«أنجاد أمجاد، ذوو ألسِنَة حداد». دَعْفَل الشيباني في وصف آل البيت: من رسالة الجاحظ «في علي بن أبي طالب وآله من بني هاشم»

«كان أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما أعظمه عندي صغر الدنيا في عينه»
ابن المقفع: «الدرة اليتيمة»


لمن غنيت يا كاسترو إلفيس؟ سأل شاعر تشيلي الفذ بابلو نيرودا في قصيدته عن شاعر البرازيل العظيم؟(1) «للمستعبدين على متن سفن الجحيم»، أجاب إلفيس: «لأبطال العالم الجديد». كان كاسترو إلفيس «شاعر المستعبدين» بحق، وشاعر المقاومة والتمرد على العبودية بجدارة.
كان شاعراً فذاً بقضية واحدة فقط (إلغاء العبودية)، لكن قضيته حينها كانت قضية العالم أجمع، وليس البرازيل فقط. كانت أم كل القضايا في عصره، تختصر كل ما عداها ولا يختصرها شيء. لم يكتب عن الحب والأزهار والطبيعة - «إنها لجريمة حقاً»، قال برتولد بريخت مرة، «أن تتحدث عن الأزهار الجميلة حين يكون هناك بشر يُقتلون». فحين كتب إلفيس (قصيدة «القرن») لأهله في البرازيل، ولكل من كان يقطن الإمبراطورية البرتغالية، يحذرهم: «مليون قرن من الزمن ينظر إليكم»، كان يعكس حساً تاريخياً وسياسياً فذاً لم يعرفه أي شاعر آخر حينها.

فعدا كل العبقرية والخيال الشعري المذهل والخصب، كان الفيس يعرف أن العالم على وشك الانقلاب رأساً على عقب، والأهم، كان يعرف (وربما كان الوحيد بين كل شعراء أميركا اللاتينية حينها) أن قضيته الكبرى، «إلغاء العبودية»، تحمل في ثناياها بذور تغيير العالم. كان يرى الأفق ويرى المستقبل (قصيدة «أميركا») كما لم يره أحد غيره من الشعراء، لهذا كان المستعبدون في شعره فقط هم «أبطال العالم الجدد» و«أبطال العالم الجديد».
لم يكن إلفيس شاعراً فذاً فقط، أو حتى مناضلاً عظيماً أيضاً: رجل واحد ووحيد يحمل في بلده لواء قضية العالم الأولى والأهم حينها و«يفرضها على أجندات السياسيين» وينتصر (2). رجل واحد ووحيد يصبح صوت كل المضطهدين والمستعبدين في بلاده وينتصر (لم ينشر شعره في دواوين حتى يقرأها أبناء النخب وطلبة الجامعات. كان يقرأ شعره للعمال والفقراء والمستعبدين في الحقول وفي الشوارع وعلى أرصفة الموانئ، ولم تنشر في دواوين إلا بعد وفاته). كان إلفيس فوق كل ذلك «الأعجوبة» الفذة التي أنتجتها عبقرية الشعب البرازيلي في مقابل وحشية العبودية التي كانت «تسحق روح البشر»، كما كتب الروائي البرازيلي جورجي أمادو: «وفي أحد الأيام، ابتدع الشعب الأسود في البرازيل، المستعبد الشقي، أعجوبة كاسترو الفيس الشعرية. لقد كان هذا شعباً لا يستطيع الكلام، فجعل يفتش عن صوت ليعبر بواسطته عن أفكاره. وأنتج أجمل الأصوات» (3)
أما عندنا، فلقد تجلت عبقرية فلسطين وعبقرية شعبها وتاريخها وثقافتها وعبقرية كفاح أبطالها في أعجوبة واحدة اسمها ناجي العلي، وحده دون سواه. فكل ما عداه من شعراء ومفكرين ومثقفين وفنانين وسياسيين وقادة «كانت صفاتهم أكبر من ذواتهم»، وكانت فلسطين وقضيتها هي من أعطت لهم «وزناً فوق وزنهم». حتى محمود درويش اعترف بذلك في إجابته على سؤال الناقد العربي الفذ منير العكش: «تصور أنك ولدت في مكان آخر غير الوطن المحتل، ألن يكون لك وزن آخر في الشعر العربي؟». هذا لا يعني أن محمود درويش ليس شاعراً استثنائياً يندر تكرار موهبته وصفاته الشعرية. لكن الشعر «كان ولا يزال الوجه الأكثر نضرة وإشراقاً بين كل نشاطاتنا الثقافية» العربية.


