«اطرد ستيفن بانون!». العبارة ليست جديدة، لكنها في الأيام الأخيرة اكتسبت حيّزاً كبيراً في التقارير الإعلامية ووسوم «تويتر»، ودعوات المسؤولين والنافذين الأميركيين ــ وآخرهم قطب الإعلام روبرت موردوخ ــ إلى أن أصبح بانون فعلاً خارج البيت الأبيض. الطرد أو الاستقالة أو الإقالة، ثلاث كلمات طغت على إدارة دونالد ترامب، منذ بداية عهده في 20 كانون الثاني الماضي، حتى بات من الأصحّ القول إن لا أحد فيها بمأمن عن هذا الإجراء، إلا ترامب وعائلته... ربما.


في الأيام المئة الأولى من رئاسته، روّج الإعلام الأميركي لفرضية أن ترامب تحوّل إلى مُصلح اجتماعي، محاولاً تخفيف التوتّر بين أجنحة البيت الأبيض المتقاتلة. ويبدو أن هذه القضية تتخذ، مع مرور الوقت، لبوساً مختلفاً، من دون أن يخرج البيت الأبيض وترامب من الدوّامة التي دخلا فيها، بسبب سوء التقدير الذي اعتمر الرئيس ومستشاريه، إن كان لمختلف القضايا الطارئة أو للاتفاقات الموقعة في عهد سلفه باراك أوباما، أو للأشخاص الذين عيّنهم في المناصب غير المناسبة، أو حتّى لضرورة اللعب ضمن قواعد المؤسسة السياسية الأميركية، بشكل عام. وبالتالي، وسط كل الأحداث والتغييرات، كانت هناك ثوابت ترامبية عدّة، منها إيفانكا ابنة الرئيس وزوجها جارد كوشنير، إضافة إلى كبير استراتيجييه ستيفين بانون، لكن هذا الأخير بات خارج هذه المعادلة، بعدما أُعلن يوم الجمعة عن تركه منصبه.
أحيطت هذه الإقالة بالكثير من التأويلات، وفيما ذكر البعض أن بانون اتُّهم منذ أسابيع بأنه كان وراء تسريبات عن زملائه في البيت الأبيض، ذهب البعض الآخر إلى الإشارة إلى مقابلة أُجريت معه، قبل أيام، مع صحيفة «أميركان بروسبكت»، ربّما أعطت ذريعة واضحة ومُقنعة للتخلّص منه. في هذه المقابلة، ناقض كبير استراتيجيي البيت الأبيض مواقف ترامب حيال كوريا الشمالية، ومارس الدور الأحب إلى قلبه، وهو الظهور بمظهر صاحب السلطة، حيث تعهّد بإطاحة إحدى الدبلوماسيات من وزارة الخارجية. وفي هذه المقابلة أيضاً، سخر بانون من المسؤولين التابعين لإدارة ترامب (مستشاري الشأن الصناعي المستقيلين)، وقال إنهم يخافون من إجراء تغييرات جذرية على مستوى السياسة التجارية، مضيفاً أنهم «يبلّلون أنفسهم» من الخوف. كذلك، وصف القوميين البيض بأنهم «مهرّجون وفاشلون وعنصر هامشي»، وهو الذي يعدّ من المقرّبين منهم، في محاولة للتخفيف من التهديد الذي يشكّلونه.


اتُّهم بانون بأنه
كان وراء تسريبات
عن زملائه في
البيت الأبيض
وبعدها، أشار إلى أنه لم يكن يعرف أنّه يجري تسجيل مقابلة معه، ساعياً إلى التخفيف من وطأة التصريحات المختلفة. ولكن في هذا الوقت كانت الضغوط على ترامب قد وصلت إلى أوجها، ما حدا به إلى التخلّي عن أحد أبرز المقرّبين منه في البيت الأبيض.
