لم يُظهر ملف «سياسات الإدارة المتكاملة للنفايات المنزلية الصلبة في لبنان» و»الخطة التنفيذية»، الذي رفعته وزارة البيئة الى الأمانة العامة لمجلس الوزراء وإلى مقام مجلس الوزراء في 25/7/2017 وفي 17/8/2017، أن هناك مشروعاً متكاملاً لحل مشكلة النفايات على المديين الطارئ والمستدام، كما توحي بعض العناوين فيه. كما لم يوحِ حجم الملف الذي تتجاوز صفحاته المئة وعشر بأن ما عرض مطروح للمناقشة في مجلس الوزراء!


ربما هي «أفكار» طرحت للتداول أو لاستمزاج الآراء تمهيداً لعرض شيء آخر أكثر عمقاً وشمولية وقابلية للمناقشة والتطبيق. وقد ظهر حجم الإرباك الذي تعانيه الحكومة عامة ووزارة البيئة وكل المعنيين بشكل أو بآخر في إدارة هذا الملف، أنه تم ربط «المشروع» المقترح مع قرار مجلس الوزراء الرقم 19، الصادر بتاريخ 27/4/2017 والذي تمحور آنذاك حول تشكيل لجنة وزارية برئاسة رئيس الحكومة لدراسة مسودة ملف تلزيم مناقصة التفكك الحراري وتحويل النفايات إلى طاقة الذي أعده الاستشاري «ريمبول». وقد بقيت الإشكالية المطروحة حول أي منطقة سيخدم هذا المشروع (الذي يمكن أن يتضارب أيضاً مع خيار بلدية بيروت المستقل) وحول الموقع المختار العائد لمركز التفكك الحراري، وهو ما كان يجب تحديده قبل إطلاق المناقصة، مع العلم بأن رئيس بلدية بيروت بدأ بجولات على السياسيين لإمرار مشروعه، بالتزامن مع التحضير لحركة شعبية واسعة في منطقة المدور وجوارها رفضاً لإنشاء المحرقة.


