يقول الشماخ في بيت شعر له:
حمراء من معرضات الغربان
يقدمـها كـل عـلاة عليـان
وتجمع المصادر العربية أنّ «معرضات الغربان» في هذا البيت أن الناقة التي يتحدث عنها البيت هي واحدة من النوق التي تحمّل تمراً على ظهورها كي تأكل منه الغربان: «هذه الناقة تتقدّم الحادي والإِبل فلا يلحقها الحادي فتسير وحدها، فيسقط الغراب على حملها إِن كان تمراً أَو غيره فيأكله، فكأَنها أَهدته له وعَرَّضَتْه» (لسان العرب). يضيف ابن قتيبة: «يريد: أنها تتقدم الإبل وعليها التمر، فتقع الغربان عليها، فتأكل التمر. فكأنها هي أهدته إلى الغربان» (ابن قتيبة الدينوري، غريب الحديث)
إذن، فثمة طراز محدد من النوق يجعل التمر على ظهوره، ويتقدم الإبل، مبتعداً عنها مسافة، فتسقط عليه الغربان وتأكل من حمله من دون أن تخشى شيئاً. وهذه النوق تسمى «معرضات الغربان». وكلمة معرضات تعني: الهدايا. فالعراضة هي الهدية: «والعراضة: هديّة القادم خاصّة» (الميمني، سمط اللآلئ). أما ابن سيده فيقول: «العراضات والعراضة الهدية والطعام تجعله عرضةً لأهل المياه» (ابن سيده، المخصص).

إذن، فثمة ما يوحي بأن التمر الذي على ظهور النوق الحمر هو هدية ما للغربان، وليس كأنه هدية لها، كما تقول المقتبسات أعلاه. إنه هدية من دون أداة التشبيه. ومهمة النوق الحمر هذه أن تحمل هذا التمر وتتقدم الإبل بمسافة كي تأكل منه الغربان آمنة. تقدمها عن الإبل الأخرى إشارة أمان للغربان، تقول لها: كلي ولا تخشي شيئاً. من أجل هذا سميت هذه النوق باسم: معرضات الغربان: أي حاملة هدايا الغربان. عليه، فالغراب لا يذهب سارقاً إلى التمر الذي على ظهور هذه النوق، بل يذهب ليأخذ حقاً ما، أو هدية ما.

الإله دأية

والسؤال هو: لم تقدم هذه الهدية للغراب؟ ولم يحق له التمر على ظهور المعرضات؟ لا بد من جود سبب ما جعل الناس في الجاهلية يضعون حملاً من التمر على ظهر نياق محددة، تترك كي تتقدم الإبل الأخرى، كي تحط الغربان عليها وتأكل من التمر الذي تحمله. إذ لا يمكن لنا افتراض أن هذا الحق يعطى كرماً، أو يقدم هكذا بلا سبب.
وجواباً على هذه الأسئلة، نحن نعتقد أن الغراب لا بد أن يكون ممثلاً لإله ما له حق في هدية التمر على ظهور النوق، وأن الغراب يأخذ التمر نيابة عن هذا الإله. وإن كان هذا الفرض صحيحاً، فمن هو هذا الإله؟
نظن أن هذا الإله هو الإله «دأي، داي» الذي ورد اسمه كإله عربي في نصوص أسر حادون الآشوري في القرن السابع قبل الميلاد: «ومن أدوماتو، حصن العرب الذي استولى عليه سنحاريب، والدي، وغنم ممتلكاته، وأصنامه، كما أسر أسكالاتو ملكة العرب، وجلب كل هذا إلى آشور. وقد جاء حزائيل، ملك العرب، حاملاً معه الهدايا إلى نينوى، المدينة التي أحكمها، وقبّل قدميّ. لقد رجاني أن أعيد أصنامه، فرحمته. وقد أصلحت الضرر الذي حل بعترسمين، داي، نُهى، رالدايو، أبيريللو، وعتر قوروما، آلهة العرب، وأعدتها له بعدما وضعت عليها نقشاً يعلن هيمنة إلهي آشور، إضافة إلى اسمي».
كما أنني أزعم أنني عثرت على اسم هذا الإله في نصوص مقطعية جبيل التي تعود للقرن السابع عشر قبل الميلاد، وبصيغة «دأية». وقد نشرت شيئاً عن قراءتي للمقطعية في «الأخبار» (عدد 27/1/2017) من قبل.
ومن اسم هذا الإله أخذ الغراب عند العرب كنيته. فالغراب يدعى عندهم «ابن دأية». وهذا ما يتوافق مع صيغة «دأية» في مقطعية جبيل. إنه ابن الإله دأي، أو دأية، أي أنه ممثله وتابعه. أكثر من ذلك، لعل عظمة كاهل الجمل دعيت «دأية» بسبب ارتباطها بالإله دأي- دأية وابنه الغراب. فهي «دأية» لأن الغراب «ابن دأية» يحط عليها كي يأكل من حمل التمر الذي يخصه ويخص إلهه.

