الشوكولا معه. يرسل لي رسائل نصية تهديدية ويقول: أنا كفيلك، ووقتك لي. كان هذا التحرّش الثاني الذي تتعرض له إذ واجهت تحرّش إبن المختار الذي أخذ رقمها من الأوراق التي قدمتها عند والده وطلب منها ممارسة الجنس مقابل ختم أوراق الإقامة والكفالة. لم تبلغ حوّا القوى الأمنية لأنها ستتعرض للإعتقال بسبب وضعها القانوني.
لم تتوقف الإنتهاكات هنا، بل تم التبليغ عن أنّ مالكي العقارات يفرضون على أطفال المستأجرين العمل لهم مجانا إذا تأخروا في دفع الإيجار. علي، إبن الـ 12 عاماً، "عمل طوال السنتين الماضيتين 11 ساعة يوميا في إصلاح السيارات بأجر 15 دولارا في الأسبوع".
إنعدام الوضع القانوني زاد خطر انعدام جنسية الأطفال المولودين حديثاً لأن أهاليهم لا يستطيعون تسجيل المواليد في البلد إذا لم يكن لديهم وضع قانوني. يذكر التقرير انّ "قبل بدء تطبيق القيود الحالية عام 2014 ، وجد مسح لمفوضية اللاجئين أن 72 في المئة من الأطفال الذين ولدوا للاجئين سوريين في لبنان لم يكن لديهم شهادات ميلاد رسمية، بسبب نظام التسجيل الذي يتطلب وثائق لا يمكن للوالدين تقديمها"، فكيف هو الحال بعد إضافة عائق جديد. كذلك خلص التقرير الى انّ غياب الوضع القانوني قد يمنع الأطفال من الحصول على التعليم بالرغم من تعميم وزارة التربية باستقبال الطلاب السوريين بغض النظر عن وضعهم القانوني، إذ وجدت المنظمة أن بعض مديري المدارس يستمرون في حرمان الأطفال دون وضع قانوني ارتياد المدارس العامة.