هل يُعدّ ريكس تيلرسون خطاباته؟ الإجابة عن هذا السؤال تتدرّج من «طبعاً»، إلى «ربما»، إلى «لا، ليس بحاجة إلى ذلك». ووراء هذه الإجابة سبب أساسي هو دونالد ترامب الذي غالباً ما يناقض بيانات تيلرسون، وإلا قد تقتصر مهمّة هذا الأخير على التلطيف من آثار تصريحات رئيسه النارية. عطفاً على ما تقدّم، هناك أصلاً من لا يعرف من هو ريكس تيلرسون، ويُعذر في ذلك، حتى ولو كان الحديث هنا عن قائد الدبلوماسية الأميركية الذي من المفترض أن تخرج من وزارته الخطط الكبرى المتعلقة بالسياسة الخارجية.


وفضلاً عن هؤلاء، هناك من وقف لديه الزمن في منتصف كانون الأول الماضي، عندما أُعلن عن نية الرئيس المنتخب في حينها تعيين ريكس تيلرسون وزيراً للخارجية. كل ما جرى تداوله في ذلك الوقت عن هذا الشخص كان عبارة عن نظرية مُبهمة تتمحور حول كونه المدير التنفيذي لشركة «إيكسون موبايل» الذي يتمتع بخبرة تمتد إلى أكثر من ثلاثين عاماً في مجال الصفقات التجارية الكبرى والعلاقات مع الشرق الأوسط ودول أوروبية وآسيوية، ما سيعوّض عن نقص خبرته الدبلوماسية. وحتى الآن، أي بعد مرور ثمانية أشهر على تداول اسمه، وأكثر من ستة أشهر على تبوّئه منصبه رسمياً، لا تزال الفكرة المأخوذة عن تيلرسون تتّصف بالإبهام ذاته، فيما رافقتها بعض الدلالات على عدم تمكّنه من فرض نفسه كوزير للخارجية، بالتوازي مع عدم اهتمامه بالترويج لصورته كما فعل سابقوه.
بالنسبة إلى الإعلام الأميركي، تنحصر المقارنة بينه وبين جون كيري وهيلاري كلينتون وكوندوليزا رايس. هؤلاء كانوا يفقهون فن اللعب على الوتر الإعلامي، ويروّجون لصورة أو شعار يُكسبهم تفوّقاً في هذا المجال، حتى ولو لم يُحسب لهم سوى الفشل على المستوى السياسي. أي على حدّ وصف «نيويورك تايمز» يمكن حصر المسألة بالآتي: «عادة، في هذا الوقت، يكون وزراء الخارجية قد حدّدوا أهدافهم». وبغض النظر عن ماهية هذه الأهداف، يبدو هذا الإعلام مأخوذاً بالعناوين الكبرى، ما عكسه الشرح الذي أرفقته الصحيفة، أي إن «هيلاري كلينتون ركّزت على تمكين المرأة، بينما ركّز جون كيري على الاتفاق النووي مع إيران، وكانت له جهوده الفاشلة في إطار عملية السلام في الشرق الأوسط». أما كوندوليزا رايس، فقد «جعلت من نشر الديموقراطية الأميركية موضوع ولايتها». لم تشرح الصحيفة ما إذا كانت مقتنعة بفكرة «نشر كوندوليزا رايس للديموقراطية»، ذلك أن ما يستحوذ على تقريرها، حالياً، هو الهدف أو الشعار الذي لم يحدّده تيلرسون لوزارته بعد.
وخارج الإطار الإعلامي، هناك أسئلة لا تزال تجول في رؤوس الدبلوماسيين على المستوى العالمي، وهي: «هل تيلرسون وزير ضعيف؟ أين هو من قضايا معيّنة؟». أُضيف إليها، أخيراً، سؤال محوري، هو: «هل يمكن تصديق ما يقوله؟».
لا ينتج التساؤل الأخير من كون الرجل كاذباً، بل يتعلّق بتغريدات ترامب وبياناته، التي تعقب تصريحات تيلرسون عن قضايا حساسة عالمياً، إن كان على مستوى الأزمة مع كوريا الشمالية، أو النزاع المستجد بين «الحلفاء الخليجيين»، أو حتى العلاقة مع روسيا.
ولا ينحصر هذا التساؤل بما تقدّم فقط، إذ بدا للرأي العام الأميركي والعالمي أن مهمة تيلرسون تتمحور في جزء كبير منها حول التخفيف من حدّة التصريحات التي غالباً ما يدلي بها ترامب بشأن القضايا الحساسة ذاتها التي ذُكرت آنفاً. يسأل كريشناديف كالامور السؤال ذاته، بطريقة مختلفة في مجلة «ذي أتلانتك»: «إلى أيّ مدى يمكن لريكس تيلرسون أن يكون مطمئناً، في الوقت الذي يقوّض رئيسه عمله بتغريدة؟».
عادة، من غير المنطقي مجرّد التفكير في طرح تساؤلات كهذه، ذلك أن عمل وزير الخارجية، بحسب الوزارة وكالامور، هو «تنفيذ سياسات الرئيس الخارجية». إلا أن بعض الوقائع تجعل من المنطقي جداً أن تتحوّل هذه الأسئلة إلى هواجس. والأمثلة كثيرة، نذكر منها:
* تيلرسون قال إنه لا يعتقد بأن هناك «أي تهديد وشيك» من النزاع مع كوريا الشمالية، وتقنياً كان يجب أن يعكس ذلك رؤية الرئيس ترامب. ولكن بعد ذلك بوقت قليل، غرّد ترامب عبر موقع «تويتر»: «القرار الأول الذي اتخذته كرئيس هو تجديد وتطوير ترسانتنا النووية. إنها الآن أقوى بكثير من قبل»، وهي تغريدة تنم عن تهديد مبطّن لكوريا الشمالية، أعقبتها أخرى تحمل تحذيراً أكثر وضوحاً قال فيها: «على أمل أن لا نضطر إلى استخدام هذه القوة...».


