وجدت نفسي في بيت صديق ريفي، مدعواً على الغداء. صديق له ابنة مراهقة كانت ترتدي البيكيني الأصفر. كل الموجودين كانوا يرتدون البيكيني إلا أنا، أرتدي بلوفراً من الصوف عالي الرقبة. وكانت زوجة صديقي تؤكد أن البرد والحر مسألة إيحاء لا أكثر.


أنت تشعر بالبرد لأنك مقتنع بأن الجو بارد ونحن نشعر بالحر لأننا نعتقد أن الجو حار.
- لكن حمّام السباحة مثلج، رددت عليها.
- المياه لا تعرف الإيحاء لأنها بلا عقل. أنا أتكلم عنّا، نحن البشر.
كان الحوار يسيل بلطف بينما نتناول المقبلات في مطبخ البيت الرحب، ومن هناك نتطلع إلى الحديقة وحمّام السباحة المكسو بطبقة ثلجية صنعوا فيها ثقباً ليستحموا فيه. وفي لحظة محددة، راح صديقي وزوجته ليسبحا، وبقيت أنا مع البنت المراهقة التي جلست إلى مائدة المطبخ لتأكل البطاطس المحمّرة من طبق زجاجي كبير. حينها، وبينما أبواها يسبحان بسعادة في الخارج، ماتت الفتاة فجأة والبطاطس في حلقها. أدخلت إصبعي في فمها لأسحب قطعة البطاطس، فربما يساعدها ذلك على التنفس، لكنها كانت ميتة تماماً. يائساً، حملتها إلى الصالة ووضعتها على الأريكة وقبّلتها قبلة الحياة. كانت أخف من قطتي.
لم أنجح في فعل أي شيء. وحين كنت على وشك الخروج لأطلع أبويها على ما حدث، سمعتهما يصرخان. كانا يسخران مني. يؤكدان أني أتصنع الشعور بالبرد حتى لا أستحم لأني أخاف من الماء. أدركت حينها أني عاجز عن نقل الخبر إليهما. بالإضافة إلى أني، ولسبب لا يمكن شرحه، كنت أشعر بالذنب أمام هذا الموت. عدت حينها للصالة وأمسكت بيد الفتاة الميتة بين يديّ. ثم أغمضت عينيّ وعزمت أن أمنحها جزءاً من حياتي. أتذكر أن شعوراً غريباً بالدفء قد ملأني، شعوراً شديد الكثافة، قبل أن ألحظ أن الحياة عادت، بالفعل، إلى جسد الفتاة التي فتحت عينيها بمجرد أن أطلقت يديها.
- أعتقد أني مت لبرهة، قالت وهي تستوي في مجلسها.
وأنا عدت للمطبخ وواصلت تناول المقبلات. دخل أبواها ليتنشفا ببشكيرين ملونين وبعد قليل جلسنا لنتناول الغداء معاً.
في هذه اللحظة صحوت. نظرت إلى الساعة وكانت الثالثة فجراً. كان حلقي جافاً والشعور بالاستغراب الذي تخلّفه الأحلام الحية جداً لم يفارقني بعد. كانت يداي لا تزالان تذكران ملمس يد الفتاة قبل أن تُبعث، وفي فمي لا يزال مذاق المقبلات، البطاطس المحمرة والزيتون. كنت وحيداً بالبيت، هكذا لم يكن ممكناً أن أتحدث مع أحد لأخفف عن نفسي إحساس أني عقدت صفقة مع الموت. ولأن الليل يضاعف كل شيء، تضاعف خوفي من الظلام. أضأت كل الأنوار، رغم ذلك بدا لي البيت معتماً جداً. فكرت أن النور مسألة إيحاء. إن اعتقدتَ أن الإضاءة خافتة، سيتبدى لك الظلام، حتى لو كنت تحت شمس ساطعة. أظن أني ظللت أرِقاً مدة ساعة، متنقلاً من هنا لهناك. وحين دخلت في السرير مرة أخرى، فتحت راديو الكومودينو ثم أطفأته في الحال، إذ كان يذيع برنامجاً عن الأمور الخارقة زاد أرقي.
لا أعرف كم تأخرت حتى استغرقت في النوم، غير أني أعرف أني رأيت في الحلم مجدداً صديقي وعائلته. كانت قد مرت أيام منذ كنت معهم في البيت الريفي. كانت حياتي عادية، لو استثنينا إرهاقي منها. لم أكن قادراً، كما كنت من قبل، على صعود سلم بيتي (في الدور الرابع). بالإضافة إلى أني فقدت شهيتي ومذاق الأشياء التي كانت من قبل تثيرني. ليس مذاق كل الأشياء، إنما نصفها تقريباً. ومعتقداً أنه خلل كيمياوي، بدأت في تناول فيتامينات من دون أثر يذكر. لم أكن مريضاً لكني لم أكن كذلك على ما يرام. وفي العمل كنت أنتج نصف ما كنت أنتجه من قبل. الحياة، في النهاية، غدت نصف حياة.
أثناء ذلك، اتصل بي صديقي ليحكي لي، وهو مشغول جداً، أن ابنته تعاني من مشكلات. أي نوع من المشكلات، سألته. أجابني بأنها تبدو نصف ميتة، أو نصف حية. لا شيء يؤلمها، لكنها فقدت 50% من حيويتها. وفي المواد التي كانت تحصل فيها على عشرة، باتت تحصل على خمسة، وكل شيء هكذا. صحوت في لحظة إنهاء المكالمة مع صديقي، لكني أعتقد أني استيقظت نصف يقظة، بمعنى أن نصفي فحسب استيقظ، وبقيت على هذه الحال حتى الآن.

*خوان خوسيه مياس (إسبانيا، 1946) روائي وقاص وكاتب مقال إسباني شهير، يعد أحد أكبر كُتّاب اللغة الإسبانية الآن. ينتمي جيلياً إلى جيل السبعينات، غير أن أدبه الجديد والتجريبي باستمرار يجعل منه كاتباً شاباً. صدر له ما يربو على 20 رواية ومجموعة قصصية، وفاز بالعديد من الجوائز الهامة مثل جائزة نادال، ألفاجوارا، جائزة النقد. كما كان محكماً في العديد من الجوائز الأخرى، وحصل على الدكتوراه الشرفية من جامعة تورين وجامعة أوبييدو. يتميز أدبه عموماً بمزج الواقع بالخيال، وكسر الخطوط الوهمية بين الحلم والواقع، يفعل ذلك بلغة سيالة تميل للبساطة. صدر له بالعربية «العالم» و«لاورا وخوليو»، «هكذا كانت الوحدة» و«هي تتخيل وهلاوس أخرى».