في رسم واحد قد يبدو بسيطاً لكل من يراه، تجده يجمع بين عبقرية مونتسكيو وإبداع ابن المقفع
والأهم، عندنا نحن العرب، يبقى «الشعر وحده هو نتاجنا الإبداعي الذي يتسم بتواتر لا انقطاع فيه... استمرار لمسيرة تاريخية ما زالت تحمل حقائبها وتسافر». لهذا يقول درويش: «أنني أطمح إلى أن اصدق بأن الصدفة لم تخلقني وحدها، ولكنها عجلت عمر وصولي الى الناس. لقد سهلت علي عملية تقديم نفسي وتنميتي. وهنا نلاحظ مفارقة غريبة: انني مدين للمصادفة ولكنني متمرد عليها» (4)
إلا ناجي العلي. فلم تكن صفة ناجي المبدع والفنان أبداً أكبر من ذاته في أي لحظة على الإطلاق. فلقد كان الأول، وكان الأفضل وكان الأكثر إبداعاً بما لا يقاس. كان الأكثر عبقرية والأكثر موهبة بلا منافس، بل وبهامش هائل يفصله عن الجميع في النوع الفني الجديد (على العرب وعلى مجال السياسة) الذي حوّله لسلاح فتاك في معركة شعبه في الدعاية والتحريض والتوعية والنقد والسرد بطريقة لم يعرفها العرب مسبقاً مطلقاً، بغض النظر عن أي وزن أضافته له فلسطين وقضيتها. لهذا، كان بحق أعجوبة عبقرية فلسطين وكفاح شعبها بامتياز. كان ناجي، أيضاً، الراوي الأكثر أمانة والأكثر سلاسة والأكثر وضوحاً والأكثر شمولاً والأكثر نضوجاً والأكثر فهماً لمأساة شعب فلسطين، وكان كذلك الأكثر إحساساً بمعاناة أهلها والأقرب إليهم. وبرغم ازدحام حقل الرواية وبرغم كثرة الرواة، كان ناجي الراوي الوحيد تقريباً من بين كل طبقة الرواة الاولى الذي لم يساوم أحداً ولم يداهن قائداً مطلقاً حين تعلق الأمر بحقنا في كل ذَرّة من تراب فلسطين. لهذا أصبح ضميرنا الذي يُعَنِّفُنا إن تعبنا أو ضعفنا أو حتى فكرنا بالتخاذل في لحظة وَهْن أو نوبة يأس- يكفي لأي متخاذل أن يرى رسماً واحداً حتى يخجل من نفسه، فناجي كان يرسم بنصل سكين استشهادي، لا بريشة رسام. وسردية ناجي عن فلسطين لم تترك بُعْداً مهما صغر أو كبر إلا واستكشفته بتفصيل وفككته حتى النهاية (الدولي، العربي، الفلسطيني، القومي، الاجتماعي، الخ). والأهم، سردية ناجي عن فلسطين، كانت قصة فلسطين ومأساة شعبها كما عاشها (ويعيشها) وكما رآها (ويراها) أكثرنا فقراً وأكثرنا استضعافاً وأكثرنا اضطهاداً وأكثرنا مظلومية، وأيضاً أكثرنا حباً لفلسطين وتعلقاً بأرضها– لم تكن صدفة أن «فاطمة»، المرأة الفلسطينية الفقيرة بالذات، هي الشخصية الوحيدة من بين كل شخصيات ناجي العلي التي لا تضعف ولا تتعب ولا تُخْدَعْ أبداً، حتى حين يتعب أو يضعف أو يُخْدَعُ زوجها وكل من حولها. لهذا كَسَّرَتْ سردية ناجي، وبسهولة مدهشة، كل أوهام أيديولوجيا المهزومين والباحثين عن الدولة المسخ وفككت سخافة دعايتهم ببراعة. فناجي كان يرى الأيديولوجيا والمصالح والسياسة والدعاية خلف كل ما يقولون ووراء كل ما يفعلون وجعلنا جميعاً نراها بوضوح الشمس.
وفوق كل ذلك، كانت فلسطين هي قضية ناجي الأولى والأخيرة والوحيدة. كانت فلسطين قضيته العامة وكانت فلسطين قضيته الخاصة، كما ينبغي أن تكون لكل فلسطيني. ففلسطين تبدو عنده كأنها قضية العصر وقضية العالم بمجمله، وليست قضية أهلها أو حتى قضية وطننا العربي. ففلسطين عنده تختصر كل القضايا وتختزل كل الأهداف وتختزن كل الدلالات (في الوطن العربي وفي العالم، ومن أصغر مخيم إلى البيت الأبيض). لهذا كانت فلسطين عنده أم كل القضايا وميزان الذهب الذي يزن به كل شيء ويحكم به على كل شخص. كان يعرف أن فلسطين هي كلمة السر في هذا العالم. هي البداية وهي النهاية. كل شيء في هذا العالم يبدأ عندها وكل شيء ينتهي فيها. عرف أن حريتها تحمل في طياتها بذور تغيير هذا العالم. تحمل في ثناياها تأكيداً أن هذا الليل لا يمكن أن يكون أبدياً. تحمل في أحشائها تأكيداً بوجود شمس. كان مثل كاسترو إلفيس البرازيلي بعبقريته، وبصيرته، وجماله، وشجاعته ونبوءته. سقط وهو يرى ما لا يراه ولن يراه أبداً من «ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ابصارهم غشاوة». سقط وهو يرى عالماً جميلاً رائعاً يلوح هناك في الأفق يستحق حقاً أن يموت الإنسان من أجله.
مع كل رسم جديد، كان ناجي يكسر حدود الإبداع ويعيد تشكيلها من جديد، فتبدو أبعد مما يمكن لأي مبدع أن يحلم. مع كل رسم جديد، كان ناجي يعيد تعريف معنى مفردة «الموهبة» الفذة، فتغدو أصعب مما يمكن لأي موهوب حقاً حتى أن يتخيل. ففي رسم واحد فقط، قد يبدو بسيطاً لكل من يراه، تجده يجمع بين عبقرية مونتسكيو (الرسائل الفارسية) وإبداع ابن المقفع (كليلة ودمنة). فحين احتجت السفارة الأميركية في الكويت على رسومات ناجي العلي (في جريدة القبس الكويتية) وطلبوا منه أن لا يذكر اسم أميركا مرة أخرى في رسوماته، عاد إلى بيته ورسم اللوحة المدهشة: «تسقط جارة كندا».
رغم كل ذلك، لم تكن الموهبة الفذة أو العبقرية والإبداع وحدها سر جاذبية ناجي العلي ورسوماته فقط، بل، وربما أكثر أهمية، شجاعته الفائقة كذلك. كان فكتور جارا، الشاعر والمغني والشهيد التشيلي، ورفيق سلفادور أليندي محقاً:
«الأغنية التي تُغنى بشجاعة،
ستظل أغنية جديدة إلى الأبد».
تسقط جارة كندا.
* كاتب عربي