لم تكن الاحتمالات كثيرة أمام مسودّات ج. ب دونليفي (1926 ــ 2017) الأولى. الرفض جاء قاطعاً من دور النشر الأميركية والبريطانية التي أرادت صدَّ جموح البطل سيباستيان دانجرفيلد. لم ينل هذا من رواية The Ginger Man، رغم إحراقها ومنعها حتى السبعينيات في إيرلندا، وحذف الرقابة الأميركية منها جملاً وفصلاً كاملاً.


بقيت هذه الباكورة (1955) الأشهر بين الروايات الـ 13 التي نشرها الكاتب الإيرلندي الأميركي مثل «أكلَة البصل» (1971)، و«الرجل المفرد» (1963) و«خرافة نيويورك» (1973) التي انتقلت إلى الخشبة. قد يصير الأمر محبطاً بالنسبة إلى كاتب لم تحقق رواياته الأخرى (الكثيرة)، نصف انتشار The Ginger Man التي أدرجت ضمن كلاسيكيات الأدب المعاصر مع بيعها أكثر من 45 نسخة في 12 لغة عالمية، العربية ليست من بينها. هكذا توارى دونليفي في عزلة طويلة خلال سنواته، لم يقوَ سوى الموت على إخراجه منها، قبل أيام. الكاتب الذي ولد لمهاجرين إيرلنديين، في نيويورك، خدم مع البحرية الأميركية في الحرب العالمية الثانية. في روايته، قرر العودة إلى إيرلندا ما بعد الحرب العالمية الثانية، التي كانت حينها مسكونة بالجثث، ومرتعاً للجرذان السارحة. متأثراً بكتابات جيمس جويس، وضع دونليفي بطله في دابلين. يتحدّر سيباستيان من عائلة أميركية ميسورة، لكنه يتخذ قراراً حاسماً بالتخلي عن دراسته للحقوق في «جامعة ترينيتي» مقابل النزول إلى حانات المدينة، والشرب، وإقامة العلاقات الغرامية مع النساء. هزّت الرواية المشهدين الأدبيين الأميركي والأيرلندي، حيث تخوض في تفاصيل جلسات السكر، وفي العلاقات الجنسية بفجاجة مطلقة، طعّمها بالسخرية الإيرلندية السوداء والفاحشة. هذا ما جعل من بطله كاراكتيراً أخرق، أطلقت عليه توصيفات متناقضة من قبيل مريض، ووحش ومهرّج وبوهيمي ومدمّر، ورجل عاق لزوجته وطفله، فيما اتهمته الحركات النسوية بالذكورية، وهذا ما لم ينفه دونليفي. شخصية كهذه ألقت بالرواية نحو سوء فهم، حيث أدرجها الناشر الفرنسي «أوليمبيا بريس» ضمن سلسلة إيروتيكية، «كانت تلك نهاية مهنتي» قال دونليفي الذي وصف مهنة الكتابة بـ «تحويل أكثر اللحظات بؤساً إلى أموال». قبل وفاته في إيرلندا قبل أيام، لم يكن لدونليفي مطالب كثيرة سوى «إنني أريد أن أتحلّل في برميل بيرة توزّع على كل حانات دابلن».