قبل أعوامٍ، وبعد استشهاد ناجي العلي في لندن، نحت شربل فارس تمثالاً للراحل (من الفايبرغلاس والبوليستر والمعدن) ووضعه على مدخل مخيّم عين الحلوة الشمالي (في الشارع التحتاني تحديداً)؛ باعتباره أثراً لفنانٍ شهيد اعتبر المخيّم بيته الأوّل والأخير حتى عودته إلى قريته الشجرة في فلسطين. لم يدم التمثال لأكثر من أشهر. أطلق النار عليه (نعم أطلق النار أسفل عين التمثال) ثم سحل في الشارع، أعاده أحباء ناجي إلى مكانه بعد إصلاحه، إلا أنه سرعان ما عاد واختفى.


هل كان المخيّم يكره ناجي؟ يعرف الجميع في عين الحلوة من هو ناجي العلي وماذا يمثّل. لذلك لا يمكن لأحدٍ أن يكرهه. فقط أولئك المتلمقون لأصحاب النفوذ والسلطة يكرهونه، لأنه لم يوفّرهم أبداً. لذلك حدث ما حدث للتمثال (رغم أنّ جماعاتٍ «تكفيرية» اتهمت بالأمر).
مرةً أسرّ ناجي لأحد أصدقائه بأنه ضاق به الحال من أحد «المستزلمين» الكبار في المخيّم. أشار عليه صديقه بأن يتحدثّ مع أبو فلان أو أبو علان (من الزعماء المحلّيين في تلك المرحلة). رد ناجي الغاضب السريع كعادته كان الجواب الشافي: «بدك ياني أشحد من هدول؟ يا ويلي». ناجي ذهب إلى ذلك المستزلم وواجهه؛ ومن الواضح أنه لم يحدث للكاريكاتوريست الفلسطيني الأشهر أي شيء. لم يكن ناجي ليهادن أو يمرر أو حتى يسامح في حياته.


فاطمة كانت تشبه أي امراة فلسطينية من المخيّم
مرةً أسر لنا الشاعر الفلسطيني الكبير عز الدين المناصرة بأنه وأصدقاء مشتركين بينه وبين ناجي، عرفوا بأنّ الأخير كان مدعواً إلى العشاء عند الرئيس الفلسطيني الراحل أبوعمّار، فقرروا ممازحته بأن يمثلّوا عليه بأنه «خان» أفكاره وباع نفسه للسلطة. لذلك، بدأوا بالخروج حال وصوله إلى المقهى الذي يجلسون فيه، فاستشاط غضباً وبدأ بالصراخ فيهم، بأنه لن يخون «المخيم» الذي أتى منه، وبأنه سيبقى ناجي العلي ذا البوصلة المحددة الواضحة. خرج ناجي من المخيّم وتغرّب عربياً وغربياً، لكن المخيّم لم يخرج من ناجي يوماً. بالعكس، كان كل يومٍ أقرب إلى المخيّم من كثيرٍ من «زعماء» ادّعوا يوماً بسلطتهم على القضية الفلسطينية. عاش ناجي 51 عاماً (تقريباً)، اهتدى إلى «أثيره» حنظلة في عام 1969، وكتب مقدّمةً مدهشةً تشرح قدومه. كان كأي رسام «كوميكس» يقدّم شخصيته «البطولية» للآخرين كي تكون «رمزاً» له ولهم. كان حنظلة يقول ما لا يستطيع ناجي قوله، ويحكي ما يخشى الرسام البوح به. كان حنظلة شبيهاً بـ «الرجل الوطواط» لبوب كاين وبيل فينغر، و«كابتن أميركا» لستان لي، و«تان تان» لهيرجيه؛ فكما كانت هذه الشخصيات رمزاً لأميركا وفرنسا؛ كان حنظلة رمزاً لفلسطين وللمخيمات. كان مؤثراً إلى هذا الحد: شديد الالتصاق بالناس الذين يشبههم ويحادثهم ويتحدّث عنهم. يشبه أي طفلٍ يمكن مشاهدته في أزقة المخيّم الضيقة (الشعر القصير للغاية الذي كانت «تفرضه» مدارس الوكالة/ الأونروا؛ الثياب الممزّقة التي لطالما ارتديناها في الأزقّة وخصوصاً تلك المرقّعة؛ وأخيراً عدم انتعال حذاء). فاطمة ومحمد والفدائي وأبو اللوز وأبو الهمم الشخصيات الأخرى من رسوماته كانت تنضح «محليةً» وعالميةً في الوقت ذاته. فاطمة كانت تشبه أي امراة فلسطينية من المخيّم (وأي امرأة من الأحياء الفقيرة في أيٍ من المدن العربية)، وكذا كان الفدائي ومحمد؛ فيما أبو اللوز وأبو الهمم بكروشهم الكبيرة وثيابهم الثمينة كانوا يقدمون صورةً عن «المتسلقين» و«الانتهازيين» وحتى «المثقفين الكَتَبة» في أي زمانٍ ومكان.
من كان يعرف ناجي إبان حياته، يعرف كم كان حنينه كبيراً لأهله وأصدقائه في مخيّم عين الحلوة. يعرف كم ارتبط بالمخيّم وأهله. كم كان عين الحلوة يعني له حين ترك كل شيءٍ في بيروت خلفه إبان اجتياح عام 1982 وذهب إلى مخيّمه وخرج منه بأعجوبة بعدما ظنَّ زملاؤه في الرحلة بأنه قد استشهد. اليوم؛ يقبع مخيّم عين الحلوة تحت النيران من جديد؛ تتغيّر مسميّات القتلة، وحده حنظلة لا يزال ينظر إلى ما يحدث، وينظر صوب فلسطين في انتظار عودته، لا أكثر ولا أقل.