كيف يمكن تبرير العودة إلى الخطط والمقترحات القديمة التي فشلت؟


وبالرغم من أن ملف وزارة البيئة المرفوع الى مقام مجلس الوزراء تضمن آخر قرار حكومي حول هذا الملف والمتعلق بقضية التفكك الحراري، إلا أن مشاريع خطط الوزارة الجديدة لم تتطرق الى هذا الملف، لا من قريب ولا من بعيد، لا سلباً ولا إيجاباً، لا للتبرير ولا للتحذير (كما كان متوقعاً، بحسب الرأي الذي قدمته الوزارة حول دفتر شروط معمل التفكك الحراري، نشر ملخصه في صفحة «بيئة» في «الأخبار» في 10/3/2017، بالإضافة إلى 14 ملاحظة على هذا الخيار)!
وبالرغم من تطرق «الخطة التنفيذية» المقترحة الى الخطة الطارئة الحالية، وإحالة وزارة البيئة ما سمته «تدابير آنية واستباقية لبيروت وجبل لبنان تهدف الى معالجة التحديات الحالية التي يعانيها القطاع والوقاية من أي أزمة نفايات مرتقبة»، فإن الخطة لم تعمد الى تقييم الخطة الطارئة الحالية، متبنية فقط الآراء التي تقول إن القدرة الاستيعابية لموقعَي الكوستا برافا وبرج حمود ستنتهي قبل أوانها، ويفترض إيجاد البدائل السريعة... وقد تم شطب الأسباب والتبريرات من النص بشكل غير مفهوم! مع الإشارة الى الأخطاء في توصيف الخطة الحالية، إذ اعتبر معد التقرير والخطة الجديدة أن هناك مركزين في الكوستا برافا ومركزاً في برج حمود، في حين أن الواقع هو العكس تماماً. كما لم يشر التقرير أو الخطة الجديدة الى المشاكل التي رافقت هذه الخطة، ولا سيما في الجانب الذي جعلها تنتهي قبل أوانها، وهو الفشل في تطوير معامل الفرز ومعمل التخمير لزيادة الكميات التي تذهب إلى الفرز والتخمير وتقليل الكمية التي تذهب الى المطامر المشكو من نهاية سعتها قريباً (وهذا ما كنا قد حذرنا منه في حينه)، ثم لتعود وتقترح «تطوير وتحديث المعامل»، وكأن هذا الطرح لم يطرح بعد، ولا سيما منذ ما قبل إغلاق مطمر الناعمة!
تقترح الخطة الجديدة إما إعادة فتح مطمر الناعمة، كما كنا قد أشرنا سابقاً، أو العودة الى مقترحات الأزمة السابقة بالذهاب الى منطقة سرار في عكار واستخدام مركز هناك للفرز والطمر...الخ
فما معنى اليوم طرح تغيير الخطط، إن عبر العودة الى الخطط القديمة (إعادة فتح مطمر الناعمة) أو عبر طرح استخدام أماكن المقالع القديمة (وهو الاقتراح القديم لإحدى الفرق الانتحارية في وزارة البيئة التي لا تربط بين قضية النفايات وسلامة المياه الجوفية)، أو الدخول في تبني اقتراحات شركات الاسمنت بتحويل قسم من النفايات إلى طاقة بديلة (RDF ) لأفران الشركات من دون دراسات استراتيجية وكافية ومبررة كفاية!
وكيف يتم اقتراح خطط جديدة مكلفة، ولا سيما لناحية استملاك أراض جديدة، من دون تقييم كلفة الخطة الطارئة الأخيرة، التي كلفت عقوداً مع شركات التي التزمت مراكز الكوستا برافا وبرج حمود بما يقارب 180 مليون دولار أميركي وهدايا للبلديات بما يقارب 96 مليون دولار أميركي، والتنازل عن الملكية العامة للشاطئ ووهب الأراضي المردومة لمشاريع بلدية وسلطوية خاصة؟
وإذا كان مبرراً التفكير في خطة الطوارئ تمهيداً للوصول إلى خطة استراتيجية، فكيف يمكن تبرير العودة إلى الخطط والمقترحات القديمة التي فشلت وحصلت اعتراضات كبيرة عليها، وتسببت بفقدان الثقة بأي خيار، وهي النتيجة الأخطر والأصعب والتي تترتب عليها إشكالية كبيرة أمام أي حكومة وأي خطة جديدة لتصبح مقبولة من الناس. فكيف يمكن القبول بالعودة الى الوراء إن لم تحصل عملية محاسبة ما وتحميل مسؤوليات. فإذا كان ممكناً بعد استخدام مطمر الناعمة، فلماذا تم إغلاقه والتسبب بأزمة كبيرة عام 2015 إذاً؟ وإذا كانت الحكومة قد دفعت مبالغ طائلة من أجل الخطة الطارئة الأخيرة، بغض النظر عن صوابيتها، فلماذا لم تتم الاستفادة من أماكن الردم في برج حمود والكوستا برافا لإنشاء معامل للفرز والتسبيخ، وهو المفتاح للحل للتخفيف من النفايات التي تذهب الى المطامر وتخفيض الحاجة إلى المزيد من المطامر (عبر تطويل عمر الموجود) والكلفة، بعد تطبيق مبادئ التخفيف والفرز في المصدر لتخفيف حجم المشكلة وتحسين الخطط وجعلها اقتصادية وبيئية أكثر، بدل العودة الى الوراء!؟
أو فلنعترف بأن الاتهامات التي أطلقناها أثناء إقرار خطة الطوارئ الأخيرة حول «أننا أمام مشروع للتطوير العقاري والاستثماري ولسنا أمام حل طارئ لمشكلة النفايات»، كانت في مكانها، وأن زمن الصفقات لا يزال في بداية عهده!