الماء في البئر

لكن لماذا يملك الإله دأي الحق في الحصول على حصة من تمر النخيل؟ يبدو لنا أن هذا الحق نابع من ملكية هذا الإله للماء، الماء السفلي، الذي يسقى منه النخل. فهو إله الماء السفلي. بذا، فالماء الذي يسقي النخيل ماءه. وهذا ما يخوله الحصول على حصة من تمر النخل الذي شرب هذا الماء. ولدينا هذا الرجز الذي يربط بين تمر الغراب وبين الماء مباشرة.
قد قلت يوماً للغراب إذ حـجل
عليك بالقـود المسانيف الأول
تغذّ ما شئت على غير عـجل
التمر في البئر وفي ظهر الجمل
فههنا يأتي الغراب حاجلاً في وقت محدد، وقت نضوج التمر، كي يأخذ حقه وحق أبيه «دأي، دأية» من محصول التمر. فيخبره الرجاز أن حصته من التمر على ظهور «القود المسانيف الأول»، أي معرضات الغربان. ثم يقول له: «تغذّ ما شئت على غير عـجل» أي خذ راحتك، ولا تخش شيئاً، فهذا تمرك وحقك. لكن شطرة: «التمر في البئر وفي ظهر الجمل»، هي الأهم هنا.


نفترض أن الإله «دأي، دأية» العربي مثيل للإله العراقي القديم «إنكي» ذاته
وقد فهمنا معنى أن يكون التمر على ظهر الجمل، فهو يوضع على ظهور النوق التي تدعى «معرضات الغربان» كي يأخذه الغراب الذي يجري الحديث عنه. لكن لم يكون التمر في البئر؟ وكيف يكون التمر في البئر؟ أظن أن الإجابة سهلة هنا. فالماء، ماء الإله دأية وأبيه، هو أصل التمر على النخلة. فبه يسقي النخيل الذي ينتج التمر. بذا فهو التمر عملياً. إذ من دون هذا الماء، لن يكون هناك تمر. عليه، فالتمر موجود في البئر قبل أن يكون موجوداً على ظهر الجمل. بذا، فالإشارة للبئر ومائه إشارة إلى حق الغراب وسيده في التمر الذي على ظهور المعرضات. الماء الذي في البئر ماؤك، والتمر الذي على ظهر الجمل تمرك.
وهذا ما تؤكده جملة ابن سيده التي أوردناها أعلاه: «العراضات والعراضة الهدية والطعام تجعله عرضةً لأهل المياه». فالعراضة، أي الهدية، تقدم «لأهل المياه»، أي لأصحاب المياه. والغراب من أهل هذه المياه، إنه في الحقيقة ممثل أهل المياه، أي ممثل إله الماء السفلي الذي يسقى به النخيل.
بناء عليه، يحق لنا أن نفترض أن الإله «دأي، دأية» العربي مثيل للإله العراق القديم «إنكي» ذاته. إنهما معا يمثلان الماء الجوفي، الماء التحت أرضي، ماء الآبار والصدوع والشقوق، لا ماء المطر السماوي.
أما المثل العربي الجاهلي الشهير: «وجد تمرة الغراب»، فنعتقد أنه على علاقة مباشرة بما نحن فيه. ولم تكن المصادر العربية قادرة على إدراك أصل هذا المثل، بسبب عدم فهمها للأسطورة التي نتحدث عنها. لذا رأت فيه إشارة واقعية لا ميثولوجية. فالتفسير السائد له يقول: «يضرب لمن يظفر بالشيء النفيس لأن الغراب يختار أجود التمر»، إذ «الغراب أعرف بالتمر»، وهو «لا يأخذ إلا الأجود منه»، و«يتبع أجود التخمر فينتقيه» إلخ. وكل هذا غير صحيح. أما الصحيح فهو ما ذكره الزمخشري. «وجد عنده تمرة الغراب: أي ما أرضاه‏» (الزمخشري، الكشاف). وما يرضي الغراب هو حمل التمر على ظهور «معرضات الغربان»، الذي هو ثمن الماء الذي يخص إلهه. وهو يرضى، ويرضى غلّه معه، حين توضع له تمرته على ظهور المعرضات، ويسقط على كواهلها كي يأكلها. تمرة الغراب إذن تعني حقه الذي يرضيه بشكل مباشر تقريباً.

