في 9 تموز يكون الشغور الرئاسي قد قفز الى رقم قياسي جديد: اليوم الأول بعد الشهر 13 واليوم 13 اللذين احتكرهما خلو الرئاسة بعد انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل عام 1988، ثم كان الخلو الثاني طوال ستة أشهر بعد انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود عام 2007. أما الى متى يستمر الشغور الثالث الذي خلف ولاية الرئيس ميشال سليمان، فلا أحد يعرف. وقد يكون ما حدث البارحة في السرايا ومحيطها، ثم ما أعاد الرئيس ميشال عون تأكيده، خير معبّر عن أن أحداً لم يعد يضع الاستحقاق الرئاسي في ترتيب حساباته السياسية في مدى منظور. لا الداخل يسأل عن الرئيس المقبل، ولا الخارج معني بما يجري هنا.


على أن النزول إلى الشارع أوحى هذه المرة بحق المسيحيين في استخدام هذا السلاح، بعدما سبقهم إليه المسلمون أكثر من مرة، وبدا دائماً وسيلة ناجعة لفرض أمر واقع سياسي جديد. استخدم حزب الله الشارع في 7 أيار 2008 في بيروت بذريعة الدفاع عن سلاح المقاومة، ثم في تظاهرة القمصان السود في بيروت أيضاً في كانون الثاني 2011 لإسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، واستخدمه تيار المستقبل في كانون الثاني 2011 في طرابلس وبثّ الفوضى فيها احتجاجاً على تسمية الرئيس نجيب ميقاتي لتأليف حكومة جديدة. في حالات حزب الله وتيار المستقبل، اقترن اللجوء الى الشارع بحمل السلاح في محاولة صريحة لقلب موازين القوى الداخلية، ونجمت عن تحركهما نزاعات مذهبية حادة النبرة. كان في الإمكان كذلك إبصار هذين الفريقين يغطيان فلتان الشارع مراراً في ظاهرة أحمد الأسير وسجن رومية والاضطرابات التي أحاطت بهما.
أضحى الاحتكام الى الشارع سمة أساسية في الحياة السياسية اللبنانية كلما وجد فريق، بل الأصح طائفة في مأزق سياسي حقيقي، وراحت تتطلع الى سبل الخروج منه بفرض قواعد جديدة للعبة المحلية. وهو في الواقع ما لمّح إليه عون في الأسابيع الأخيرة، ووضعه بعرض متعمد أمس ــ منذ اللحظة الأولى لانعقاد مجلس الوزراء ــ موضع التنفيذ، ثم لوّح في الساعات التالية بمزيد من المفاجآت. والواضح في ضوء التجارب الثلاث، المسيحية بعد الشيعية والسنّية، أن الشارع لا المؤسسات الدستورية هو الذي يمنح الأفرقاء جميعاً الشرعية السياسية لا الشعبية فحسب.
وهو أيضاً السبب المباشر وراء إصرار الرئيس تمام سلام على النأي بحكومته عن النزاعات السياسية، وقصر مهمتها على ما سمّاه تسيير شؤون البلاد والعباد، خلافاً لقاعدة ذهبية خبرها معظم العهود والحكومات المتعاقبة عندما احتكم الأفرقاء الى مجلس الوزراء لإدارة خلافاتهم. على الأقل هو ما عرفته أزمات استعرت فيها الانقسامات الطائفية والمذهبية أعوام 1958 و1969 و1975 و1984، وصولاً الى حكومات ما بعد اتفاق الدوحة عام 2008. لم يكن نزول التيار الوطني الحر، وتالياً المسيحي، الى الشارع إلا مكمّلاً لتجربتي 2008 و2011 اللتين قادتا الى تكريس زعامة هذا الشارع.


منذ الخميس دخل الاستحقاق الرئاسي في الرقم القياسي الأعلى منذ 1988


وقد تكون حصيلة ما انتهت إليه جلسة مجلس الوزراء في الظاهر ــ والطرفان المعنيان خرجا منها رابحين بتفاوت ــ هو ما توخاه النزول الى الشارع:
1 ـ لم يعد مجلس الوزراء كما في الحقبة السورية، ثم ما بين عامي 2005 و2008، يُحكم بالعدد فحسب، بل إن مأزق العدد لا يحول دون توجيه الأنظار الى الشارع وسيلة بديلة في تبادل عضّ الأصابع. ليس بين يدي التيار الوطني الحر وحلفائه سوى ستة وزراء لا يسعهم تعطيل نصاب انعقاد مجلس الوزراء، ولا نصاب اتخاذ القرارات، فلجأ الى الشارع الذي أوشك أن يهدد مصير الحكومة برمتها ويضعها على المحك، الأمر الذي يعني أن المؤسسات الدستورية لم تعد تدار بالنصاب الدستوري بل بالنصاب المستمد من أحجام القوى السياسية.
2 ـ على نحو كهذا، لا يقل إصدار مرسوم فتح عقد استثنائي لمجلس النواب صعوبة عما تواجهه حكومة سلام، بل تكمن مشكلة انعقاد البرلمان في افتقاره الى النصاب السياسي لضمان اجتماعه في ظل إصرار الأفرقاء المسيحيين جميعاً تقريباً، كل لدوافع مختلفة، على مقاطعة جلسات الهيئة العامة. وما لم يُعطَ المجلس في العقد العادي الأخير، قد لا يُعطى في العقد الاستثنائي المرجح إذا جُمعت التواقيع اللازمة له، ما لم تتراجع الكتل المسيحية الرئيسية عن مقاطعتها إياه. في غياب النصاب السياسي لا الدستوري فحسب، يمسي مرسوم العقد الاستثنائي حبراً على ورق.
3 ـ من المؤكد أن المشكلة الفعلية لعون ليست مع رئيس الحكومة بالذات، بل مع تيار المستقبل بعد أشهر طويلة من الحوار والتفاوض آل الى النتيجة الصفر في الملفات الثلاثة التي خاضا فيها: انتخابات رئاسة الجمهورية، والتعيينات العسكرية والأمنية، وتصويب المشاركة في السلطة. بذلك لا يعدو الخلاف على الصلاحيات الدستورية، ولا سيما منها صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، اليوم إلا ترجمة لمأزق انقطاع التواصل والتفاهم بين التيارين. لم تنشب أزمة الصلاحيات في عزّ تبادلهما الرسائل الإيجابية، وبدوَا كأنهما يقودان وحدهما حكومة سلام، بينما انصرف حزب الله الى تعزيز مشاركته في الحرب السورية. ما إن أوصدت أبواب التفاوض في ملفي الرئاسة الأولى والتعيينات العسكرية والأمنية في الشهرين الأخيرين، انتقلت التداعيات فوراً الى مجلس الوزراء وكان ــ حتى ذلك الوقت ــ غير معني من قريب أو بعيد بما كان يدور بين الرابية وبيت الوسط والرياض وباريس. ما حصل أن الطرفين تغيّرا، لا ممارسة الصلاحيات.