وعلى الرغم من أن إقالة بانون باتت أمراً وارداً، منذ أن أخرجه مستشار الأمن القومي اتش آر ماكماستر من مجلسه في نيسان الماضي، يوحي كثيرون بأن السبب المحتمل وراء إبقائه طيلة هذه الفترة كان «الخوف». والأصح القول إن «الرئيس خائف من أن إقالة بانون ستحوّله إلى ناقد قوي للإدارة»، على حدّ تعبير وكالة «رويترز»، التي كانت قد نقلت عن مصادر مقرّبة من البيت الأبيض قولها: «من الواضح أن الرئيس متوتر للغاية وخائف من طرده». ثمّ تشرح مجلّة «نيوزويك» وصحيفة «نيويورك تايمز» ماهية هذه المخاوف، لافتة إلى أنها نابعة من «تأثير ونفوذ بانون على قاعدة ترامب القومية، التي كانت وراء دخوله إلى البيت الأبيض».
ربّما انتفى السبب الأساسي وراء تمسّك ترامب ببانون، ويبدو أن هذا الأخير لن يتحوّل إلى ناقد له بل سيعمل من الخارج على ترك آثاره في البيت الأبيض، إذ أكد لموقع «بلومبرغ نيوز»، «مواصلة المعركة دفاعاً عن ترامب وضدّ معارضيه في الكابيتول ووسائل الإعلام وفي عالم الأعمال». ثمّ دعا، في مقابلة أخرى مع صحيفة «واشنطن بوست»، جمهوريي الكونغرس إلى الالتفاف حول أجندة ترامب، معتبراً أنهم «إذا وقفوا وراء الرئيس في خططه، وليس خططهم، فستكون هناك عائلة كبيرة سعيدة». بانون لا يتوقّع حدوث ذلك قريباً، ولا يحتاج إلى اثنين ليخبراه أنه لو أراد الجمهوريون الالتفاف حول خطط الرئيس ــ وليس خططهم ــ لكان لا يزال في البيت الأبيض يواصل عمله.
من جهته، أراد ترامب، بإقالة بانون، أن يؤكد أنه هو من يتّخذ القرار. ولكن خطوته إذا ما أشارت إلى شيء، فإلى واقع أن أجندته وخطابه الشعبويين، اللذين كان بانون من دعائمهما في البيت الأبيض، لن يجدا صدى في الكونغرس، بينما يكسب جمهوريوه ومعهم الديموقراطيون ومن بعدهم المؤسسة السياسية، الرهان تلو الآخر بتحويل فريق ترامب إلى ما يشبههم، بعدما كان مؤلّفاً ممّن يشبهون الملياردير النيويوركي، الآتي من خارج المنظومة السياسية. وعليه، فإن «الرئاسة التي كافحنا من أجلها»، على حدّ تعبير بانون في مقابلة مع صحيفة «ويكلي ستاندرد»، هي رئاسة الحزب الجمهوري، الذي لا يزال ينظر إليه وإلى ترامب كـ«دخيلين».
ولا يعدو التقرير الذي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، في أوائل الشهر الحالي، سوى دليل على ما تقدّم. فقد نقلت عن عشرات المصادر الجمهورية، أن ممثلي الحزب «النافذين»، بمن فيهم نائب الرئيس مايك بنس، بدأوا بما يرقى إلى حملة ظِلّ تمهيداً للانتخابات الرئاسية للعام 2020، «كما لو أن ساكن البيت الأبيض الحالي ليس معنياً بها».
وعلى الرغم من أن بنس شجب ما تضمّنه التقرير، لكن المقابلات التي أجريت مع 75 جمهورياً، من مسؤولين منتخبين ومموّلين واستراتيجيين، أفادت عن شكوكهم بشأن ما إذا كان ترامب سيكون على أوراق الاقتراع في انتخابات 2020. قد يكون هذا التقرير مجرّد ورقة تحذير لُوّح بها بوجه ترامب، لكن المؤكّد أن هذا الأخير بدأ يدرك ما يريده الجمهوريون ويتحرّك على أساسه، منطلقاً من داخل جدران البيت الأبيض.