الزمان: 20 كانون الثاني 2012. المكان: آخر نقطة من منطقة مشاريع القاع على الحدود اللبنانية ـــ السورية، وعلى بعدِ أمتارٍ من «معبر الجورة» غير الشرعي.

كان الربيع قد أتى باكراً في ذلك الشتاء، والحقول خرجت من كبوتها خضراء ساحرة. «أبو أحمد»، راعي الماشية وابن مدينة القصير، حوّل مزرعته المليئة بالخراف إلى مخبأ آمن لمجموعة من المسلّحين السوريين، ومنطلقاً للعمليات ضد مواقع الجيش السوري في المنطقة. لقاء 30 ألف ليرة لبنانية، دلّ صاحب دكّانٍ قريب فريقاً صحافيّاً على «وكر الثوار»، المختبئين كالذئاب بين الخراف.

حتى إن دوريةً للجمارك اللبنانية أرشدت الصحافي والمُصوّرة (في إحدى الوكالات الأجنبية الشهيرة) إلى الطريق الترابية التي تصل مزرعة أبو أحمد بالطريق الدولية.
الراعي الثريّ مضياف على طريقة أبناء العشائر. كريمٌ، إلى درجة إقناعه «الثوار»، من الأقرباء والضيوف، بالظهور أمام الكاميرا، ورواية «مغامراتهم» في «الثورة السلمية» داخل القصير، شريطة إخفاء الوجوه وعدم ذكر مكان التصوير. لكن الكاميرا مغرية بلا شكّ، وبطولات «التظاهر السلمي» لا تقارن بالعمل المسلّح. سرعان ما اقتنع «الثوار» بالحديث عن «الدسم»، بدّلوا ثياب الرعاة بالبزات العسكرية الهجينة، وأحضروا رشاشاتهم وقاذف «آر. بي. جي.» وبعض القنابل والألغام، وبدأت المقابلة.
في ذلك الحين، كان فريقٌ من اللبنانيين قد وقع فريسة وهم إسقاط سوريا، فتورّط في الدم السوري ولعبة إغراق الداخل السوري من الحدود، سلاحاً ومالاً وإمداداً لوجستيّاً وعلاجاً للجرحى واستيراداً للنازحين وتحريضاً مذهبيّاً... من وادي خالد وطرابلس، إلى القاع وعرسال، إلى مجدل عنجر وشبعا.
دقائق من اعترافات «ثوّار الجيش السوري الحرّ» أمام العدسة، ويتجاوز عدد «جنود الأسد (الرئيس السوري بشّار الأسد)» المقتولين أصابع اليد، والشبّان الصغار يروون حكاياتهم بدم بارد. فجأة، يهجم أربعيني إلى المضافة الصغيرة، هلعاً، يخطف الكاميرا ويركض إلى الخارج، ولا يجرؤ أحدٌ على الحركة. «أبو حسن، أبو حسن، وين رايح؟»، ينده المضيف عالياً، وهو يهمّ بالنهوض من الأرض، ثمّ يلحق بالرجل الغاضب إلى الخارج، ويعلو الصراخ، فيخرج الجميع. إنه «أبو حسن»، «المشغّل» العرسالي «المدعوم»، وراعي المسلّحين في تلك البقعة، ويعرف مصلحتهم أكثر منهم. خاف الرجل أن تنكشف المجموعة، فأراد تحطيم الكاميرا، متّهماً الصحافي والمصوّرة بأن حزب الله أرسلهما لتصوير مجموعته، بعد أن اكتشف من بطاقتي هويتيهما اللبنانيتين أنهما ينحدران من محافظتي النبطية وصور. بعد مفاوضات شاقة ومرعبة، اقتنع أبو حسن بأن يحطّم «حافظ الذاكرة» فحسب. وحتى تبيان «الحقيقة»، استبقى الصحافيين في حكم المعتقلين... أو المخطوفين.


مقيتة رؤية «أبو عجينة» على شاشة تلفازٍ مجدداً، بعد كل هذا الخراب والقتل


يمرّ نصف ساعة، والخاطف يحاول الاتصال بأحدٍ ما، والمسلّحون «القتلة» يحاولون تهدئة روع «معلّمهم» حتى لا ينقل «الجاسوسين الزائفين» إلى داخل مدينة القصير، نواة «إمارة حمص» المستقبلية لـ«تنظيم القاعدة». يعود أبو حسن بعد حين من وقفته الجانبية خائباً، بعد تلقّيه الاتصال المنتظر، ويقرّر الافراج عن المخطوفَيَن. كيف؟! ولماذا؟ المهمّ السلامة.
لاحقاً، يتبيّن أن أبو حسن من رجال علي الحجيري، رئيس بلدية عرسال السابق، المعروف باسم «أبو عجينة»، وذراع تيار المستقبل في المنطقة. لكنّ الاتصال/ «كلمة السّر» التي أفرجت عن المخطوفَيَن، كانت بتوقيع وزير الاتصالات الحالي ونائب تيار المستقبل في البقاع الغربي، جمال الجرّاح.

