القاهرة | دخل بيرم التونسي حقل الشعر من باب الظلم والقهر، عندما انتزع منه المجلس البلدي في الإسكندرية منزله، فما كان منه إلا أن هجاه. لذلك ربما كان القهر قرين الكتابة الأول عنده لأن حياته نفسها لم تكن سوى بكائية طويلة. التونسي هو أبو شعر العامية المصرية. هو أول من اجترحها ومنحها شخصيتها التفاعلية الحية. ولعله من المدهش إن قلنا إن اثنين من رواد شعر العامية المصرية، ليسا مصريين. بخلاف بيرم ذي الأصول التونسية، هناك فؤاد حدّاد الذي حمل الجنسية اللبنانية.


هذا يعكس مدى قدرة اللهجات العامية المصرية على اجتذاب – بل إغواء – الشاعر. ثلاثة شعراء شبّان من مصر، يكتبون هنا شهاداتهم عن بيرم المؤسس. الثلاثة ينتمون لثقافات مصرية متنوعة، أحدهم نوبي، يحمل قدرة الجنوبي على اجتراح المجاز المتطرف، والآخر بدوي، متأمل، جمع في لغته نيلاً وصحراء، وثالثهم من الوجه البحري، حصد أخيراً «جائزة أحمد فؤاد نجم لشعر العامية».


سال الشهباني *
من الأزقة، والحواري الضيقة، والبيوت القديمة، من الموالد، وحلقات الذكر والإنشاد، من الشوادر، ومن رائحة البخور والمسك والعنبر، ورائحة اللحم المسلوق، والفتّة، والدراويش الجالسين بالقرب من مقام أولياء الصالحين، ومن بائعي الحمص والفول السوداني والحلويات وأحصنة السكر وعرائس المولد، وعربات الفول النابت، وخيام الطرق الصوفية، والرقص والإنشاد، ونداء البائعين على بضائعهم، من غناء الفلاحين فى جمع القطن وبدر الغلة، من السوامر، من غناء الأمهات في الشوارع القديمة ذات التاريخ العريق، من وصلات العديد والردح، من المثل الشعبي، من التنكيت والتبكيت في جلسات مقاهي القاهرة القديمة، من وصلات النميمة، ومن السخرية، والنقد الحاد على كل أوضاع المعيشة السيئة، جاءت عظمة أشعار بيرم التونسي، التي التحمت بهموم الشارع وقضايا البسطاء، الذين كل مرادهم كما قال بيرم التونسي: «قال إيه مراد ابن آدم شقة، قال إيه يكفي ابن آدم.. شقة، قال إيه يعجل بعمره.. زقة.. قال حد فيها مخلد؟..لأ».
حملت أشعار بيرم نقداً صارخاً، وبُعداً فلسفياً يحمل حكمة الفقراء البسطاء الذين قهرتم الحياة فلم يجدوا إلا التنكيت على حالهم، كطريقة للتنفيس عن أوضاعهم المعيشية الصعبة. وحدها المصادفة التي ألقت بكتاب مختارت بيرم التونسي في يدي وأنا في المرحلة الثانوية. قرأت وأنا في غاية الاندهاش من هذه اللغة البسيطة الرقيقة الجذابة الحادة العميقة، لم أكن أعرف ما تصنيف هذا النوع من الشعر، خصوصاً وأنا أدرس في هذه المرحلة شعراً كان بعيد الصلة عني، لا يناقش القضايا التي أعرفها. عندما قرأت أشعار بيرم، شعرت أنه كتبها لزمننا وقضايانا. منذ تلك اللحظة، بحثت عن كل ما يتعلق ببيرم من أشعار وسيرة ومذكرات ومقالات وغيرها تخص هذا الشاعر الذي اعتبرته أنا وجيلي واحداً من مؤسسي قصيدة العامية في مصر. وإن كانت قصيدة بيرم التي كتبت على القالب العمودي وعالجت مشاكل آنية يصنفها بعض النقاد بـ»الزجل»، إلا أنني أراها قصيدة عامية من الطراز الأول، خصوصاً إذا نظرنا إلى الفترة التي كتبت فيها، وكيف كانت النظرة للشاعر الذي يكتب باللغة الدارجة نظرة دونية. لولا أن الشاعر أحمد شوقي أنصف بيرم التونسي في مقولته: «إنني لا أخشى على الفصحى إلا من عامية بيرم التونسي». في النهاية، أرى أن أشعار بيرم التونسي تُقرأ لكل زمان، لبساطة جملها وتصويرها الفني، وخلوها من التعقيد والتكلف لأنها التصقت بالشارع وعبرت عنه من دون مواربة وحياد.
* من بدو جنوب سيناء (1979)، يكتب بالعامية المصرية،
من دواوينه «السنة 13 شهر»، و«القطة العميا».


