غزة | لعل المعاناة والألم ما بعد الحرب أشد قسوة مما كانت عليه في وقتها، هذا ما يراه من بقي حياً ونجا من الحرب الإسرائيلية التي صبت على رؤوس الغزيين قبل عام، لكنهم خرجوا وهم يحملون إصابات وإعاقات متعددة، بسبب ما كان يستخدم من أنواع الأسلحة على أجسادهم وبيوتهم.

(محمود غ.) أحد المقاومين الذين أصيبوا في الحرب وبترت ساقه، أثناء استهدافه مع رفاقه الذين استشهد ثلاثة منهم، وأصيب رابع يدعى أبو الحارث (27 عاماً)، و هو الآخر فقد ساقيه وإحدى يديه.
يشرح محمود (25 عاماً) أن «أبو الحارث» استشهد قبل ستة أشهر، لأنه لم يستطع استكمال علاجه في الخارج برغم محاولات كثيرة من عائلته، فهو على قوائم المنع لدى إسرائيل، وأيضاً «مغضوب عليه من السلطة» في رام الله. ويعقب المقاوم بالقول: «لم يمت رفيقي بسبب القصف، لكنه مات من قلة الاهتمام بآدميته».

لا يختلف محمود كثيراً عن حال رفيقه، مع أنه غادر مستشفى الشفاء قبل أسابيع بعد رحلة علاجية استمرت عشرة شهور، ظل ينتقل فيها بين الشفاء (غرب غزة) والمستشفى الأوروبي جنوب القطاع، وهو أيضاً لم يمتلك الفرصة «الذهبية» التي قد توفرها له الواسطة والمحسوبية، أو حتى دفع رشى لأحد العاملين في «دائرة العلاج في الخارج»، من أجل السفر. حتى عندما كان ثمة أمل بخروجه إلى مصر خلال الحرب، تخوف أهله من إرساله نظراً إلى سوء المعاملة التي تلقاها رفاق له بعد رحلة علاج وصفوها «بالمميتة والمذلة»، ما اضطرهم إلى إبقائه في غزة والاكتفاء بتلقي العلاج على أيدي أطباء قدموا إلى غزة ضمن وفود ضمت جراحين أجانب. وبالتأكيد، فإنه لن يخرج عبر معبر «بيت حانون ــ إيريز» الخاضع للسيطرة الإسرائيلية، خوفاً من اعتقاله.
وتؤكد مصادر عديدة أن الموافقة على أي تحويلة للخارج، سواء كانت إلى الأراضي المحتلة أو مصر، مرهونة بموافقة الأجهزة الأمنية التابعة لرام الله، وبالتحديد جهازي الأمن الوقائي والمخابرات، ويكون الرفض هو الرد المتوقع في حال ثبوت أن الجريح من المقاومة.
إذا كانت هذه حال المقاومين، فإن ثمة ما يفسر النتيجة التي يصلون إليها بطريقة أو بأخرى، لكن آلاف المدنيين ممن استهدفهم العدوان تستمر معاناتهم ويحرمون من السفر بلا سبب مقبول. من هؤلاء: هبة أبو جامع، وهي من خان يونس جنوب القطاع. الفرق الوحيد بينها وبين محمود أن الأخير يعرف مسبقاً رفض كل الجهات منحه فرصة العلاج بالخارج وتهمته «مقاوم»، في حين أنها تعتبر إحدى ضحايا المماطلة والتسويف في «دائرة العلاج في الخارج».
تقول أبو جامع (45 عاماً): «أمعائي كلها تقصقصت ومش قادرة أحصل على تحويلة للعلاج في إسرائيل أو حتى في مصر، لا أنا مقاومة ولا ولادي كمان، بس الموضوع كلو إنو ما عندي واسطة ومحسوبية»، مشيرة إلى أنها تسعى إلى الحصول على التحويلة منذ ما يزيد على ستة أشهر. وتسرد أنها أصيبت في بطنها بسبب شظايا قذيفة دبابة قصفت بيتها، وبقيت على أثرها عشرين يوماً في العناية المركزة، كما خضعت لست عمليات. وتضيف إن الأطباء يضطرون إلى استئصال «الأجزاء المتعفنة» من أمعائها نتيجة التهابات شديدة تصيبها عقب كل عملية، وهو ما يجعلها في أمسّ الحاجة إلى العلاج في مستشفيات الأراضي المحتلة أو مصر، وخاصة بعد فوات فرصة العلاج في تركيا، لكنها حتى الآن لم تحصل على التحويلة برغم حصولها على «نموذج رقم 1» الذي يؤهلها للخروج.
وفي بيتها، فإن هبة التي هي أم لسبعة أطفال، تتولى ابنتها الكبرى داليا (14 عاماً) تدبير المتطلبات المنزلية، عوضاً عن أمها التي أصبحت طريحة الفراش، لا تستطيع الحراك أو أن تؤدي أي أعمال قد تكون كفيلة بإزهاق روحها. تضيف تلك المرأة: «رام الله وإسرائيل وحماس وكل العالم بيتعاملوا معنا على أننا ناس من الدرجة التانية... لو في إلنا واسطة كان قدرت اتعالج برا، لكن أنا بنتظر مصيري يا إما بموت بين اولادي أو بين إيدين الدكاترة في المستشفى بعد ما يخلصوا تقطيع بأمعائي».
ومن بين عشرة آلاف إصابة في الحرب الثالثة، فإن نصفهم (خمسة آلاف) جريح يعانون إعاقات دائمة تتقدمها الإعاقات الحركية والعجز عن المشي. ويذكر مدير وحدة «العلاج في الخارج» في وزارة الصحة، يحيى خضر أن 700 فقط تلقوا العلاج في دول خارجية غير مصر، مثل تركيا واليونان وألمانيا، لكنه يلفت إلى أن ثمة 100 جريح مهددة حياتهم بالخطر إذا لم يستطيعوا السفر.
ورداً على اتهامات الناس، قال خضر إن «إجراءات التحويلات تجري على أكمل وجه في غزة»، ملقياً اللوم على وزارة الصحة في رام الله بـ«وضع العراقيل وإعاقة تحويلات غزة، لأسباب سياسية بحتة». في المقابل، اكتفت مصادر في «العلاج في الخارج» في رام الله بالتطرق إلى أن المشكلة لها علاقة بالأزمة المالية التي تعانيها السلطة وتعجزها عن سداد رسوم العلاج للدول، إضافة إلى أن «حالات كثيرة ليست بحاجة إلى التحويل، لكنها تبعاً للواسطة تسافر»، وهو ما يثقل كاهل وزارة المال في رام الله، كما تقول المصادر.