■ ■ ■


مقيتة رؤية «أبو عجينة» على شاشة تلفازٍ مجدداً، بعد كلّ هذه السنوات، وكل هذا الخراب والقتل، ودم الجنود اللبنانيين وأهالي عرسال والقرى المحيطة، المقتولين غيلة وظلماً. والمقزّز أكثر، رؤية رئيس الحكومة سعد الحريري مصافحاً إياه باسماً، وإلى جانبه في مؤتمر صحافي، بعد جولته الأخيرة في جرود عرسال، التي حرّرتها المقاومة من إرهابيّي «أبو عجينة» ذاتهم.
كيف يمكن للحريري أن يثبت للبنانيين أنه نادم على ما تورّط فيه وتيّاره، ومعه حزب القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي وآخرون، يوم احتضنوا «جبهة النصرة» و«داعش»، وسوّقوا للإرهابيين إعلامياً وغطّوهم أمنيّاً ودعموهم بالمال و«الحليب» و«البطانيات»، وبقوا حتى الأمس القريب يراهنون على قلب النظام في سوريا وتغيير المعادلة في لبنان، و«أبو عجينة» نجم إطلالة الحريري؟

■ ■ ■


يوم كوّم إرهابيّو جرود عرسال جنود الجيش اللبناني الجرحى في شاحنة في شباط 2013، غطّى فريق 14 آذار «الحادثة» كأنها فعلٌ عابر، وكان بينهم الشهيدان النقيب بيار بشعلاني والرقيب أوّل إبراهيم زهرمان. يومها، كان الجيش اللبناني ممنوعاً من توقيف مسلّح واحد من «المعارضين»، بضغطٍ من الأميركيين والفرنسيين، وتآمر 14 آذار. قيل لقائد الجيش السابق جان قهوجي، وبموافقة الرئيس السابق ميشال سليمان، فـ«ليحمِ الجيش نفسه، لكن اتركوهم. ممنوع ضبط الحدود». ثمّ يوم أُوقف الإرهابي عماد جمعة، مطلع آب 2014، بطلب أميركي، بذريعة أنه يحضّر «عملاً إرهابياً» ضخماً، لم تأخذ السلطة السياسية، والرئيس تمام سلام وحكومته، بالتحذيرات التي وصلت عن عملٍ انتقامي ضدّ الجيش والقوى الأمنية في عرسال. تُرك الجنود لحتفهم وأسرِهم، وتُرك «أبو عجينة» و«الشيخ» مصطفى الحجيري، «أبو طاقية!!»، لخداعهم، ووعدهم بترك الأسرى، حالما يغادر المسلّحون البلدة إلى الجرود. مذنب من قَبِل بهذه الخدعة، لكنّ سلام، ومن خلفه الحريري، مذنبان أكثر، حين ضغطا على قهوجي لوقف المعركة. ومن لا يذكر انزعاج رئيس الحكومة وقتذاك من استخدام الجيش لراجمات الصواريخ من النبي عثمان واللبوة، ضد المسلّحين في الجرود؟

■ ■ ■


انتهت لعبة الإرهاب. وصار الجميع في «خندق» واحد. طبعاً، لم يعد باستطاعة فارس سعيد وإيلي ماروني وعاصم عراجي وأنطوان سعد وطوني أبو خاطر وزياد القادري وشانت جنجنيان وأمين وهبي وإدي أبي اللمع أن يحجّوا إلى عرسال كما حجّوا في الماضي، لتغطيّة إرهابيي الجرود بحجّة دعم البلدة في وجه «بطش» حزب الله. يبحث هؤلاء وغيرهم عن أقرب خندق «ضد الإرهاب» ليرموا أنفسهم فيه، علّ اللبنانيين يفقدون ذاكرتهم. لكن «غوغل» لا ينسى.
هل تذكرون أحمد الأسير؟ ومن غطّاه ومن حماه؟ هذه حكاية لوحدها. وشادي المولوي أيضاً. «يتحامقون» في السياسة والأمن، ويدفع الجيش والمقاومة واللبنانيون الثمن. ثمّ لا يعترفون. ويرمون أنفسهم في الخندق الجديد.

■ ■ ■


الآن، استفاق الأميركيون والبريطانيون على دعم الجيش بالأبراج والتحصينات والسلاح، الذي يكفي لقتال الداخل طبعاً، ولا يساوي «سنتاً» ضدّ إسرائيل. لأن هناك من كان سبّاقاً لبذل التضحيات وقتال «العدو» حيث يبني قواعده، في القصير وحمص والقلمون والقنيطرة والزبداني وريف دمشق وغيرها. لكن «14 آذار»، أو ما تبقّى منها، تبني رهاناً جديداً على ما يبدو. يزايدون على المقاومة بإنجاز الجيش، وكأن هناك فريقين، سيتنافسان في المستقبل، أو يتقاتلان، على أفضلية الدور وشرعيّته. واهمون.