رامي يحيى *
بيرم مش بس شاعر، وإن كان فعلاً شاعر فارق في تاريخ مصر. بيرم «التونسي» هو اللي فرض الشخصية المصرية على عالم الأدب، وخصوصاً الشعر، ففي الوقت اللي كان فيه أحمد شوقي بيقود عملية الردة الشعرية، وبيرسخ لقواعد شعرية تجاوزتها الإنسانية بزعم إنها أصول الشعر العربي، في هذه الفترة المشحونة بالنزوع للعربية بوصفها طريقة الكتابة ولغته، ظهر بيرم «التونسي» ليدافع عن اللغة المصرية وقدرتها على التعبير، وعمل كده عملي مش بالتنظير.
كانت حياته نموذجاً على تنوع الشخصية المصرية، وتأكيداً على كونها شخصية كوزموبولوتانية عكس ما حاول العروبيون صبغها بلون واحد، ليس حتى لونها الأساسي. وكان شعره تأكيداً على قدرة هذا الخليط البشري على إنتاج لغته وأدبه، مش بس بنفس قدرة اللغة العربية، إنما بشكل أصدق وأقرب للقلب، ما دفع نصير اللغة العربية وصاحب كارثة الردة الشعرية لقول تعليقه الشهير: «لا أخشى على اللغة العربية إلا من شِعر بيرم التونسي». نجح بيرم في شق طريق أدبي باللغة المصرية، فخرج لنا كُبَارات الشعر زي فؤاد حداد ومن خلفه جاهين وحجاب ونجم والأبنودي...، وعدد من الأسماء يحتاج مجرد حصرهم لمساحة مقال، كلهم طبعاً يدينوا بالفضل لأول من شق الطريق، وأتمنى أن يقود كبار العامية الآن حركة لتكملة مسيرة بيرم والضغط على وزارة الثقافة لتعترف بشعر العامية في جوائز الدولة، وتلغي شرط أن يكون الديوان المقدم باللغة العربية، أو على الأقل يكون هناك فرع للعامية المصرية يحمل اسم «بيرم التونسي».
* شاعر مصري نوبي (1977)، يكتب بالعامية المصرية، من أعماله «صعلوك»،
«كلام كريم»، و«بأكّد جنوني». غنى له العديد من المطربين مثل فيروز كراوية وفريق «بلاك تيما».

سعيد شحاتة *
بيرم الرائد الذي فتح الباب للعامية المصرية على مصراعيه للجميع، الأب الروحي الذي وضع حجر الأساس للقصيدة الحديثة، أحد أضلاع المثلث العظيم «بيرم-حدّاد-جاهين»، الرجل الذي فك شفرة الشعب المصري منذ أن قرأ خباياه، بيرم الطفل الذي لم يعش طفولته كما ينبغي، ولم يكمل تعليمه نظراً للظروف القاسية التي مرّ بها بعد وفاة أمه... عوامل كثيرة أثرت في بناء شاعر ضخم فاقت كلمته أحزانه وتخطت صورته مضمار آلامه وإخفاقاته في الحياة. لم يأبه بكل هذا. استمرت الشاعرية المتدفقة والفكر السابق لأوانه ومجلاته الحرة «المسّلة» و«الخازوق». قرأ الشخصية المصرية وكتبها شعراً وقرأ الشارع المصري وعبر عنه، وقرأ القصر ومواليه فوق ضدهم بكل ما يملك فضاعت حياته على أرصفة المنافي.
شاعر كلما ذكر أمام شوقي، انتابه القلق والفزع والحيرة خوفاً على الفصحى من وجود بيرم كما ذكر هو على لسانه. لكني أعتقد أن أحمد شوقي كان ذكيّاً لدرجة أنه ادعى ذلك. لكن ما كان يرعبه من وجهة نظري خوفه من شاعرية بيرم الطاغية، وتأثيرها في الشارع. شوقي خاف على نفسه وعلى عرشه ليس على الفصحى كما ذكر. وأنا أعتقد أننا في حاجة إلى إعادة قراءة هذا العملاق مرة أخرى. شاعرية بيرم يجب أن تدرس بدلاً من أن يتشدق المتشدقون بمقولة إنه زجّال. رجل لو أنصفه التاريخ، لاستمعنا إلى أشعاره يومياً في الإذاعة والتليفزيون، بدلاً من الترهات التي نستمع إليها الآن. شاعر لو أنصفه النقاد لوضعوه على رأس الهرم الشعري وهذا حقه كمناضل وشاعر وإنسان لم تسعفه الحياة بعمر مواز ليحياها كما ينبغي. شاعر لو لم يكتب إلا أغنية «القلب يعشق» لكفته ورجحت كفته كشاعر عظيم.
* شاعر عامية مصري (1979)، من أعماله ديوان «حلمت بيه.. ونسيت»،
حاصل على «جائزة أحمد فؤاد نجم» لشعر العامية.