بينما كانت الرصاصة تقطع الطريق من فوهة المسدس إلى رأس ناجي العلي، كانت رصاصات أخرى تطلق على مشروع تحرر وطني، على فلسطين التاريخية وعلى ملايين الفلسطينيين خارج الوطن المحتل وداخله. في واحدة من رسومات العلي، يظهر أحد الإسرائيليين وهو يصلي «اللهم ثبت شرعيتهم وأكثر من قادتهم واجعل زعماءهم بعدد المستوطنات.. لنطمئن إلى الأبد!».


الوعي، هو أخطر ما يمكن أن يتصوره أي مستعمر أو أي سلطة شمولية، فالمطلوب إنسان خانع بلا وعي ولا كرامة، ووجود العلي لم يكن في مصلحة أي من اللاعبين وقتها، لا الاحتلال ولا بعض القيادات الفلسطينية التي فرطت بالحق الفلسطيني، ولا حتى الأنظمة العربية التي كثيراً ما لعبت دور المتواطئ. كان يواجههم جميعاً عارياً إلا من أقلامه وصفحاته البيضاء، وكان هذا كافياً لزعزعتهم ودب الرعب في قلوبهم. فنان يقلب الطاولة على الجميع ويرحل قادراً على مطاردتهم حتى بعد ثلاثة عقود على رحيله.


ابن المخيم حافي القدمين
لا أحد تواجد في فلسطين كما يتواجد فيها الآن


كانت مهمته أن يرى عيوبنا، كفلسطينيين وعرب، مهنته النقد وهذه مهنة صعبة في مجتمعات تخاف النقد وتحاربه وتشيطنه. نقد البيت الفلسطيني السياسي وحتى الثقافي كان من أولوياته. لطالما فضح الزيف والفساد، ووضع العراقيل أمام الصورة التي كانت تريد ايصالها النخب السياسية (المعصومة عن الخطأ) أو حتى النخب الثقافية التي «يحق لشاعرها ما لا يحق لغيره». كان مرآتهم التي أجبرهم أن يروا فيها عيوبهم، وهذا كان يكفي ليخلق له الكثير من الأعداء. لم يكن لديه آلهة ولا رموز ولا خطوط حمر، لا يعرف سوى خط أحمر وحيد هو التطبيع والحديث مع المحتل. كان عدو الأنظمة المسيطرة وتلك الخانعة، ضد المنظومة الفلسطينية الآخذة معالمها بالتشكل في الثمانينيات، وضد كل المؤسسات ما دامت فاسدة وذات بوصلة معطوبة؛ كأناركي يقف وحيداً في مواجهة من تحولوا إلى سياسيين ورجال أعمال، ومنتفعين على شكل موظفين وعمال مياومة، هو الناجي بكرامته، خلافاً للناجين بالسلطة والمال. كان يخاف المال وينظر إليه كمفسدة تحرفه عن طريق النضال. لم يفكر يوماً بسلطة ولا بأضواء، الفنان الذي شغل العالم العربي قاطبة، قلما نجد له حوارات في جرائد أو لقاءات مصورة، إذ كان يعيش لمهمة واحدة متمثلة في مقاومة المحتل وفضح الضعف والعهر السياسي الذي لطالما كان أداة لذاك المحتل.
لهذا نجده الآن حاضراً في كل شوارع فلسطين، ابن المخيم حافي القدمين لا أحد تواجد في فلسطين كما يتواجد فيها الآن؛ أيقونة للكرامة والمقاومة لا الخنوع والاستسلام.
من قتل ناجي العلي سؤال قد يهم عائلته، وخارج ذلك تتضاءل أهمية الإجابة عليه. لا يهم فعلاً أن نعرف من قتل ناجي العلي بالتحديد، أو تفصيل إلى من تنتمي الرصاصة الغادرة، قُتل الفنان من الخلف حاله كحال شعب بأكمله ما زال يقتل من الخلف منذ أكثر من ٧٠ عاماً بأدوات وجهات مختلفة كلنا يعرفها. من استهدف ناجي العلي كان يستهدف الوعي الفلسطيني والعربي. لكن هذا الوعي الذي حورب بالرصاص والمؤسسات على مدى عقود سيبقى قادراً على مفاجأة خصومه دائماً، ستندلع الانتفاضة الفلسطينية الأولى بعد بضعة أشهر على اغتياله، قبل أن تخمدها كروش لطالما ظهرت في رسومات الفنان، ذاتها الكروش التي ما زالت تتحكم حتى الآن بمصير شعب تم تشريده وسرقة أرضه. لكن هذا الوعي سيظل يطاردهم، نصادفه كل يوم في أزقة وشوارع الوطن المحتل، شهدناه الشهر الماضي في ساحات القدس «يدق ساري علم فلسطين في تراب الوطن» متمثلاً بجيل جديد يرفض الهزيمة و«الحلول السلمية» التي طحنت الكرامات وضيّعت الحقوق. جيل كان للتو قد دخل العالم فاتحاً أعينه الحمراء على حديد يحرث السماوات والأرض؛ بينما كان العلي يرقد في مشفاه في لندن واثقاً بأن «هناك من سيواصل الطريق».