غربان البصرة

أخيراً، يقدم لنا الجاحظ تقريراً مدهشاً عن سلوك غربان البصرة مع التمر:
«وبالبصرة من شأن الغِرْبان ضروبٌ من العجب، لو كان ذلك بمصر أو ببعض الشامات لكان عندهم من أجودِ الطِّلَّسم. وذلك أنّ الغربان تقطع إلينا في الخريف، فترى النَّخْلَ وبعضها مصرومة، وعلى كلِّ نخلة عدَد كثيرٌ من الغربان، وليس منها شيءٌ يقرب نخلةً واحدةً من النّخل الذي لم يُصرم، ولو لم يبق عليها إلا عذقٌ واحد، وإنّما أوكار جميع الطير المصوِّت في أقلاب تلك النّخل، والغراب أطيرُ وأقوى منها ثم لا يجترئ أن يسقط على نخلة منها، بعد أن يكون قد بقي عليها عِذْق واحد... ولو أنّ الله عزَّ وجل أذن للغراب أن يسقط على النخلة وعليها الثّمرة لذهبت، وفي ذلك الوقت لو أنّ إنساناً نقر العِذْق نقرةً واحدَةً لانتثر عامَّة ما فيه، ولهلكتْ غلّاتُ الناس، ولكنّك ترى منها على كلّ نخلة مصرومةِ الغِربانَ الكثيرة، ولا ترى على التي تليها غراباً واحداً، حتى إذا صرموا ما عليها تسابقن إلى ما سقط من التمر في جوف الليف وأصول الكرَب لتستخرجه كما يستخرج المنْتَاخُ الشّوك» (الجاحظ، الحيوان).
التقرير كما نرى عجيب جداً. فالغربان القادمة في الخريف، أي وقت جداد النخل وصرامه، تمتنع من تلقاء ذاتها عن الاقتراب من النخل غير المصروم، وتقف على النخل المصروم فقط. وهي لا تتقدم لالتقاط ما يقيتها إلا بعد جداد النخلة. إذ عندها تذهب إلى الساقط من التمر وتلقطه. وهذا أمر في غاية الغرابة في الحقيقة. ولا يستطيع المرء بسهولة أن يحكم إن كان التقرير الذي يقدمه الجاحظ عن سلوك الغربان تقريراً واقعياً أو ميثولوجياً. أقصد أن المرء لا يستطيع أن يؤكد إن كان الجاحظ يروي أشياء رآها بعينه أم أنه نقل «حقائق معروفة» عند أهل البصرة. ونحن نعلم أن «الحقائق المعروفة» تكون في كثير من الأحيان «حقائق ميثولوجية» شائعة تقدم نفسها كحقائق. لكننا ميالون إلى أننا أمام تقرير ميثولوجي يتحدث عن حقوق الغربان. فالغراب يعرف حدوده وحقوقه، ولا يتخطاها. فالتمر على النخلة ليس من حقه. حقه هو ما يوضع على ظهور «معرضات الغربان»، إضافة إلى التمر الساقط في «جوف الليف وأصول الكرب». فهذا تمر لأيدي اللاقطين ومناقيرهم. ولعل في حديث الجاحظ ما يشي بأن الأمر يتعلق بإرادة إلهية ما: «ولو أنّ الله عزَّ وجل أذن للغراب أن يسقط على النخلة وعليها الثّمرة لذهبت... ولهلكتْ غلّاتُ الناس». لكن ما كان من غير الممكن للجاحظ أن يدركه أنه كانت هناك آلهة قديمة تضع حدود، بل وعقوداً، حول الحقوق في التمر. والغراب، كممثل لإله الماء السفلي، ملتزم بدقة بالعقود والحدود. لذا فمنقاره لا يلقط التمر إلا من ظهور المعرضات، وإلا من الساقط بين الليف وأصول الكرب. فهذا هو حق الغراب فقط. هذه هي تمرته.
* شاعر فلسطيني