تيلرسون مُحبط
من تدخّل موظّفي البيت الأبيض في شؤون وزارته

ملاحظات ترامب اكتسبت أهمية لأنها أتت غداة تهديده لكوريا الشمالية بـ«الحديد والنار». بالتالي، فإن كل ما سبقها وتبعها من تطمينات على لسان تيلرسون وغيره من مسؤولي الإدارة الأميركية لم يعد مهماً بالنسبة إلى العالم، خصوصاً أن بيونغ يانغ تعير أهمية لتصريحات الرئيس، في النهاية، وتتصرّف على أساسها.
بعدها، أدى تيلرسون الجزء الآخر من المهمة، وسعى إلى التخفيف من حدّة تصريحات ترامب، وطمأن المراسلين الذي كانوا معه على الطائرة المتّجهة إلى غوام قائلاً إنه «يمكن للأميركيين أن يناموا جيداً ليلاً». ثمّ لعب دور المترجم لتغريدات ترامب، معتبراً أن لغة هذا الأخير القوية كانت «رسالة واضحة إلى الزعيم الكوري كيم جونغ أون، لأنه يبدو أنه لا يفهم اللغة الدبلوماسية».
■ طبعاً لم تكن المرة الأولى التي يعمل فيها تيلرسون على شرح عبارات ترامب وتفكيكها؛ فعندما وصف هذا الأخير «حلف شمال الأطلسي» بأنه «عفا عليه الزمن»، حاول وزير خارجيته التهدئة من مخاوف الحلفاء في هذا الإطار.
■ مثال آخر يدخل ضمن التناقض بين بيانات ترامب وتيلرسون، وهو عندما دعا هذا الأخير السعودية والإمارات والبحرين ومصر إلى «تخفيف الحصار على قطر»، وطالب الدوحة بأن «تستجيب لهواجس جيرانها»، دخل ترامب إلى المشهد بعد ذلك بأقل من نصف ساعة، واصفاً قطر بـ«مموّل الإرهاب على مستوى عالٍ». بمعنى آخر، سعى تيلرسون في حزيران إلى العمل كوسيط حيادي في النزاع بين قطر والسعودية، إلا أن ترامب قوّض هذه المساعي من خلال دعمه المُعلن للسعودية.
■ وفي مثال أخير، تكفي الإشارة إلى أن ترامب سحب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ، بعد أسابيع على توقيع تيلرسون على بيان دولي يؤكد أهمية الاتفاق الذي يتمحور حول التغيّر المناخي.
«هل تيلرسون قادر على قيادة وزارة الخارجية؟». مرّ وقت ولم تظهر الإجابة عن هذا السؤال، ولا يزال المهتمون بهذا الشأن يلتقطون المؤشرات من هنا وهناك للخروج بنتيجة وافية. قبل أسابيع، أُشيع أن تيلرسون يقترب من الاستقالة، بل ذكرت تقارير إعلامية أنه قد يُقدم على هذه الخطوة قبل نهاية العام الحالي. ثمّ خرج لينفي ما تقدّم، ولكن ذلك لم يضع حداً للتقارير التي تتحدّث عن شعوره بالإحباط من إدارة ترامب، ومن تدخُّل موظفي البيت الأبيض في عمله.
من الأمثلة على ذلك، أنه جرى تهميشه في ما يتعلق بمساعي «السلام في الشرق الأوسط». ولم يأتِ أيّ من المسؤولين على ذكر اسمه، خلال مناقشة دور الولايات المتحدة في حل هذه القضية. وبدلاً من ذلك، فإن موفد ترامب إلى الشرق الأوسط جايسون غرينبليت يتعامل مباشرة مع البيت الأبيض، حيث صهر ترامب ومستشاره، جارد كوشنير، يدير السياسة الأميركية ــ الإسرائيلية.
لم تنتهِ مشاكل وزير الخارجية مع البيت الأبيض عند هذا الحد؛ فوفق ما ذكرته صحيفة «بوليتيكو»، انفجر أمام كبير موظفي ترامب بسبب البطء في ملء الوظائف الشاغرة في وزارته، كذلك تجادل مع مسؤولي البيت الأبيض بسبب عدم التنسيق معه بشأن خطة الهجرة التي وضعت وزارته أمام أمر واقع لم تكن قادرة على التعامل معه.
الصحيفة تشير إلى أن تيلرسون ازداد إحباطاً من البيت الأبيض، وحنقاً من تلقّي الأوامر من مساعدي ترامب الشباب، في الوقت الذي لا يتمكن فيه من تنفيذ سياسات وزارة الخارجية كما يريد.
الآن، بات السؤال المُلحّ: هل يستقيل تيلرسون؟ وقد بدأ باكراً جداً من عمر ولايته وإدارة ترامب. وفي انتظار تبيان مدى جدية التقارير عن نيّته الاستقالة، لا تزال الإدارة الأميركية الحالية أمام منعطفات كثيرة، تبدأ من التشرذمات في البيت الأبيض، ولا تنتهي بمشاكل وزارة الخارجية ووزيرها.